الباحث القرآني

ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن به وبالقلب، وحفظها من الكفران والغمط [[قوله «وحفظها من الكفران والغمط» أى: الاحتقار. أفاده الصحاح. (ع)]] وشكرها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها. ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أيادىّ عندك. يريد حفظها وشكرها والعمل على موجبها، والخطاب عام للجميع لأنّ جميعهم مغمورون في نعمة الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: يريد: يا أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم، حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من جميع العالم، والناس يتخطفون من حولكم. وعنه: نعمة الله العافية. وقرئ: غير الله، بالحركات الثلاث فالجرّ والرفع على الوصف لفظا ومحلا، والنصب على الاستثناء. فإن قلت: ما محل يَرْزُقُكُمْ؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق [[قال محمود: «إن قلت: ما محل يرزقكم؟ قلت: يحتمل أن يكون له محل إذا أوقعته صفة لخالق، وأن لا يكون له محل إذا جعلته تفسيرا وجعلت من خالق مرفوع المحل بفعل يدل عليه هذا، كأنه قيل: هل يرزقكم خالق غير الله، أو جعلت يرزقكم كلاما مبتدأ» قال أحمد: والوجه المؤخر أوجهها]] وأن لا يكون له محل إذا رفعت محل من خالق، بإضمار يرزقكم، وأوقعت يرزقكم تفسيرا له، أو جعلته كلاما مبتدأ بعد قوله هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ. فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الخالق لا يطلق على غير الله تعالى [[عاد كلامه. قال: فان قلت: هل فيه دليل على أن الخالق لا يطلق على غير الله تعالى؟ قلت: نعم إن جعلت يرزقكم كلاما مبتدأ، وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وأما على الوجهين الآخرين وهما الوصف والتفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماوات والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على نفيه مطلقا. قال أحمد: القدرية إذا قرعت هذه الآية أسماعهم قالوا بجرأه على الله تعالى: نعم ثم خالق غير الله، لأن كل أحد عندهم يخلق فعل نفسه، فلهذا رأيت الزمخشري وسع الدائرة، وجلب الوجوه الشاردة النافرة، وجعل الوجهين يطابقان معتقده في إثبات خالق غير الله، ووجهها هو الحق والظاهر، وأخره في الذكر تأسيا له، والذي يحقق الوجه الثالث وأنه هو المراد: أن الآية خوطب بها قوم على أنهم مشركون، إذا سئلوا عن رازقهم من السماوات والأرض، قالوا: الله، فقرروا بذلك وقرعوا به، إقامة للحجة عليهم بإقرارهم، ولو كان على غير هذا الوجه قيد، لكان مفهومه إثبات خالق غير الله، لكنه لا يرزق وهؤلاء الكفرة قد تبرؤا عن ذلك، فلا وجه لتقريعهم بما يلائم قولهم هذا ترجيح الوجه الثالث من حيث مقصود سياق الآية. وأما من حيث النظم اللفظي، فلأن الجملتين اللتين هما قوله يَرْزُقُكُمْ وقوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سقتا سياقا واحدا. والثانية مفصولة اتفاقا مما تقدم، فكذلك وَزِينَتَها.]] ؟ قلت نعم إن جعلت يَرْزُقُكُمْ كلاما مبتدأ وهو الوجه الثالث من الأوجه الثلاثة. وأمّا على الوجهين الآخرين وهما الوصف والتفسير. فقد يقيد فيهما بالرزق من السماء والأرض، وخرج من الإطلاق، فكيف يستشهد به على اختصاصه، بالإطلاق، والرزق من السماء المطر، ومن الأرض النبات لا إِلهَ إِلَّا هُوَ جملة مفصولة لا محل لها، مثل: يرزقكم في الوجه الثالث، ولو وصلتها كما وصلت يرزقكم لم يساعد عليه المعنى، لأنّ قولك: هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق: غير مستقيم، لأن قولك: هل من خالق سوى الله إثبات لله، فلو ذهبت تقول ذلك: كنت مناقضا بالنفي بعد الإثبات فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فمن أى وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب