الباحث القرآني

روى أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يرفعون طرفهم. وعن النبي ﷺ «لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة» [[أخرجه الثعلبي. وروى شهر بن حوشب: أن ابن عباس رفعه بهذا تعليقا، وهو في كتاب العظمة لأبى الفتح.]] فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل: زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سماوات، وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع [[قوله «كأنه الوصع» طائر أصغر من العصفور. (ع)]] . وفي الحديث: إن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلا لهم على سائر الملائكة [[لم أجده.]] . وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء، وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام. وقيل حول العرش سبعون ألف صنف من الملائكة، يطوفون به مهللين مكبرين، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائه ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل، ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر. وقرأ ابن عباس: العرش بضم العين. فإن قلت: ما فائدة قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون؟ [[قال محمود: «إن قلت. ما قائدة قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يخفى على أحد أن حملة العرش ومن حوله من الملائكة مؤمنون بالله تعالى ... الخ» قال أحمد: كلام حسن إلا استدلاله بقوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ على أنهم ليسوا مشاهدين، فهذا لا يدل، لأن الايمان هو التصديق غير مشروط فيه غيبة المصدق به، بدليل صحة إطلاق الايمان بالآيات مع أنها مشاهدة، كانشقاق القمر وقلب العصاحية. وإنما نقب الزمخشري بهذا التكلف عما في قلبه من مرض، لكنه طاح بعيدا عن الغرض، فقرر أن حملة العرش غير مشاهدين، بدليل قوله تعالى وَيُؤْمِنُونَ لأن معنى الايمان عنده التصديق بالغائب. ثم يأخذ من كونهم غير مشاهدين: أن الباري عز وجل لو صحت رؤيته لرأوه، فحيث لم يروه لزم أن تكون رؤيته تعالى مما لا يصححه العقل، وقد أبطلنا ما ادعاه من أن الايمان مستلزم عدم الرؤية، ولو سلمناه فلا نسلم أنه يلزم من كون حملة العرش غير مشاهدين له تعالى أن تكون رؤيته غير صحيحة، وقوله: ولو كانت صحيحة لرأوه: شرطية عقيمة الانتاج، لأن الرؤية عبارة عن إدراك: يخلق الله تعالى هذا الإدراك لحملة العرش، إلا أن يذهب بالزمخشرى الوهم إلى أن مصححى الرؤية يعتقدون الجسمية والاستقرار على العرش، فيلزمهم رؤية حملة العرش له تعالى الله عن ذلك، وحاشى أهل السنة ومصححى الرؤية من ذلك.]] قلت: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فأبان بذلك فضل الإيمان. وفائدة أخرى: وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسمة [[قوله «كما تقول المجسمة» يريد أهل السنة، لأنهم لما جوزوا رؤيته تعالى معاينة: لزمهم القول بأنه تعالى جسم، ولكن الرؤية لا تستلزم الجسمية، خلافا للمعتزلة، كما بين في علم التوحيد. (ع)]] ، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان، لأنه إنما يوصف بالإيمان: الغائب، فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء: في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، إلا هذا، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا، وأنه منزه عن صفات الأجرام. وقد روعي التناسب في قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم وصفتهم. وفيه تنبيه على أنّ الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة، وأبعثه على إمحاض الشفقة وإن تفاوتت الأجناس وتباعدت الأماكن. فإنه لا تجانس بين ملك وإنسان، ولا بين سماوي وأرضى قط، ثم لما جاء جامع الإيمان جاء معه التجانس الكلى والتناسب الحقيقي، حتى استغفر من حول العرش لمن فوق الأرض. قال الله تعالى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. أى يقولون رَبَّنا وهذا المضمر يحتمل أن يكون بيانا ليستغفرون مرفوع المحل مثله، وأن يكون حالا. فإن قلت: تعالى الله عن المكان، فكيف صحّ أن يقال: وسع كل شيء؟ قلت: الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى. والأصل: وسع كل شيء رحمتك وعلمك، ولكن أزيل الكلام عن أصله بأن أسند الفعل إلى صاحب الرحمة والعلم، وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم، كأن ذاته رحمة وعلم واسعان كل شيء. فإن قلت: قد ذكر الرحمة والعلم فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعا، وما ذكر إلا الغفران وحده؟ قلت: معناه فاغفر للذين علمت منهم التسوية واتباع سبيلك [[قال محمود: «فان قلت قد ذكر أولا الرحمة والعلم، ثم ذكر ما توجبه الرحمة وهو الغفران، فأين موجب العلم؟ وأجاب بأن معناه فاغفر للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيلك ... الخ» قال أحمد: كلامه هاهنا محشو بأنواع الاعتزال: منها اعتقاد وجوب مراعاة المصلحة ودواعي الحكم على الله تعالى. ومنها اعتقاد أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر وجوبا وإن لم يكن توبة. ومنها اعتقاد امتناع غفران الله تعالى للكبائر التي لم يتب عنها. ومنها اعتقاد وجوب قبول التوبة على الله تعالى. ومنها جحد الشفاعة، واعتقاد أهل السنة أن الله تعالى لا يجب عليه مراعاة المصلحة، وأنه يجوز أن يعذب على الصغائر وإن اجتنب الكبائر، وأنه يجوز أن يغفر الكبائر ما عدا الشرك وإن لم يتب منها، وأن قبول التوبة بفضله ورحمته، لا بالوجوب عليه، وأنها تنال أهل الكبائر المصرين من الموحدين، فهذه جواهر خمسة نسأل الله تعالى أن يقلد عقائل عقائدنا بها إلى الخاتمة، وأن لا يحرمنا ألطافه ومراحمه آمين. وجميع ما يحتاج إلى تزييفه مما ذكره على قواعد الاعتزال في هذا الموضع قد تقدم، غير أنه جدد هاهنا قوله: إن فائدة الاستغفار كفائدة الشفاعة، وذلك مزيد الكرامة لا غير، يريد: أن المغفرة للتائب واجبة على الله فلا تسئل، وهذا الذي قاله مما يجعل لنفسه فيه الفضيحة، زادت على بطلانه هذه الآية بالألسن الفصيحة، كيف يجعل المسئول مزيدة الكرامة لا غير. ونص الآية: فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم، فهي ناطقة بأنهم يسألون من الله تعالى المغفرة للتائب ووقاية عذاب الجحيم، وهو الذي أنكر الزمخشري كونه مسؤلا.]] . وسبيل الله: سبيل الحق التي نهجها [[قوله «التي نهجها» أى: أبانها وأوضحها. أفاده الصحاح. (ع)]] لعباده ودعا إليها إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أى الملك الذي لا يغلب: وأنت مع ملكك وعزتك لا تفعل شيئا إلا بداعي الحكمة وموجب حكمتك أن تفي بوعدك وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أى العقوبات. أو جزاء السيئات. فحذف المضاف على أن السيئات هي الصغائر أو الكبائر المتوب عنها. والوقاية منها: التكفير أو قبول التوبة: فإن قلت: ما الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون موعودون المغفرة والله لا يخلف الميعاد؟ قلت: هذا بمنزلة الشفاعة، وفائدته زيادة الكرامة والثواب. وقرئ: جنة عدن. وصلح، بضم اللام، والفتح أفصح. يقال: صلح فهو صالح، وصلح فهو صليح، وذريتهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب