الباحث القرآني

روى أن بشراً المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض المنافق وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب. فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول اللَّه فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء اللَّه ورسوله، فنزلت. وقال جبريل: إنّ عمر فرق بين الحق والباطل، فقال له رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أنت الفاروق [[ذكره الثعلبي من رواية الكلبي عن أبى عاصم عن ابن عباس في هذه الآية: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشر. وإسناده إلى الكلبي في خطبة كتابه. وذكره الواحدي أيضا. ولابن أبى حاتم وابن مردويه من رواية وهب عن ابن لهيعة عن أبى الأسود «اختصم رجلان إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم. فقضى بينهما. فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر. فانطلقا إليه. فضرب عنق الذي قال: ردنا إلى عمر. فجاء الآخر فأخبره فقال: ما كنت أظن عمر يجترئ على قتل مؤمن. فأنزل اللَّه تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) - الآية فأهدر دمه»]] . والطاغوت: كعب بن الأشرف، سماه اللَّه «طاغوتا» لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه. أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على التحاكم إليه تحاكما إلى الشيطان، بدليل قوله: (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ) . وقرئ (بما أنزل ... وما أنزل) على البناء للفاعل. وقرأ عباس بن الفضل: أن يكفروا بها، ذهابا بالطاغوت إلى الجمع، كقوله: (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ) وقرأ الحسن (تعالوا) بضم اللام على أنه حذف اللام من تعاليت تخفيفاً [[قوله «من تعاليت تخفيفاً» لعله عند إسناده إلى واو الجمع. فليحرر. (ع)]] ، كما قالوا: ما باليت به بالة، وأصلها بالية كعافية، وكما قال الكسائي في: (آية) إن أصلها «آيية» فاعلة، فحذفت اللام، فلما حذفت وقعت واو الجمع بعد اللام من تعال فضمت، فصار (تعالوا) ، نحو: تقدموا. ومنه قول أهل مكة: تعالى، بكسر اللام للمرأة. وفي شعر الحمداني: تَعَالِى أُقَاسِمْك الْهمُومَ تَعَالِى [[أقول وقد ناحت بقربى حمامة ... أيا جارتا هل بات حالك حالى معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ... وما خطرت منك الهموم ببال أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالى أقاسمك الهموم تعالى تعالى ترى روحا لدى ضعيفة ... تردد في جسم يعذب بالي أيضحك مأسور وتبكى طليقة ... ويسكت محزون ويندب سالى لقد كنت أولى منك بالدمع والبكا ... ولكن دمعي في الشدائد غالى للهمدانى بالهاء. وبعضهم يرويه بالحاء، وكان أسيرا. وبات: أى صار حالك كحالي في الضيق والحزن، والاستفهام إنكارى. ويروى بدله «هل تعلمين بحالي» ونسبة العلم إليها لتنزيلها منزلة العاقل كما في ندائها. وقال «معاذ الهوى» كما يقال «معاذ اللَّه» لعظمة الهوى عنده، وهو مصدر نائب عن فعله، أى ألتجئ إلى الهوى، من دعوى أنك مثلي، «ما ذقت» يا حمامة «طارقة» الفراق وشبهها بمطعوم مكروه والذوق تخييل. «وما خطرت الهموم ببال» أى بقلب منك. وأيا: حرف نداء. و «جارتا» أصله جارتى، فقلبت الياء ألفاً لرفع الصوت. وتكرير النداء فيه معنى التحسر. وادعاء بلادتها بعد تنزيلها منزلة العاقل بعيد «ما أنصف الدهر بيننا» حيث أطلقك وأسرك وأسرنى وأحزننى. والقياس في تعالى- أمر للمؤنثة، وفي تعاليا للمثنى، وفي تعالوا لجمع الذكور- فتح اللام على أصلها لأنها عين الفعل، والضمير تال للامه المقدرة، وأهل مكة يكسرون الأولى لمناسبة الياء، ويضمون الثانية لمناسبة الواو تنزيلا لها منزلة لام الفعل. ومنه قوله «أقاسمك الهموم» فلي النصف ولك الآخر. فان قيل: إن قائل هذا الشعر مولد فلا يستشهد بكلامه. قلت: أجيب بأن إيراده من قبيل الاستثناء لا من قبيل الاستبدال. ومذهب الزمخشري أن «هات» بالكسر بمعنى ناولني، و «تعالى» بالفتح دائما على اللغة المشهورة بمعنى أقبل إلى، كلاهما اسم فعل لا فعل أمر، ولعله لعدم تصرفها في هذين المعنيين. وأغرب منه ما نقله السيوطي عن بعضهم: أن أدوات النداء أسماء أفعال متجملة لضمير المتكلم بمعنى أدعو. وقوله «ترى» بفتح الراء على اللغة الأولى، وبكسرها على الثانية. وتكرير الأمر كتكرير النداء. ومعنى ضعف الروح: عجز حواسها عن الإدراك. و «تردد» أصله: تتردد «بالي» أى نحيل. وقوله «أيضحك» استفهام تعجبي بالنسبة للجملة الأولى، وتوبيخي بالنسبة للثانية، وكذلك المصراع الثاني. ويجوز أنه تعجبي في الجميع، أو توبيخي في الجميع وهو أبعدها، ويعنى بالمأسور والمحزون نفسه. وبالطليقة والسالى الحمامة. ويجوز أنه أراد العموم ويدخلان فيه دخولا أوليا. و «المأسور» المحبوس وحزنه: لغة قريش. وأحزنه: لغة تميم. ومحزون من الأول. والندبة: رفع الصوت بالبكاء، والمراد به النوح السابق. والسالى: الصابر وقليل الهموم. والدمع: ماء العين ونزوله منها. والمراد الثاني. وروى «بالدمع مقلة» فمقلة تمييز، والأصل: لقد كانت مقلتي أولى من مقلتك بالدمع. و «غالى» مرتفع وممتنع لتجلد الشامتين.]] والوجه فتح اللام فَكَيْفَ يكون حالهم، وكيف يصنعون؟ يعنى أنهم يعجزون عند ذلك فلا يصدرون أمراً ولا يوردونه إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من التحاكم إلى غيرك واتهامهم لك في الحكم ثُمَّ جاؤُكَ حين يصابون فيعتذرون إليك يَحْلِفُونَ ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إِلَّا إِحْساناً لا إساءة وَتَوْفِيقاً بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطاً لحكمك، ففرج عنا بدعائك وهذا وعيد لهم على فعلهم، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم. ولا يغنى عنهم الاعتذار عند حلول بأس اللَّه. وقيل: جاء أولياء المنافق يطلبون بدمه وقد أهدره اللَّه فقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بحكومة العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم له بما حكم به فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم، ولا تزد على كفهم بالموعظة والنصيحة عما هم عليه وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً بالغ في وعظهم بالتخفيف والإنذار. فإن قلت: بم تعلق قوله: (فِي أَنْفُسِهِمْ [[قال محمود «إن قلت: بم تعلق قوله في أنفسهم ... الخ» ؟ قال أحمد: ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة. أما الأول فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم وسياق التهديد في قوله: (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ) يشهد له، فانه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد. وأما الثاني فيلائمه من السياق قوله: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) يعنى ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل. ثم أمره بوعظهم والاعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم، ثم جاء قوله: (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً) كالشرح للوعظ، ولذكر أهم ما يعظهم فيه، وتلك نفوسهم التي علم اللَّه ما انطوت عليه من المذام، وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به. وأما الثالث: فيشهد له سيرته عليه الصلاة والسلام في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم والستر عليهم، حتى عد حذيفة رضى اللَّه عنه صاحب سره عليه الصلاة والسلام، لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم، وتسميتهم له بأسمائهم، وأخباره في هذا المعنى كثيرة]] ) ؟ قلت: بقوله: (بَلِيغاً) أى: قل لهم قولا بليغاً في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعاراً، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق معلوم عند اللَّه، وأنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف. أو يتعلق بقوله: (قُلْ لَهُمْ) أى قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وأنّ اللَّه يعلم ما في قلوبكم لا يخفى عليه فلا يغنى عنكم إبطانه. فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل اللَّه بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك من انتقامه، وشراً من ذلك وأغلظ. أو قل لهم في أنفسهم- خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارّا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع، وفي الإمحاض أدخل- قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب