الباحث القرآني

وَابْتَلُوا الْيَتامى واختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم [[قال محمود: «معناه اختبروا أحوالهم ... الخ» قال أحمد: الابتلاء على هذا الوجه مذهب مالك رضى اللَّه عنه، غير أنه لا يكون عنده إلا بعد البلوغ ولا يدفع إليه من ماله شيء قبله، وكذلك أحد قولي الشافعي رضى اللَّه عنه، وقوله الآخر كمذهب أبى حنيفة، غير أن عنه خلافا في صورته قبل البلوغ على وجهين: أحدهما أن يسلم إليه المال ويباشر العقود بنفسه كالبالغ، والآخر أن يكون وظيفته أن يساوم، وتقرير الثمن إذا بلغ الأمر إلى العقد باشره الولي دونه وسلم الصبى الثمن، فأما الرشد فالمعتبر عند مالك رضى اللَّه عنه فيه: هو أن يحرز ماله وينميه، وإن كان فاسقاً في حاله. وعند الشافعي: المعتبر صلاح الدين والمال جميعاً، وغرضنا الآن أن نبين وجه تنزيل مذهب مالك في هذه الآية واللَّه المستعان. فأما منعه من الإيتاء قبل البلوغ- وإن كان ظاهر الآية أن الإيتاء قبله- من حيث جعل البلوغ وإيناس الرشد غاية للايتاء، والغاية متأخرة عن المغيا ضرورة، فيتعين وقوع الإيتاء قبل. ولهذه النكتة أثبته أبو حنيفة قبل البلوغ واللَّه أعلم، فعلى جعل المجموع من البلوغ وإيناس الرشد هو الغاية حينئذ يلزم وقوع الابتلاء قبلهما، أعنى المجموع وإن وقع بعد أحدهما وهو البلوغ، لأن المجموع من اثنين فصاعدا لا يتحقق إلا بوجود كل واحد من مفرديه. ويحقق هذا التنزيل أنك لو قلت: وابتلوا اليتامى بعد البلوغ، حتى إذا اجتمع الأمران وتضاما البلوغ والرشد فادفعوا إليهم أموالهم، لاستقام الكلام، ولكان البلوغ قبل الابتلاء وإن كان الابتلاء مغيا بالأمرين واقعاً قبل مجموعهما، ونظير هذا النظر توجيه مذهب أبى حنيفة في قوله: إن فيئة المولى إنما تعتبر في أجل الإيلاء لا بعده، وتنزيله على قوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فجدد به عهداً يتضح لك تناسب النظرين، واللَّه أعلم. وأما اقتصاره رضى اللَّه عنه بالرشد على المال، فان كان المولى عليه فاسق الحال فوجه استخراجه من الآية أنه علق إيناس الرشد فيها بالابتلاء بدفع مال إليهم ينظر تصرفهم فيه، فلو كان المراد إصلاح الدين فقط لم يقف الاختبار في ذلك على دفع المال إليهم، إذ الظاهر من المصلح لدينه أنه لا يتفاوت حاله في حالتي عدمه ويسره. ولو كان المراد إصلاح الدين والمال معا- كما يقوله الشافعي رضى اللَّه عنه- لم يكن إصلاح الدين موقوفا على الاختبار بالمال كما مر آنفا. وأيضا فالرشد في الدين والمال جميعاً هو الغاية في الرشد، وليس الجمع بينهما بقيد، وتنكير الرشد في الآية يأبى ذلك، إذ الظاهر: فان آنستم منهم رشداً ما فبادروا بتسليم المال إليهم غير منتظرين بلوغ الغاية فيه، واللَّه أعلم.]] ومعرفتهم بالتصرف، قبل البلوغ حتى إذا تبينتم منهم رشداً- أى هداية- دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حدّ البلوغ. وبلوغ النكاح. أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد والتناسل. والإيناس: الاستيضاح فاستعير للتبيين. واختلف في الابتلاء والرشد، فالابتلاء عند أبى حنيفة وأصحابه: أن يدفع إليه ما يتصرف فيه حتى يستبين حاله فيما يجيء منه. والرشد: التهدى إلى وجوه التصرف. وعن ابن عباس: الصلاح في العقل والحفظ للمال. وعند مالك والشافعي: الابتلاء أن يتتبع أحواله وتصرفه في الأخذ والإعطاء، ويتبصر مخايله وميله إلى الدين. والرشد: الصلاح في الدين، لأن الفسق مفسدة للمال. فإن قلت: فإن لم يؤنس منه رشد إلى حدّ البلوغ؟ قلت: عند أبى حنيفة رحمه اللَّه ينتظر إلى خمس وعشرين سنة، لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسنّ ثماني عشرة سنة، فإذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله عليه السلام «مروهم بالصلاة لسبع» [[أخرجه أبو داود والترمذي وابن خزيمة والحاكم من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبوة الجهني عن أبيه عن جده مرفوعا «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع» ورواه أبو داود والحاكم من طريق سوار بن داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأعله العقيلي في الضعفاء بسوار. ورواه البزار من رواية محمد بن الحسن بن عطية عن محمد بن عبد الرحمن عنه وأعله العقيلي بمحمد ابن الحسن وقال: الأولى رواية من رواه عن محمد بن عبد الرحمن مرسلا وذكره ابن حبان في الضعفاء عن عبد المنعم بن نعيم الرياحي عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة ورواه الدارقطني في الأوسط من حديث أنس وفيه داود بن المجير وهو متروك.]] دفع إليه ماله أونس منه الرشد أو لم يؤنس. وعند أصحابه: لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد. فإن قلت: ما معنى تنكير الرشد؟ قلت: معناه نوعا من الرشد وهو الرشد في التصرف والتجارة، أو طرفا من الرشد ومخيلة من مخايله حتى لا ينتظر به تمام الرشد. فإن قلت: كيف نظم هذا الكلام؟ [[قال محمود رحمه اللَّه: «فما وجه نظم الكلام الواقع بعد حتى إلى قوله فادفعوا إليهم أموالهم ... الخ» قال أحمد رحمه اللَّه: هو يروم بهذا التقدير تنزيل مذهب أبى حنيفة في سبق الابتلاء على البلوغ على مقتضى الآية، وقد أسلفنا وجه تنزيل مذهب مالك عليها بأظهر وجه وأقربه. والحاصل أن مقتضى النظر إلى المجموع من حيث هو ومقتضى مذهب أبى حنيفة النظر إلى المفردين، والظاهر اعتبار المجموع فان العطف بالفاء يقتضيه، واللَّه أعلم.]] قلت: ما بعد (حَتَّى) إلى (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جعل غاية للابتلاء، وهي «حتى» التي تقع بعدها الجمل، كالتي في قوله: فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ... بِدِجْلَةَ حَتَّي مَاءُ دِجْلَهَ أشْكَلُ [[لجرير، يقول: فما زالت تمج، أى تلقى وتخرج دماءها في شاطئ دجلة. وحتى: ابتدائية تقع بعدها الجمل، ولا تخلو من معنى الغاية. وأشكل: خبر المبتدأ، وهو الأبيض المشوب بحمرة. وأظهر في محل الإضمار لقيد التهويل والتعظيم. أى حتى أن ماء ذلك النهر الكبير مختلط بالحمرة.]] والجملة الواقعة بعدها جملة شرطية لأن إذا متضمنة معنى الشرط، وفعل الشرط بلغوا النكاح وقوله: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) جملة من شرط وجزاء واقعة جوابا للشرط الأول الذي هو إذا بلغوا النكاح، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، فاستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم. وقرأ ابن مسعود: فإن أحسيتم بمعنى أحسستم قال: أحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْه شُوسُ [[فباتوا يدلجون وبات يسرى ... بصير بالدجى هاد عموس إلى أن عرسوا وانحت منهم ... قريباً ما يمس له مسيس سوى أن العناق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس لأبى زبيد الطائي. والإدلاج: سير أول الليل. والتدليج: سير آخره. والسرى: سير الليل. وبصير: صفة لمحذوف. وبالدجى: متعلق به. والبصير: المتبصر الخبير أو المبصر، فالباء بمعنى في. والدجى الظلم. والهادي: المراد به المهتدى. والعموس: القوى الشديد. وعرسوا: أى نزلوا. والحت: النتف والفرك والقطع والسرعة. فانحت: انعزل منهم بسرعة، أو أسرع قريبا منهم ما يمس: أى لا يسمع له مسيس، أى صوت مسه للأرض في المشي. والعتاق: النجائب أو المسنة. وأحسن: أصله أحسسن، نقلت فتحة السين إلى الحاء ثم حذفت. ويروى: حسين. وفي لغة: حسين، بكسر السين. وأصله حسسن، قلبت السين الثانية حرف علة. وزيادة الباء بعد فعل الحس كثيرة وإن تعدى بنفسه. والشوس: جمع أشوس، أو شوساء وهو الذي ينظر بمؤخر عينه يصف مسافرين والأسد يطلب فريسة منهم، وكثيرا ما يحذفون الموصوف كالأسد هنا، لأن الصفة تعينه، أو لادعاء تعينه.]] وقرئ: رشداً، بفتحتين. ورشداً، بضمتين إِسْرافاً وَبِداراً مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، تفرطون في إنفاقها، وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ثم قسم الأمر بين أن يكون الوصي غنيا وبين أن يكون فقيراً، فالغنى يستعف من أكلها [[قوله «من أكلها» لعله «عن» ، (ع)]] ولا يطمع، ويقتنع بما رزقه اللَّه من الغنى إشفاقا على اليتيم، وإبقاء على ماله. والفقير يأكل قوتا مقدراً محتاطا في تقديره على وجه الأجرة، أو استقراضا على ما في ذلك من الاختلاف ولفظ الأكل بالمعروف والاستعفاف، مما يدل على أن للوصي حقاً لقيامه عليها. وعن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أن رجلا قال له: إن في حجري يتيما أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف غير متأثل [[قوله «غير متأثل مالا» أى: متخذ مالا أصلا، كما في الصحاح. (ع)]] مالا ولا واق مالك بماله» فقال: أفأضربه قال: «مما كنت ضارباً منه ولدك [[أخرجه الثعلبي من طريق معاوية بن هشام. حدثنا الثوري عن ابن أبى نجيح عن الحسن العرني عن ابن عباس قال «جاء رجل إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال: إن في حجري يتيما» بلفظ المصنف سواء ورواه عبد الرزاق في المصنف وابن المبارك في البر والصلة والطبري عن سفيان بن عيينة عن ابن دينار عن الحسن العرني «أن رجلا قال يا رسول اللَّه» فذكره مرسلا وهو عند ابن أبى شيبة في البيوع عن إسماعيل عن أيوب بن عمرو كذلك. وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «جاء رجل إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال: لا أجد شيئا وليس لي مال. ولي يتيم له مال. قال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا متأثل مالا ولا تق مالك بماله» وروى ابن حبان من رواية صالح بن رستم عن عمرو بن دينار عن جابر قال: قال رجل لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم «مم أضرب يتيمى؟ قال: ما كنت ضارباً منه ولدك، غير واق مالك بماله. ولا متأثل من ماله مالا» وأخرجه ابن عدى في الكامل في ترجمة صالح بن رستم. وهو أبو عامر الخزان وضعفه عن ابن معين. وقال: لم أجد له حديثا منكرا. ورواه أبو نعيم في الحلية في ترجمة عمرو بن دينار. وقال: تفرد به الخزان وهو من ثقات البصريين.]] » : وعن ابن عباس: أنّ ولىّ اليتيم قال له: أفأشرب من لبن إبله؟ قال: إن كنت تبغى ضالتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها [[قوله «وتلوط حوضها وتهنأ جرباها» أى تصلحه بالطين بأن تلزقه به. أفاده الصحاح. وفيه: هنأت البعير أهنؤه إذا طلبته بالهناء وهو القطران اه. ونقل المناوى بهامشه عن الزجاج أنه بضم النون وأنه لم يجئ مضموم العين في مهموز اللام إلا هنأ يهنأ وقرأ يقرأ فليحرر. (ع)]] وتسقيها يوم وردها، فاشرب غير مضرّ بنسل، ولا ناهك في الحلب [[أخرجه عبد الرزاق من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد. قال «جاء رجلي إلى ابن عباس» فذكره، إلا أنه قال: بدل تبغى ضالتها «ترد نادتها» وأخرجه الطبري من طريقه والثعلبي والواحدي من وجه آخر عن القاسم. ورواه البغوي من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم وهو في الموطأ.]] وعنه: يضرب بيده مع أيديهم، فليأكل بالمعروف، ولا يلبس عمامة فما فوقها. وعن إبراهيم: لا يلبس الكتان والحلل، ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة. وعن محمد بن كعب: يتقرّم تقرّم البهيمة [[قوله: «يتقرم تقرم البهيمة» في الصحاح: قرم الصبى والبهيم قرما وقروما وهو أكل ضعيف في أول ما يأكل. وتقرم مثله. (ع)]] وينزل نفسه منزلة الأجير فيما لا بدّ منه. وعن الشعبي: يأكل من ماله بقدر ما يعين فيه. وعنه: كالميتة يتناول عند الضرورة ويقضى. وعن مجاهد: يستسلف، فإذا أيسر أدّى. وعن سعيد بن جبير: إن شاء شرب فضل اللبن وركب الظهر ولبس ما يستره من الثياب وأخذ القوت ولا يجاوزه فإن أيسر قضاه، وإن أعسر فهو في حلّ. وعن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه: إنى أنزلت نفسي من مال اللَّه منزلة والى اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، وإذا أيسرت قضيت» [[أخرجه ابن سعد وابن أبى شيبة والطبري من رواية إسرائيل وسفيان كلاهما عن أبى إسحاق عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ورواه سعيد بن منصور عن أبى الأحوص عن أبى إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر. فذكره]] واستعف أبلغ من عفّ، [[قال محمود: «استعف أبلغ من عف، وكأنه يطلب زيادة العفة من نفسه» قال أحمد: في هذا إشارة إلى أنه من استفعل بمعنى الطلب وليس كذلك، فان استفعل الطلبية متعدية وهذه قاصرة. والظاهر أنه مما جاء فيه فعل واستفعل بمعنى، واللَّه أعلم.]] كأنه طالب زيادة العفة فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ بأنهم تسلموها وقبضوها وبرئت عنها ذممكم، وذلك أبعد من التخاصم والتجاحد وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. ألا ترى أنه إذا لم يشهد فادعى عليه صدق مع اليمين عند أبى حنيفة وأصحابه. وعند مالك والشافعي لا يصدّق إلا بالبينة، فكان في الإشهاد الاستحراز من توجه الحلف المفضى إلى التهمة أو من وجوب الضمان إذا لم يقم البينة وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً أى كافيا في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسبا. فعليكم بالتصادق، وإياكم والتكاذب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب