الباحث القرآني

فاطِرُ السَّماواتِ قرئ بالرفع والجر، فالرفع على أنه أحد أخبار ذلكم. أو خبر مبتدإ محذوف، والجرّ على: فحكمه إلى الله فاطر السماوات، وذلِكُمُ إلى أُنِيبُ اعتراض بين الصفة والموصوف جَعَلَ لَكُمْ خلق لكم مِنْ أَنْفُسِكُمْ من جنسكم من الناس أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً أى: خلق من الأنعام أزواجا. ومعناه: وخلق للأنعام أيضا من أنفسها أزواجا يَذْرَؤُكُمْ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم. والذر، والذرو، والذرء: أخوات فِيهِ في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجا، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل. والضمير في يَذْرَؤُكُمْ يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين [[قال محمود: «إن الضمير المتصل بيذرؤ عائد على الأنفس وعلى الأنعام مغلبا فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين» قال أحمد: الصحيح أنهما حكمان متباينان غير متداخلين، أحدهما: مجيئه على نعت ضمير العقلاء أعم من كونه مخاطبا أو غائبا. والثاني: مجيئه بعد ذلك على نعت الخطاب، فالأول لتغليب العقل. والثاني لتغليب الخطاب.]] . فإن قلت: ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟ وهلا قيل: يذرؤكم به؟ قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول. للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه. ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم: كان أبلغ [[قوله «لا تخفر الذمم كان أبلغ» في الصحاح: أخفرته، إذا نقضت عهده وغدرت به. وفيه: «أيقع الغلام» أى: ارتفع: وهو يافع، ولا تقول: موقع. وقوله «كان أبلغ» لعل تقديره: فان قلت له ذلك كان أبلغ. (ع)]] من قولك: أنت لا تخفر. ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون: إيفاعه وبلوغه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: «ألا وفيهم الطيب الطاهر [[قال محمود: «تقول العرب: مثلك لا يبخل، فينفون البخل عن مثله، والمراد نفسه. ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم. ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه. وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، تريد طهارته وطيبه، فإذا علم أنه من باب الكناية: لم يكن فرق بين قولك ليس كالله شيء وبين قوله ليس كمثله شيء، إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها. ونحوه قوله تعالى بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ فان معناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط، لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون بها شيئا آخر، حتى أنهم يستعملونها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل، وفيمن لا مثل له، ثم قال: ولك أن تزعم أن كلمة التشبيه كررت للتأكيد كما كررت في قوله من قال: وصاليات ككما يؤثفين ومن قال: فأصبحت مثل كعصف مأكول انتهى كلامه. قال أحمد: هذا الوجه الثاني مردود على ما فيه من الإخلال بالمعنى، وذلك أن الذي يليق هنا تأكيد نفى المماثلة، والكاف على هذا الوجه إنما تؤكد المماثلة وفرق بين تأكيد المماثلة المنفية، وبين تأكيد نفى المماثلة، فان نفى المماثلة المهملة عن التأكيد أبلغ وآكد في المعنى من نفى المماثلة المقترنة بالتأكيد، إذ يلزم من نفى المماثلة الغير المؤكدة نفى كل مماثلة. ولا يلزم من نفى مماثلة محققة متأكدة بالغة نفى مماثلة دونها في التحقيق والتأكيد. وحيث وردت الكاف مؤكدة للمماثلة وردت في الإثبات فأكدته، فليس النظر في الآية بهذين النظرين مستقيما والله أعلم. ومما يرشد إلى صحة ما ذكرته أن للقائل أن يقول: ليس زيد شبيها بعمرو، لكن مشبها له، ولو عكس هذا لم يكن صحيحا، وما ذاك إلا أنه يلزم من نفى أدنى المشابهة نفى أعلاها، ولا يلزم من نفى أعلاها نفى أدناها، فمتى أكد التشبيه قصر عن المبالغة. والوجه الأول الذي ذكره هو الوجه في الآية عنده، وأتى بمطية الضعف في هذا الوجه الثاني بقوله: ولك أن تزعم، فافهم.]] لداته» والقصد إلى طهارته وطيبه، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: ليس كالله شيء، وبين قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد: وهو نفى المماثلة عن ذاته، ونحوه قوله عز وجل بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ فإنّ معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها: لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئا آخر، حتى أنهم استعملوا فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل [[رواه ابن عبد الرحمن بن موهب حليف بنى زهرة عن أبيه: حدثني مخرمة بن نوفل بحديث سقيا عبد المطلب لكن ليس فيه الطيب الطاهر لداته ورواه الطبراني وأبو نعيم في الدلائل من حديث عروة بن مصرف عن مخرمة ابن نوفل عن أمه رقيقة بنت أبى صيفي بن هاشم، وكانت لدة عبد المطلب. قالت «تتابعت على قريش سنون- الحديث بطوله» ورويناه في جزء أبى السكين. «تنبيه» وقع رقيقة بنت صيفي والصواب بنت أبى صيفي.]] له، ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد، كما كرّرها من قال: وصاليات ككما يؤثفين [[لم يبق من آي بها يحلين ... غير رماد وعظام كثفين وغير ود جازل أو ودين ... وصاليات ككما يؤثفين لخطام المجاشعي. والآي: واحده آية، أى: علامة. ويحلين: مضارع مبنى للمجهول، من حليته تحلية: إذا وصفت حليته وصفته. يقول: لم يبق من آثار هذه الديار علامات فيها تذكر صفتها غير رماد وعظام متكاثفين متراكمين. والكشف- بالتحريك-: كسبب: المجتمع، فلعله سكنه للوزن. وروى: غير رماد وخطام كثفين. والخطام: الزمام. ويروى بالمهملة، وهو ما تحطم وتكسر من الحطب اليابس. والكثف- كحمل-: وعاء الرعي فكثفين على حذف العاطف. وقيل بدل مما قبله. والأوجه روايته وخطام كثفين بالاضافة، لأجل موافقة القوافي أى: ورباط وعاءين، وكرر أداة الاستثناء للتوكيد. والود: أصله وتد، فقلبت التاء دالا وأدغمت في الأخرى عند تميم شذوذا. والجادل: المنتصب والغليظ، أى: لم يق غير وتد منتصب بها أو وتدين لا غير، حيث لم يشك إلا في ذلك. والصاليات صفة للاثافى. وقيل: صفة للنساء الموقدات للنار: وقيل: صفة للخيل الصاليات للحرب كالأثافى الصاليات للنار، لكنهما لا يناسبان وصف الدار بالخلو. والأثفية: حجر الكانون، وزنها: أفعولة في الأصل، وجمعها أثافى. وأثفيت للقدر: وضعت الأثافى لها. وثفيتها تثفية: وضعتها على الأثافى. وقوله: يؤثفين مضارع مبنى للمجهول، جاء على الأصل مهموزا، كيؤكر من بالهمزة، وهذا يدل على أن الصاليات صفة للأحجار الملازمات للنار المحترقات بها، فلعله شبه النساء بالأثافى لدمامتهن وسوادهن، بكثرة الدخان وملازمتهن النار. وعليه فالمعنى: ونساء صاليات كالأحجار تثفى وتوضع للقدر، فما موصولة واقعة على الأحجار لا مصدرية ولا كافة، وكرر كاف التشبيه للتوكيد، لكن الثانية اسم بمعنى مثل، لأن حرف الجر لا يدخل على مثله. ويمكن أنه كرر الحرف من غير إعادة المجرور شذوذا. ويروى بعد قوله وصاليات ... الخ لا يشتكين عملا ما أنقين ... ما دام مخ في سلامى أو عين وهو يناسب القول بأنها صفة للنساء أو الخيل على التشبيه السابق. والانقاء: كثرة النقي بالكسر وهو المخ. يقال: أنقت الإبل إذا سمنت وكثر مخها، أى: لا يشتكين عملا مدة إنقائهن وسمنهن، وفسر ذلك بقوله: ما دام مخ ... الخ والسلاميات: عظام الأصابع وهي والعين آخر ما يبقى فيه المخ. ويروى أيضا هكذا: أهل عرفت الدار بالغريين ... وصاليات ككما يؤثفين والغريان: بناء ان طويلان، يقال: هما قبرا مالك وعقيل: نديمى جذيمة الأبرش، سميا بذلك لأن النعمان كان يغريهما يمن يريد قتله إذا خرج يوم بؤسه. والأشبه أن ذلك من تخليط الراوي، وأن الصاليات: الأحجار. وقوله «لا يشتكين ... الخ» ليس من هذا الرجز، فلا ينبغي روايته معه، وهو الذي من صفة الخيل، أو أصل النساء لا الصاليات. ويجوز أن الرجز هكذا: أهل عرفت الدار بالغريين ... لم يبق من آي بها يحلين وأن قوله «لا يشتكين ... الخ» من موضع آخر من ذلك الرجز في صفة الخيل، كما رواه صاحب الكافي شاهدا على الأكفاء في القافية هكذا: بنات وطاء على خد الليل ... لا يشتكين عملا ما أنقين لاختلاف حرفى الروى. والوطاء- بالضم والتشديد-: من الوطء على الأرض. وخد الليل: طريقه الذي لا يسلك إلا فيه. وقال بعضهم: إن هذا في صفة الخيل، وأنه من مشطور المنسرح الموقوف. وعلى أنه في صفة أجل، أى: فلك المطايا بنات نوق أو فحول، وطاء: جمع واطئ أو واطئة، على خد الليل: كناية عن قوتهن في السير، حتى كأنهن يغلبن الليل، فيصر عنه ويطأن على خده، فهن لا يبالين به.]] ومن قال: فأصبحت مثل كعصف مأكول [[بالأمس كانت في رخاء مأمول ... فأصبحت مثل كعصف مأكول يروى لرؤية بدله: ولعبت طير بهم أبابيل ... فصيروا مثل كعصف مأكول يقول: بالأمس، أى: في الزمن الماضي القريب، كانت تلك الديار مثلا في رخاء، أى: خصب وسعة من الثروة والغنى، مأمول ذلك، أى: متمنى للناس، وكرر كلمة التشبيه للتوكيد، والعصف: ما على الحب وعلى ساق الزرع من التين والورق اليابس، مأكول: أى أصابه الأكال، وهو الدود. وأكلته الدواب ثم راثته. وأبابيل، بمعنى جماعات متفرقة، صفة طير، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه. وقيل: واحده أبول كعجول. وقيل: إبال كمفتاح. وقيل إبيل كمسكين. وقول رؤية «صيروا» بالتشديد والبناء للمجهول، ولعل هذا رجز غيره ذاك.]]
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب