الباحث القرآني

وُضِعَ لِلنَّاسِ صفة لبيت، والواضع هو اللَّه عز وجلّ، تدل عليه قراءة من قرأ (وُضِعَ لِلنَّاسِ) بتسمية الفاعل وهو اللَّه. ومعنى وضع اللَّه بيتا للناس، أنه جعله متعبداً لهم، فكأنه قال: إن أوّل متعبد للناس الكعبة. وعن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه سئل عن أوّل مسجد وضع للناس فقال: «المسجد الحرام، ثم بيت المقدس» وسئل كم بينهما؟ قال: «أربعون [[متفق عليه من حديث أبى ذر رضى اللَّه عنه قال «سألت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن أول مسجد وضع للناس قال: المسجد الحرام. قلت: ثم؟ قال: بيت المقدس. قلت: كم بينهما؟ قال أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد فحيث أدركتك الصلاة فصل» .]] سنة» . وعن علىّ رضى اللَّه عنه أن رجلا قال له: أهو أوّل بيت؟ قال: لا، قد كان قبله بيوت، ولكنه أوّل بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة. وأوّل من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش. وعن ابن عباس: هو أوّل بيت حُجَّ بعد الطوفان. وقيل: هو أوّل بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض، خلقه قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض تحته. وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم في الأرض. وقيل: لما أهبط آدم قالت له الملائكة: طف حول هذا البيت فلقد طفنا قبلك بألفي عام، وكان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح، فرفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات لَلَّذِي بِبَكَّةَ البيت الذي ببكة، وهي علم للبلد الحرام: ومكة وبكة لغتان فيه، نحو قولهم: النبيط والنميط، في اسم موضع بالدهناء: ونحوه من الاعتقاب: أمر راتب وراتم. وحمى مغمطة ومغبطة [[قوله «وحمي مغمطة ومغبطة» في الصحاح: أغمطت عليه الحمى لغة في أغبطت، أى دامت اه. (ع)]] . وقيل: مكة: البلد، وبكة: موضع المسجد. وقيل: اشتقاقها من «بكه» إذا زحمه لازدحام الناس فيها. وعن قتادة: يبك الناس بعضهم بعضاً الرجال والنساء، يصلى بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلا بمكة كأنها سميت ببكة وهي الزحمة. قال: إذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ الأَكَّهْ ... فَخَلِّهِ حَتَّي يَبُكَّ بَكَّهْ [[يقول إذا أخذت «الأكة» وهي سوء الخلق «الشريب» الذي يشرب معك، أو الذي يسقى إبله معك، كأنها ملكته واستولت عليه «فخله» أى اتركه حتى يقتطع من الماء قطعة، أو حتى يزدحم بإبله على الماء مرة، من الازدحام. وهذا وصية بمكارم الأخلاق، والحلم عند الغضب، والسماحة.]] وقيل: تبك أعناق الجبابرة أى تدقها. لم يقصدها جبار إلا قصمه اللَّه تعالى مُبارَكاً كثير الخير لما يحصل لمن حجه واعتمره وعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب، وانتصابه على الحال من المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو، والعامل فيه المقدر في الظرف من فعل الاستقرار وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم ومتعبدهم مَقامُ إِبْراهِيمَ عطف بيان لقوله (آياتٌ بَيِّناتٌ) . فإن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد [[قال محمود: «إن قلت: كيف صح بيان الجماعة بالواحد ... الخ» ؟ قال أحمد: ونظير هذا التأويل ما تقدم لي عند قوله تعالى: (وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ) قال محمود فيما تقدم «والذي صدر منهم أمنية واحدة، فما وجه جمعها» وبينت فيها هذا بعينه، وهو أن الشيء الواحد متى أريد تمكينه وامتيازه عن غيره من صفة جمع، أفاد الجمع فيه ذلك، وقد لاح لي الآن في جمع الأمانى. ثم وجه آخر، وذلك أن كل واحد منهم صدرت منه هذه الأمنية، فجمعها بهذا الاعتبار تنبيها على تعددها بتعددهم، والعجب أن الجمع في مثل هذا هو الأصل، وأن الافراد إنما يقع فيه على نوع ما من الاختصار. ومنه: كلوا في بعض بطنكم تصحوا.]] ؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لظهور شأنه وقوة دلالته على قدرة اللَّه ونبوة إبراهيم من تأثير قدمه في حجر صلد، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً) والثاني: اشتماله على آيات [[عاد كلامه. قال: الوجه الثاني اشتماله على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء آية، وحفظه مع كثرة عدوه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية، ويجوز أن يريد مقام إبراهيم وأمن من دخله، وكثيراً سواهما واللَّه أعلم.]] لأنّ أثر القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخر دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء عليهم السلام آية لإبراهيم خاصة، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوف سنة آية. ويجوز أن يراد: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأنّ الاثنين نوع من الجمع كالثلاثة والأربعاء. ويجوز أن تذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما. دلالة على تكاثر الآيات، كأنه قبل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، وكثير سواهما. ونحوه في طىِّ الذكر قول جرير: كَانَتْ حَنِيفَةُ أثْلَاثاً فَثُلْثُهُمُو ... مِنَ الْعَبِيدِ وَثُلْثٌ مِنْ مَوَالِيهَا [[لجرير يقول: كانت هذه القبيلة منقسمة أثلاثا، فثلثها من العبيد الأرقاء، وثلثها من عتقى القبيلة أو من عتقى العبيد. وعليه فالاضافة على معنى «من» ولم يذكر الثلث الثالث، لأنه من المعلوم أنه لم يبق إلا السادة الأشراف، بدليل الحصر في الأثلاث، والترقي من العبيد إلى العتقى. وهذا يحتمل الذم، وأن ثلث القبيلة فقط كرام والباقي لئام. ويحتمل المدح وأن خدمهم من العبيد كثير.]] ومنه قوله عليه السلام «حبب إلىّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وقرة عينى في الصلاة [[قد تقدم أنه أورده عند قوله تعالى: (وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ) مختصراً. وقد تقدم أن النسائي أخرجه من طريق سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان ومن طريق سلام بن مسكين، كلاهما عن ثابت عن أنس. ومن طريق سيار. رواه أحمد في الزهد والحاكم في المستدرك. ومن طريق سلام أخرجه أحمد وابن أبى شيبة وابن سعد والبزار وأبو يعلى، وابن عدى في الكامل، وأعله به، والعقيلي في الضعفاء كذلك. وقال الدارقطني في علله. رواه أبو المنذر سلام. وسلام بن أبى الصهباء وجعفر بن سليمان، فرووه عن ثابت عن أنس، وخالفهم حماد بن زيد عن ثابت مرسلا. وكذا رواه محمد بن ثابت البصري. والمرسل أشبه بالصواب. وقد رواه عبد اللَّه بن أحمد في زيادات الزهد عن غير أبيه من طريق يوسف بن عطية، عن ثابت مرسلا أيضا. ويوسف ضعيف. وله طريق أخرى معلولة عند الطبراني في الأوسط عن محمد بن عبد اللَّه الحضرمي عن يحيى بن عثمان الحربي عن الهقل بن زياد عن الأوزاعى عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أنس مثله قلت: ليس في شيء من طرقه لفظ «ثلاث» بل أوله عند الجميع «حبب إلى من دنياكم النساء- الحديث» وزيادة «ثلاث» تفسد المعنى. على أن الامام أبا بكر بن فورك شرحه في جزء مفرد بإثباتها، وكذلك أورده الغزالي في الأحياء واشتهر على الألسنة.]] وقرأ ابن عباس وأبىّ ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة: آية بينة، على التوحيد. وفيها دليل على أنّ مقام إبراهيم واقع وحده عطف بيان. فإن قلت: كيف أجزت أن يكون مقام إبراهيم والأمن عطف بيان للآيات؟ وقوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) جملة مستأنفة إما ابتدائية وإما شرطية؟ قلت: أجزت ذلك من حيث المعنى، لأن قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) دلّ على أمن داخله، فكأنه قيل: فيه آيات بينات: مقام إبراهيم، وأمن داخله. ألا ترى أنك لو قلت: فيه آية بينة، من دخله كان آمنا صحّ، لأنه في معنى قولك: فيه آية بينة، أمن من دخله. فإن قلت: كيف كان سبب هذا الأثر؟ قلت: فيه قولان: أحدهما أنه لما ارتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه. وقيل: إنه جاء زائرا من الشام إلى مكة فقالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى يغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءته بهذا الحجر فوضعته على شقه الأيمن، فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه، ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر، فبقى أثر قدميه عليه. ومعنى (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً) معنى قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) وذلك بدعوة إبراهيم عليه السلام (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) وكان الرجل لو جر كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب. وعن عمر رضى اللَّه عنه «لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه» [[أخرجه عبد الرزاق في كتاب الحج من مصنفه وأبو الوليد الأزرقى في تاريخ مكة من طريقه عن ابن جريج، سمعت ابن أبى حسين عن عكرمة بن خالد قال قال عمر بهذا وهذا منقطع.]] وعند أبى حنيفة: من لزمه القتل في الحل بقصاص أو ردّة أو زنى فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. وقيل: آمنا من النار. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة [[قال إسحاق: أخبرنا عيسى ابن يونس حدثنا ثور بن يزيد حدثني شيخ عن أنس به. ورواه البيهقي في الشعب من طريق ابن أبى فديك عن سليمان بن يزيد الكعبي عن أنس به وزاد «من زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة» وأخرجه أبو داود الطيالسي تاما من حديث عمر رضى اللَّه عنه بإسناد فيه ضعف، وهو مجهول، وقال عبد الرزاق في مصنفه، أخبرنا يحيى بن العلاء وغيره، وغالب بن عبيد اللَّه يرفعه، فذكره، ويحيى وغالب ضعيفان جداً وأخرجه الدارقطني من رواية هارون بن أبى قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب بتمامه، وهو معلول «ورواه الطبراني في الأوسط والصغير، من وجهين عن عبد اللَّه بن المؤمل عن أبى الزبير عن جابر دون الزيادة، وأورده ابن عدى في ترجمة عبد اللَّه بن المؤمل: وأخرجه البيهقي في الشعب والطبراني من حديث عبد الغفور ابن سعيد الأنصارى عن أبى هاشم الرماني عن زاذان عن سلمان قال البيهقي عبد الغفور ضعيف، وقد روى بإسناد أحسن من هذا، ثم ذكر طريق عبد اللَّه بن المؤمل، وقد أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات من طريق عبد الغفور ونقل عن ابن حبان أنه قال: كان يضع الحديث. قلت: وهذا من غلط ابن الجوزي في تصرفه فانه لم يختص بعبد الغفور]] آمنا» وعنه عليه الصلاة والسلام «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة [[لم أجده.]] » وهما مقبرتا مكة والمدينة. وعن ابن مسعود: وقف رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وعلى آله وسلم على ثنية الحجون وليس بها يومئذ مقبرة، فقال «يبعث اللَّه من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر [[لم أجده.]] » وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي [[هكذا ذكره أبو الوليد الأزرقى في تاريخ مكة، لكن بغير إسناد. وقد أخرجه العقيلي في الضعفاء في ترجمة الحسن بن رشيد عن ابن جريج عن عطاه عن ابن عباس رفعه «من صبر في حر مكة ساعة باعد اللَّه منه جهنم سبعين خريفاً، وقال هذا باطل، لا أصل له، والحسن بن رشيد يحدث بالمناكير. وأورده أبو شجاع في الفردوس من حديث أنس، بلفظ «تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام وتقربت منه الجنة مائة عام» .]] عام» (من) استطاع بدل من الناس. وروى أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة [[أخرجه الترمذي وابن ماجة، من حديث عمر، بلفظ السبيل الزاد والراحلة» فيه ابراهيم بن يزيد الجوزي وهو ضعيف والحاكم من حديث أنس، وهو معلول. وأخرجه الدارقطني والحاكم من رواية قتادة عن أنس، لكن قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا، وأخرجه ابن ماجة عن عباس، وإسناده ضعيف، والصحيح عنه قوله، كما أخرجه ابن المنذر. وقال: لا يثبت مرفوعا. وفي الباب عن على وابن مسعود. وعائشة وجابر وعبد اللَّه ابن عمر. وأخرجها الدارقطني بأسانيد ضعيفة.]] ، وكذا عن ابن عباس وابن عمر وعليه أكثر العلماء. وعن ابن الزبير: هو على قدر القوّة. ومذهب مالك أن الرجل إذا وثق بقوته لزمه. وعنه: ذلك على قدر الطاقة، وقد يجد الزاد والراحلة من لا يقدر على السفر، وقد يقدر عليه من لا زاد له ولا راحلة، وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع. وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه؟ بل كان ينطلق إليه ولو حبوا فكذلك يجب عليه الحج. والضمير في إِلَيْهِ للبيت أو للحج. وكل مأتىّ إلى الشيء فهو سبيل إليه وفي هذا الكلام أنواع من التوكيد والتشديد ومنها قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [[قال محمود: «وفي الكلام أنواع من التوكيد منها قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) أى في رقابهم لا ينفكون عنه ... الخ» قال أحمد: قوله «إن المراد بمن كفر من ترك الحج وعبر عنه بالكفر تغليظا عليه» فيه نظر، فان قاعدة أهل السنة توجب أن تارك الحج لا يكفر بمجرد تركه قولا واحداً، فيتعين حمل الآية على تارك الحج جاحداً لوجوبه، وحينئذ يكون الكفر راجعا إلى الاعتقاد لا إلى مجرد الترك. وأما الزمخشري فيستحل ذلك لأن تارك الحج بمجرد الترك يخرج من ربقة الايمان ومن اسمه ومن حكمه، لأنه عنده غير مؤمن ومخلد تخليد الكفار. وعلى قاعدة السنة يتعين المصير إلى ما ذكرناه، هذا إن كان المراد بمن كفر من ترك الحج. ويحتمل أن يكون استئناف وعيد للكافر، فيبقى على ظاهره واللَّه أعلم.]] يعنى أنه حق واجب للَّه في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته. ومنها أنه ذكر الناس ثم أبدل عنه من استطاع إليه سبيلا، وفيه ضربان من التأكيد: أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أن الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين. ومنها قوله: (وَمَنْ كَفَرَ) مكان ومن لم يحج تغليظا على تارك الحج ولذلك قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا» [[أخرجه الترمذي من رواية هلال بن عبد اللَّه الباهلي: حدثنا أبو إسحاق عن الحارث عن على رفعه «من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت اللَّه ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا» وقال: غريب وفي إسناده مقال. وهلال بن عبد اللَّه مجهول. والحارث يضعف. وأخرجه البزار من هذا الوجه. وقال: لا نعلمه عن على إلا من هذا الوجه وأخرجه ابن عدى والعقيلي في ترجمة هلال ونقلا عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال البيهقي في الشعب: تفرد به هلال. وله شاهد من حديث أبى أمامة، أخرجه الدرامى بلفظ «من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس فمات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرانيا» أخرجه من رواية شريك عن ليث ابن أبى سليم عن عبد الرحمن بن سابط عنه. ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب. وقد أخرجه ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن ليث عن عبد الرحمن مرسلا، لم يذكر أبا أمامة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدى. وابن عدى أورده في الكامل في ترجمة أبى المهزوم يزيد بن سفيان عن أبى هريرة مرفوعا ونحوه. ونقل عن الفلاس أنه كذب أبا المهزم وهذا من غلط ابن الجوزي في تصرفه. لأن الطريق إلى أبى أمامة ليس فيه من اتهم بالكذب، فضلا عمن كذب.]] ونحوه من التغليظ «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» [[أخرجه الدارقطني في العلل. من رواية أبى النضر هاشم بن القاسم عن أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس قال: رواه على بن الجعد عن أبى جعفر عن الربيع مرسلا. وهو أشبه بالصواب. ورواه البزار من حديث أبى الدرداء قال «أوصانى ابو القاسم صلى اللَّه عليه وسلم أن لا أشرك باللَّه شيئاً وإن حرقت، ولا أترك صلاة مكتوبة متعمداً. فمن تركها متعمداً فقد كفر، ولا أشرب الخمر، فإنها مفتاح كل شر» أخرجه من رواية راشد الحنانى عن شهر بن حوشب. وقال: راشد بصرى ليس به بأس. وشهر مشهور. والحديث عند الترمذي والنسائي وأحمد وابن حبان والحاكم من حديث بريدة دون قوله «متعمداً» ولفظه «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر» قد تقدم في البقرة حديث جابر عند مسلم «بين العبد والكفر ترك الصلاة» وروى الترمذي من طريق عبد اللَّه بن شقيق قال «كان أصحاب محمد النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة» وإسناده صحيح. الحاكم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه]] ومنها ذكر الاستغناء عنه وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان، ومنها قوله (عَنِ الْعالَمِينَ) وإن لم يقل عنه، وما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه ببرهان، لأنه إذا استغنى عن العالمين تناوله الاستغناء لا محالة، ولأنه يدل على الاستغناء الكامل فكان أدلّ على عظم السخط الذي وقع عبارة عنه. وعن سعيد بن المسيب نزلت في اليهود، فإنهم قالوا: الحج إلى مكة غير واجب وروى أنه لما نزل قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) جمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أهل الأديان كلهم [[أخرجه الطبري من طريق جويبر عن الضحاك قال: «لما نزلت- فذكره» وهو معضل. وجويبر متروك الحديث ساقط]] فخطبهم فقال، إن اللَّه كتب عليكم الحج فحجوا» فآمنت به ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل قالوا: لا نؤمن به ولا نصلى إليه ولا نحجه، فنزل (وَمَنْ كَفَرَ) وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «حجوا قبل أن لا تحجوا، فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» [[أخرجه ابن أبى شيبة أخبرنا يزيد بن هارون عن حميد عن بكر بن عبد اللَّه المزني عن عبد اللَّه بن عمر قال «تمتعوا من هذا البيت، فانه- فذكره موقوفا» وقد روى مرفوعا: أخرجه ابن حبان والحاكم والبزار والطبراني من طريق سفيان بن حبيب عن حميد بهذا.]] وروى «حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه» [[لم أره هكذا. والذي في الدارقطني في آخر كتاب الحج من السنن من رواية عبد اللَّه بن عيسى الجندي عن محمد ابن أبى محمد عن أبيه عن أبى هريرة- رفعه «حجوا قبل أن لا تحجوا. قالوا: وما شأن الحج يا رسول اللَّه، قال: يفعله أعرابها على أذناب أوديتها، فلا يصل إلى الحج أحد» وعبد اللَّه ومحمد مجهولان، قاله العقيلي.]] وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت [[لم أجده.]] . وعن عمر رضى اللَّه عنه: لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا [[لم أجده. وفي مصنف عبد الرزاق من رواية سالم بن أبى حفصة عن ابن عباس قال «لو ترك الناس زيارة هذا البيت عاما واحداً ما مطروا» وهو منقطع.]] . وقرئ حج البيت بالكسر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب