الباحث القرآني

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بدل من قوله: (مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً) أو نصب على الذم. ويجوز أن يكون رفعاً عليه، وأن يكون مبتدأ خبره محذوف، كأنه قيل: الذين يبخلون ويفعلون ويصنعون، أحقاء بكل ملامة. وقرئ (بِالْبُخْلِ) بضم الباء وفتحها. وبفتحتين. وبضمتين: أى يبخلون بذات أيديهم، وبما في أيدى غيرهم. فيأمرونهم بأن يبخلوا به مقتا للسخاء ممن وجد. وفي أمثال العرب: أبخل من الضنين بنائل غيره. قال: وَإن امْرَا ضَنَّتْ يَدَاهُ عَلَى امْرِىءٍ ... بِنَيْلِ يَدٍ مِنْ غَيْرِهِ لَبَخِيلُ [[سأقطع أرسان القباب بمنطق ... قصير عناء الفكر فيه طويل وإن امرأ ضنت يداه على امرئ ... بنيل يد من غيره لبخيل لأبى تمام. وقيل للبحترى. والأرسان: الحبال. والقباب التي لها أرسان: البيوت المنسوجة، جمع قبة وهي الخيمة. وهودج مقبب: فوقه قبة. والمراد أنه يتسبب في ارتحال قوم بخلاء، ففيه مجاز عقلى حيث أسند القطع إلى سببه، وكناية حيث عبر عن الارتحال بقطع حبال البيوت. ويجوز أن المراد أنه يسكت قوما يدعون الفخر، ويهدم شرفهم وعظمتهم، ويظهر ضعتهم وخستهم، فشبه تلك الحال بحال قطع حبال البيوت المرتفعة المطنبة، فتنخفض بعد ارتفاعها وتخر ساقطة بعد انتصابها، على سبيل الاستعارة التمثيلية، وهذا أقرب إلى المقام، ويجوز أنه شبه المفاخر بالقباب بجامع العظم ومطلق الشرف والعلو في كل على طريق التصريح، وإثبات الأرسان لها ترشيح، أى: سأبطل دعوى من يدعى المفاخر وليس من أهلها بقول قصير ولكن تعب الفكر فيه طويل المدة. وفيه الطباق بين القصير والطويل. وبين ذلك المنطق بقوله «وإن امرأ بخلت يداه» وأسند البخل إلى اليد لأنها آلة الإعطاء، فكأن المنع منها بنيل يداي نعمة، ويحتمل أن اليد حقيقة، وأضاف النيل إليها لأنها آلته «لبخيل» أى لبليغ في البخل، فالتنوين للتعظيم.]] ولقد رأينا ممن بلى بداء البخل، من إذا طرق سمعه أنّ أحدا جاد على أحد، شخص [[قوله «شخص به وحل حبوته» في الصحاح: يقال للرجل إذا ورد عليه أمر أقلقه: شخص به. (ع)]] به وحلّ حبوته، واضطرب، ودارت عيناه في رأسه، كأنما نهب رحله وكسرت خزانته، ضجراً من ذلك وحسرة على وجوده. وقيل: هم اليهود، كانوا يأتون رجالا من الأنصار يتنصحون لهم ويقولون: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون. وقد عابهم اللَّه بكتمان نعمة اللَّه وما آتاهم من فضل الغنى والتفاقر إلى الناس. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم «إذا أنعم اللَّه على عبد نعمة أحب أن ترى نعمته على عبده» [[أخرجه ابن حبان والحاكم من رواية أبى إسحاق عن أبى الأحوص عن أبيه «أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم رآه في هيئة سيئة فقال: أما لك مال؟ فقال: من كل المال آتاني اللَّه. قال: فهلا عليك. إن اللَّه إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن ترى عليه» وللترمذي عن همام عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه «إن اللَّه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وللطبراني من حديث عمران بن حصين نحوه ولأحمد وإسحاق من رواية ابن وهب عن أبى هريرة رفعه «ما أنعم اللَّه على عبد نعمة إلا وهو يحب أن يرى أثرها عليه» ولأبى يعلى والبيهقي في الشعب من رواية عطية عن أبى سعيد رفعه «إن اللَّه جميل يحب الجمال، ويحب أنه يرى نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتبؤس» ولابن عدى عن جابر رفعه «إن اللَّه ليحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وفيه عصمة بن محمد الأنصارى وهو منكر الحديث وللطبراني في مسند الشاميين عن أنس رفعه «إن اللَّه جميل يحب الجمال ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده» وهو من رواية عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عنه. ورواه في الأوسط من رواية موسى بن عيسى القرشي عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر نحوه.]] وبنى عامل للرشيد قصراً حذاء قصره، فنمّ به عنده. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين إن الكريم يسره أن يرى أثر نعمته، فأحببت أن أسرك بالنظر إلى آثار نعمتك، فأعجبه كلامه. وقيل: نزلت في شأن اليهود الذين كتموا صفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب