الباحث القرآني

الضمير في لا يَسَّمَّعُونَ لكل شيطان، لأنه في معنى الشياطين. وقرئ بالتخفيف والتشديد، وأصله: يتسمعون. والتسمع: تطلب السماع. يقال: تسمع فسمع، أو فلم يسمع. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هم يتسمعون ولا يسمعون، وبهذا ينصر التخفيف على التشديد، فإن قلت: لا يسمعون كيف اتصل بما قبله؟ قلت: لا يخلو من أن يتصل بما قبله على أن يكون صفة لكل شيطان، أو استئنافا فلا تصحّ الصفة لأنّ الحفظ من شياطين لا يسمعون ولا يستمعون لا معنى له، وكذلك الاستئناف لأنّ سائلا لو سأل: لم تحفظ من الشياطين؟ فأجيب بأنهم لا يسمعون: لم يستقم، فبقى أن يكون كلاما منقطعا مبتدأ اقتصاصا، لما عليه حال المسترقة للسمع [[أبطل الزمخشري أن يكون لا يَسَّمَّعُونَ صفة لأن الحفظ من شيطان لا يسمع لا معنى له وأبطل أن يكون أصله لئلا يسمعوا، فحذف اللام وحذفها كثير، ثم حذف أن وأهدر عملها مثل: ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغي ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدى واستبعد اجتماع هذين الحذفين، وإن كان كل واحد منهما بانفراده سائغا، ولما أبطل هذين الوجهين تعين عنده أن يكون ابتداء كلام اقتصاصا لما عليه أحوال المسترقة للسمع» قال أحمد: كلا الوجهين مستقيم، والجواب عن إشكاله الوارد على الوجه الأول: أن عدم سماع الشيطان سببه الحفظ منه، فحال الشيطان حال كونه محفوظا منه هي حاله حال كونه لا يسمع، وإحدى الحالين لازمة للأخرى، فلا مانع أن يجتمع الحفظ منه، وكونه موصوفا بعدم السماع في حالة واحدة لا على أن عدم السماع ثابت قبل الحفظ بل معه وقسيمه، ونظير هذه الآية على هذا التقدير قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ فقوله تعالى مُسَخَّراتٌ حال مما تقدمه العامل فيه الفعل الذي هو سخر. ومعناه مستقيم، لأن تسخيرها يستلزم كونها مسخرة، فالحال التي سخرت فيها هي الحال التي كانت فيها مسخرة، لا على معنى تسخيرها مع كونها مسخرة قبل ذلك، وما أشار له الزمخشري في هذه الآية قريب من هذا التفسير، إلا أنه ذكر معه تأويلا آخر كالمستشكل لهذا الوجه، فجعل مسخرات جمع مسخر مصدر كممزق، وجعل المعنى: وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر أنواعا من التسخير، وفيما ذكرناه كفاية، ومن هذا النمط ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا وهم ما كانوا رسلا إلا بالإرسال، وهؤلاء ما كانوا لا يسمعون إلا بالحفظ. وأما الجواب عن إشكاله الثاني فورود حذفين في مثل قوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وأصله لئلا تضلوا، فحذف اللام و «لا» جميعا من محليهما.]] ، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة. أو يتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب مدحورون عن ذلك، إلا من أمهل حتى خطف خطفة واسترق استراقة، فعندها تعاجله الهلكة بإتباع الشهاب الثاقب. فإن قلت: هل يصح قول من زعم أن أصله: لئلا يسمعوا فحذفت اللام كما حذفت في قولك: جئتك أن تكرمني، فبقى أن لا يسمعوا فحذفت أن وأهدر عملها، كما في قول القائل: ألا أيها ذا الزّاجرى أحضر الوغى [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الأول صفحة 159 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] قلت: كل واحد من هذين الحذفين غير مردود على انفراده، فأما اجتماعهما فمنكر من المنكرات، على أن صون القرآن عن مثل هذا التعسف واجب. فإن قلت: أى فرق بين سمعت فلانا يتحدّث، وسمعت إليه يتحدّث، وسمعت حديثه، وإلى حديثه؟ قلت: المعدّى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك، والملأ الأعلى: الملائكة، لأنهم يسكنون السماوات. والإنس والجن: هم الملأ الأسفل، لأنهم سكان الأرض. وعن ابن عباس رضى الله عنهما: هم الكتبة من الملائكة. وعنه: أشراف الملائكة مِنْ كُلِّ جانِبٍ من جميع جوانب السماء من أى جهة صعدوا للاستراق دُحُوراً مفعول له، أى: ويقذفون للدحور وهو الطرد، أو مدحورين على الحال. أو لأنّ القذف والطرد متقاربان في المعنى، فكأنه قيل: يدحرون أو قذفا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمى بفتح الدال على: قذفا دحورا طرودا. أو على أنه قد جاء مجيء القبول والولوع. والواصب: الدائم، وصب الأمر وصوبا، يعنى أنهم في الدنيا مرجومون بالشهب، وقد أعدّ لهم في الآخرة نوع من العذاب دائم غير منقطع مَنْ في محل الرفع بدل من الواو في لا يسمعون، أى: لا يسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خَطِفَ الْخَطْفَةَ وقرئ: خطف بكسر الخاء والطاء وتشديدها، وخطف بفتح الخاء وكسر الطاء وتشديدها، وأصلهما: اختطف. وقرئ: فأتبعه، وفاتبعه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب