الباحث القرآني

المعنى: أن الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء، كما فعل يوم بدر والخندق، فإن قلت: وما معنى قوله وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ؟ قلت: معناه: وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جندا من السماء، وذلك لأنّ الله تعالى أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون البعض، وما ذلك إلا بناء على ما اقتضته الحكمة وأوجبته المصلحة. ألا ترى إلى قوله تعالى فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا. فإن قلت: فلم أنزل الجنود من السماء يوم بدر والخندق؟ قال تعالى فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها، بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ؟ قلت: إنما كان يكفى ملك واحد، فقد أهلكت مدائن قوم لوط بريشة من جناح جبريل، وبلاد ثمود وقوم صالح بصيحة منه، ولكنّ الله فضل محمدا ﷺ بكل شيء على كبار الأنبياء وأولى العزم من الرسل، فضلا عن حبيب النجار، وأولاده من أسباب الكرامة والإعذار ما لم يوله أحدا، فمن ذلك: أنه أنزل له جنودا من السماء، وكأنه أشار بقوله: وَما أَنْزَلْنا، وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ إلى أن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك، وما كنا نفعله بغيرك إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة واحدة. وقرأ أبو جعفر المدني بالرفع على كان التامّة، أى: ما وقعت إلا صيحة، والقياس والاستعمال على تذكير الفعل، لأنّ المعنى: ما وقع شيء إلا صيحة، ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل، ومثلها قراءة الحسن: فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، وبيت ذى الرمّة: وما بقيت إلّا الضلوع الجراشع [[برى لحمها سير الفيافي وحرها ... وما بقيت إلا الضلوع الجراشع للبيد. يصف ناقته بأنها أذهب لحمها سير الأراضى القفرة، أى السير فيها وحرها الشديد، برما بقيت فيها إلا الضلوع. وكان الأفصح حذف التاء، لأن المعنى: ما بقي فيها شيء إلا الضلوع، لكنه أنث نظرا للضلوع. والجراشع: جمع جرشع كقنفذ، وهو الغليظ المرتفع. ويروى: بدل الشطر الأول طوى الحر والأجراز ما في عروضها والأجراز: جمع جرز، وهي المفازة القفرة، والعروض: جمع عرض- بضم فسكون-: أى جنوبها. ويروى: النحز، بدل الحر، وهو بنون فمهملة فزاى: النخس والدفع. ويروى «غروض» بغين معجمة: جمع غرض، كقفل: وهو حزام الرحل، أراد به الصدر لعلاقة المجاورة. أو هو على حذف مضاف، أى محل غروضها. ويجوز أنه أراد بما في غروضها الصدر ذاته لا الشحم واللحم. ومعنى الطي التضمير أو الاذهاب على طريق المجاز.]] وقرأ ابن مسعود: الأزقية: واحدة، من زقا الطائر يزقو ويزقى، إذا صاح. ومنه المثل: أثقل من الزواقى خامِدُونَ خمدوا كما تخمد النار، فتعود رمادا، كما قال لبيد: وما المرء إلّا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو مناطع [[وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما أن ترد الودائع للبيد العامري، أى: ليس حال المرء وحياته وبهجته ثم موته وفناؤه بعد ذلك إلا مثل حال شهاب النار وضوئه حال كونه يصير رمادا بعد إضاءته. ويمكن أن قوله «يحور رمادا» استئناف مبين لوجه للشبه، وذلك تشبيه هيئة ولا يصح تشبيه المرء بالشهاب وضوئه، وشبه مال الشخص وأقاربه بالودائع تشبيها بليغا، يجامع أنه لا بد من أخذ كل، وبين ذلك بقوله: ولا بد أن ترد الودائع في يوم من الأيام.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب