الباحث القرآني

قبح الله عزّ وجل إنكارهم البعث تقبيحا لا ترى أعجب منه وأبلغ، وأدل على تمادى كفر الإنسان وإفراطه في جحود النعم وعقوق الأيادى، وتوغله في الخسة وتغلغله في القحة [[قوله «وتغلغله في القحة» في الصحاح: وقح الرجل قحة ووقاحة، إذا صار قليل الحياء. (ع)]] ، حيث قرره بأن عنصره الذي خلقه منه هو أخسّ شيء وأمهنه، وهو النطفة المذرة الخارجة من الإحليل الذي هو قناة النجاسة، ثم عجب من حاله بأن يتصدّى مثله على مهانة أصله ودناءة أوّله لمخاصمة الجبار، وشرز صفحته [[قوله «وشرز صفحته ... الخ» في الصحاح «الشرز» الشرس، وهو الغلظ. والمحك: اللجاج. (ع)]] لمجادلته، ويركب متن الباطل ويلج، ويمحك ويقول: من يقدر على إحياء الميت بعد ما رمت عظامه، ثم يكون خصامه في ألزم وصف له وألصقه به، وهو كونه منشأ من موات، وهو ينكر إنشاءه من موات، وهي المكابرة التي لا مطمح وراءها، وروى أن جماعة من كفار قريش منهم أبىّ بن خلف الجمحي وأبو جهل والعاصي بزوائل والوليد ابن المغيرة تكلموا في ذلك، فقال لهم أبىّ: ألا ترون إلى ما يقول محمد، إنّ الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأصيرنّ إليه ولأخصمنه، وأخذ عظما باليا فجعل يفته بيده وهو يقول: يا محمد، أترى الله يحيى هذا بعد ما قد رمّ، قال ﷺ: نعم ويبعثك ويدخلك جهنم [[هكذا ذكره الحلبي عن قتادة بغير سند، وأخرجه الحاكم من رواية أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «أن العاص بن وائل أخذ عظما من البطحاء، ففتته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي الله هذا بعد ما رم؟ فقال: نعم، يميتك الله- الحديث» وروى البيهقي في الشعب من طريق حصين عن أبى مالك. قال: جاء أبى بن خلف بعظم نخر- الحديث» وروى ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: «جاء أبو جهل بعظم حائل» .]] وقيل: معنى قوله فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ فإذا هو بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطبق قادر على الخصام، مبين: معرب عما في نفسه فصيح، كما قال تعالى أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ. فإن قلت: لم سمى قوله مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ مثلا؟ قلت: لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى. أو لما فيه من التشبيه، لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه، بدليل النشأة الأولى، فإذا قيل: من يحيى العظام على طريق الإنكار لأن يكون ذلك مما يوصف الله تعالى بكونه قادرا عليه، كان تعجيزا لله وتشبيها له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. والرميم: اسم لما بلى من العظام غير صفة، كالرمة والرفات، فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبر المؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، ولقد استشهد بهذه الآية من يثبت الحياة في العظام ويقول: إن عظام الميتة نجسة لأنّ الموت يؤثر فيها من قبل أن الحياة تحلها. وأما أصحاب أبى حنيفة فهي عندهم طاهرة، وكذلك الشعب والعصب، ويزعمون أنّ الحياة لا تحلها فلا يؤثر فيها الموت، ويقولون: المراد بإحياء العظام في الآية ردّها إلى ما كانت عليه غضة رطبة في بدن حىّ حساس وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يعلم كيف يخلق، لا يتعاظمه شيء من خلق المنشآت والمعادات ومن أجناسها وأنواعها وجلائلها ودقائقها. ثم ذكر من بدائع خلقه انقداح النار من الشجر الأخضر، مع مضادة النار الماء وانطفائها به وهي الزناد التي تورى بها الأعراض وأكثرها من المرخ والعفار، وفي أمثالهم: في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار، يقطع الرجل منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان، يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهي أنثى فتنقدح النار بإذن الله. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: ليس من شجرة إلا وفيها النار إلا العناب [[لم أجده.]] . قالوا: ولذلك تتخذ منه كذينقات القصارين. قرئ: الأخضر، على اللفظ. وقرئ: الخضراء، على المعنى. ونحوه قوله تعالى مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ من قدر على خلق السماوات والأرض مع عظم شأنهما فهو على خلق الأناسى أقدر، وفي معناه قوله تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وقرئ: يقدر، وقوله أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ يحتمل معنيين: أن يخلق مثلهم في الصغر والقماءة [[قوله «والقماءة» الصغر والذلة. أفاده الصحاح. (ع)]] بالإضافة إلى السماوات والأرض أو أن يعيدهم، لأن المعاد مثل للمبتدإ وليس به وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير المخلوقات الْعَلِيمُ الكثير المعلومات. وقرئ: الخالق إِنَّما أَمْرُهُ إنما شأنه إِذا أَرادَ شَيْئاً إذا دعاه داعى حكمة إلى تكوينه ولا صارف أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ أن يكونه من غير توقف فَيَكُونُ فيحدث، أى: فهو كائن موجود لا محالة. فإن قلت: ما حقيقة قوله أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ؟ قلت: هو مجاز من الكلام وتمثيل، لأنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات، وأنه بمنزلة المأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع. فإن قلت: فما وجه القراءتين في فيكون؟ قلت: أما الرفع فلأنها جملة من مبتدإ وخبر، لأن تقديرها: فهو يكون، معطوفة على مثلها، وهي أمره أن يقول له كن. وأما النصب فللعطف على يقول، والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئا مما تقدر عليه، من المباشرة بمحال القدرة، واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من المشقة والتعب واللغوب إنما أمره وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل، فيتكون فمثله كيف يعجز عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ فَسُبْحانَ تنزيه له مما وصفه به المشركون، وتعجيب من أن يقولوا فيه ما قالوا بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ هو مالك كل شيء والمتصرف فيه بمواجب مشيئته وقضايا حكمته. وقرئ: ملكة كل شيء. وملك كل شيء. والمعنى واحد تُرْجَعُونَ بضم التاء وفتحها. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كنت لا أعلم ما روى في فضائل يس وقراءتها كيف خصت، بذلك، فإذا أنه لهذه الآية. قال رسول الله ﷺ: «إن لكل شيء قلبا، وإن قلب القرآن يس، من قرأ يس يريد بها وجه الله، غفر الله تعالى له، وأعطى من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة، وأيما مسلم قرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا يصلون عليه ويستغفرون له ويشهدون غسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يحييه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة يشربها وهو على فراشه، فيقبض ملك الموت روحه وهو ريان، ويمكث في قبره وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان [[أخرجه ابن مردويه والثعلبي من حديث أبى بن كعب، وأوله في الترمذي من رواية هرون أبى محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس. وقال: غريب. وهرون مجهول «وفي الباب عن أبى بكر وأبى هريرة. فأما حديث أبى هريرة فأخرجه البزار وفيه حميد المكي مولى آل علقمة. وهو ضعيف. وحديث أبى بكر: أخرجه الحكيم الترمذي.]] . وقال عليه الصلاة والسلام «إن في القرآن سورة يشفع قارئها ويغفر لمستمعها. ألا وهي سورة يس» [[أخرجه الثعلبي من طريق محمد بن عمير عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب