الباحث القرآني

لَقَدْ ظَلَمَكَ جواب قسم محذوف. وفي ذلك استنكار لفعل خليطه وتهجين لطمعه. والسؤال: مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله تعالى مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وقد ضمن معنى الإضافة فعدّى تعديتها، كأنه قيل بإضافة نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ على وجه السؤال والطلب. فإن قلت: كيف سارع إلى تصديق أحد الخصمين حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه [[قال محمود: «فان قلت كيف سارع بتصديق أحد الخصمين قبل سماع كلام الآخر، وأجاب بأن ذلك كان بعد اعتراف خصمه ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم» قال أحمد: ويحتمل أن يكون ذلك من داود على سبيل الفرض والتقدير، أى: إن صح ذلك فقد ظلمك.]] ؟ قلت: ما قال ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه، ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم. ويروى أنه قال: أنا أريد أن آخذها منه وأكمل نعاجى مائة، فقال داود: إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا، وأشار إلى طرف الأنف والجبهة، فقال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، وأنت فعلت كيت وكيت، ثم نظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما وقع فيه والْخُلَطاءِ الشركاء الذين خلطوا أموالهم، الواحد: خليط، وهي الخلطة، وقد غلبت في الماشية، والشافعي رحمه الله يعتبرها، فإذا كان الرجلان خليطين في ماشية بينهما غير مقسومة، أو لكل واحد منهما ماشية على حدة إلا أنّ مراحهما ومساقهما وموضع حلبهما والراعي والكلب واحد والفحولة مختلطة: فهما يزكيان زكاة الواحد فإن كان لهما أربعون شاة فعليهما شاة. وإن كانوا ثلاثة ولهم مائة وعشرون لكل واحد وأربعون، فعليهم واحدة كما لو كانت لواحد. وعند أبى حنيفة: لا تعتبر الخلطة، والخليط والمنفرد عنده واحد، ففي أربعين بين خليطين: لا شيء عنده، وفي مائة وعشرين بين ثلاثة: ثلاث شياه. فإن قلت: فهذه الخلطة ما تقول فيها؟ قلت: عليهما شاة واحدة، فيجب على ذى النعجة أداء جزء من مائة جزء من الشاة عند الشافعي رحمه الله، وعند أبى حنيفة لا شيء عليه، فإن قلت: ماذا أراد بذكر حال الخلطاء في ذلك المقام؟ قلت: قصد به الموعظة الحسنة والترغيب في إيثار عادة الخلطاء الصلحاء الذين حكم لهم بالقلة، وأن يكرّه إليهم الظلم والاعتداء الذي عليه أكثرهم، مع التأسف على حالهم، وأن يسلى المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأنّ له في أكثر الخلطاء أسوة. وقرئ: ليبغى بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة، وحذفها كقوله: اضرب عنك الهموم طارقها [[اضرب عنك الهموم طارقها ... ضربك بالسوط قونس الفرس لطرفة بن العبد، وقال أبو حاتم وابن برى: هو مصنوع عليه. واضرب فعل أمر بنى على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة تقديرا، وحذفها لغير وقف ولالتقاء الساكنين قليل. وقيل ضرورة كما هنا. والمعنى: ادفع عنك الهموم، فهو استعارة مضرحة. وضربك بالسوط، أى: كضربك به ترشيح، وطارقها: بدل من الهموم، أى الفاشي لك منها، والسوط: معمول من جلد تساق به الفرس. ويروى: بالسيف، لكنه غير ملائم للفرس، بل للفارس. وقونسها: أعلى رأسها. وقيل: شعر عنقها. ويجوز تشبيه الهموم بحيوان يصح ضربه على طريق المكنية، والضرب تخييل، والطروق ترشيح.]] وهو جواب قسم محذوف. وليبغ: بحذف الياء، اكتفاء منها بالكسرة، وما في وَقَلِيلٌ ما هُمْ للإبهام. وفيه تعجب من قلتهم. وإن أردت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها، من قول امرئ القيس: وحديث ما على قصره [[تقدم شرح هذا الشاهد بهذا الجزء صفحة 75 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] وانظر هل بقي له معنى قط. لما كان الظنّ الغالب يدانى العلم، استعير له. ومعناه: وعلم داود وأيقن أَنَّما فَتَنَّاهُ أنا ابتليناه لا محالة بامرأة أوريا، هل يثبت أو يزل؟ وقرئ: فتناه، بالتشديد للمبالغة. وأفتناه، من قوله: لئن فتنتني لهى بالأمس أفتنت [[لئن فتنتني لهى بالأمس أفتنت ... سعيدا فأمسى قد قلى كل مسلم وألقى مصابيح القراءة واشترى ... وصال الغواني بالكتاب المنمنم للأعشى الهمداني. وفتنته المرأة- بالتخفيف والتشديد- وأفتنته: دلهته وحيرته. و «لهى بالأمس أفتنت» جواب القسم المدلول عليه باللام في قوله: لئن فتنتني. وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم. والمعنى: إن فتنتني فلا أحزن ولا أتعجب، فان تلك عادتها من قبل، فالمراد بالأمس: الزمن الماضي. وسعيد: هو ابن جبير، كان عالما تقيا. وقلى كل مسلم، أى: بغض كل مسلم سواها. وعبر بالمسلم، لأنه يبعد بغضه. والمصابيح: يجوز أنها حقيقة، وأنها مجاز عن الكتب. والغواني: الجميلات. والمنمنم: المحسن بنقوش الكتابة.]] وفتناه وفتناه، على أن الألف ضمير الملكين. وعبر بالراكع عن الساجد، لأنه ينحنى ويخضع كالساجد. وبه استشهد أبو حنيفة وأصحابه في سجدة التلاوة، على أنّ الركوع يقوم مقام السجود. وعن الحسن: لأنه لا يكون ساجدا حتى يركع، ويجوز أن يكون قد استغفر الله لذنبه وأحرم بركعتي الاستغفار والإنابة، فيكون المعنى: وخرّ للسجود راكعا أى مصليا، لأنّ الركوع يجعل عبارة عن الصلاة وَأَنابَ ورجع إلى الله تعالى بالتوبة والتنصل. وروى أنه بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة أو ما لا بدّ منه ولا يرقأ دمعه حتى نبت العشب من دمعه إلى رأسه، ولم يشرب ماء إلا وثلثاه دمع، وجهد نفسه راغبا إلى الله تعالى في العفو عنه حتى كاد يهلك، واشتغل بذلك عن الملك حتى وثب ابن له يقال له إيشا على ملكه ودعا إلى نفسه، واجتمع إليه أهل الزيغ من بنى إسرائيل، فلما غفر له حاربه فهزمه. وروى أنه نقش خطيئته في كفه حتى لا ينساها. وقيل: إنّ الخصمين كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما: إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهائر والسراري، والثاني معسرا ماله إلا امرأة واحدة، فاستنزله عنها وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين، وما كان ذنب داود إلا أنه صدّق أحدهما على الآخر وظلمه قبل مسألته [[قال محمود: «ونقل بعضهم أن هذه القصة لم تكن من الملائكة وليست تمثيلا وإنما كانت من البشر إما خليطين في الغنم حقيقة، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من المهاتر والسراري والثاني معسرا وماله إلا امرأة واحدة، فاستنزله عنها، وفزع داود، وخوفه أن يكونا مغتالين لأنهما دخلا عليه في غير وقت القضاء، وما كان ذنب داود إلا أنه صدق أحدهما على الآخر ونسبه إلى الظلم قبل مسألته» قال أحمد: مقصود هذا القائل تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء، فأخذ الآية على ظاهرها وصرف الذنب إلى العجلة في نسبة الظلم إلى المدعى عليه، لأن الباعث على ذلك في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته أخف مما يكون الباعث عليه الشهوة والهوى، ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود عليه السلام: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق بالأحكام إلا والذي صدر منه أولا وبان منه من قبيل ما وقع له في الحكم بين الناس، وقد التزم المحققون من أئمتنا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: داود وغيره- منزهون من الوقوع في صغائر الذنوب مبرؤن من ذلك، والتمسوا المحامل الصحيحة لأمثال هذه القصة، وهذا هو الحق الأبلج، والسبيل الأبهج، إن شاء الله تعالى.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب