الباحث القرآني

هذا أيضا ضرب آخر من طغيان الإنسان إذا أصابه الله بنعمة أبطرته النعمة، وكأنه لم يلق بؤسا قط فنسي المنعم وأعرض عن شكره وَنَأى بِجانِبِهِ أى ذهب بنفسه وتكبر وتعظم. وإن مسه الضرّ والفقر: أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. وقد استعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه وهو من صفة الأجرام، ويستعار له الطول أيضا كما استعير الغلظ بشدّة العذاب. وقرئ: ونأى بجانبه، بإمالة الألف وكسر النون للإتباع. وناء على القلب، كما قالوا: راء في رأى. فإن قلت: حقق لي معنى قوله تعالى وَنَأى بِجانِبِهِ قلت: فيه وجهان: أن يوضع جانبه موضع نفسه كما ذكرنا في قوله تعالى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أن مكان الشيء وجهته ينزل منزلة الشيء نفسه، ومنه قوله: ......... ونفيت عنه ... مقام الذئب...... [[وماء قد وردت لأجل أروى ... عليه الطير كالورق اللجين ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذيب كالرجل اللعين للشماخ: وأروى، اسم محبوبته. واللجين- بفتح اللام وكسر الجيم-: ما يتساقط من الورق من اللجن وهو الدق، لأنه يضربه الهوى أو الراعي، فيسقط من الشجر. وذعرت- بفتحتين» أى: أخفت فيه القطا، وخصها لأنها أسبق الطير إلى الماء. ومقام الذيب: إقامته أو محلها، وعبر به كناية عن ذاته، وخصه لأن غالب وروده الماء ليلا. والرجل اللعين: هو الصورة التي تنصب وسط الزرع على شكل الرجل تطرد عنه الهوام، يقول: ورب ماء قد وردته لأجل محبوبتى، عسى أن تجيء عنده فأراها. ويروى: لوصل أروى، فلعله كان موعدا بينهما. وشبه الطير حول الماء بورق الشجر المتساقط في الكدرة والكثرة والانتشار، وهذا يدل على أنه لا يكثر وروده، فيصلح موعدا للوصل. وذعرت- إلى آخره: كناية عن وروده ليلا، وكالرجل اللعين: حال من ضمير الشاعر، فيفيد أنه سبق القطا والذيب وقعد هناك، أو حال من الذيب، أى: على هيئة مفزعة. وفيه دليل على شجاعة الشاعر وجرأته]] .. يريد: ونفيت عنه الذئب. ومنه: ولمن خاف مقام ربه. ومنه قول الكتاب: حضرت فلان ومجلسه، وكتبت إلى جهته وإلى جانبه العزيز، يريدون نفسه وذاته، فكأنه قال: ونأى بنفسه، كقولهم في المتكبر: ذهب بنفسه، وذهبت به الخيلاء كل مذهب، وعصفت به الخيلاء، وأن يراد بجانبه: عطفه، ويكون عبارة عن الانحراف والازورار، كما قالوا: ثنى عطفه، وتولى بركنه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب