الباحث القرآني

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ كمن هو خالد في النار؟ قلت: هو كلام في صورة الإثبات ومعنى النفي والإنكار [[قال محمود: «هو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي ... الخ» قال أحمد: كم ذكر الناس في تأويل هذه الآية، فلم أر أطلى ولا أحلى من هذه النكت التي ذكرها، لا يعوزها إلا للتنبيه على أن في الكلام محذوفا لا بد من تقديره لأنه لا معادلة بين الجنة وبين الخالدين في النار إلا على تقدير مثل ساكن فيه يقوم وزن الكلام ويتعادل كفتاه. ومن هذا النمط قوله تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فانه لا بد من تقدير محذوف مع الأول أو الثاني، ليتعادل القسمان، وبهذا الذي قدرته في الآية ينطبق آخر الكلام على أوله، فيكون المقصود تنظير بعد التسوية بين المتمسك بالسيئة والراكب للهوى ببعد التسوية بين المنعم في الجنة والمعذب في النار على الصفات المتقابلة المذكورة في الجهتين. وهو من وادى تنظير الشيء بنفسه، باعتبار حالتين إحداهما أوضح في البيان من الأخرى، فان المتمسك بالسنة هو المنعم في الجنة الموصوفة. والمتبع للهوى: هو المعذب في النار المنعوتة، ولكن أنكر التسوية بينهما باعتبار الأعمال أولا، وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الأعمال أولا، وأوضح ذلك بإنكار التسوية بينهما باعتبار الجزاء ثانيا.]] ، لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار، ودخوله في حيزه، وانخراطه في سلكه، وهو قوله تعالى أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فكأنه قيل: أمثل الجنة كمن هو خالد في النار، أى كمثل جزاء من هو خالد في النار. فإن قلت: فلم عرّى في حرف الإنكار؟ وما فائدة التعرية؟ قلت: تعريته من حرف الإنكار فيها زيادة تصوير لمكابرة من يسوّى بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه، وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجرى فيها تلك الأنهار، وبين النار التي يسقى أهلها الحميم. ونظيره قول القائل: أفرح أن أرزأ الكرام وأن ... أورث ذودا شصائصا نبلا [[تقدم شرح هذا الشاهد بالجزء الثالث صفحة 264 فراجعه إن شئت اه مصححه.]] هو كلام منكر للفرح برزية الكرام ووراثة الذود، مع تعريه عن حرف الإنكار لانطوائه تحت حكم قول من قال: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله، والذي طرح لأجله حرف الإنكار إرادة أن يصوّر قبح ما أزن به [[قوله «ما أزن» أى اتهم. أفاده الصحاح. (ع)]] فكأنه قال له: نعم مثلي يفرح بمرزاة الكرام وبأن يستبدل منهم ذودا يقل طائله [[قوله «يقل طائله» لأن الشصائص قليلات اللبن. والنبل: الكبار من الإبل، والصغار منها أيضا، فهو من الأضداد. أفاده الصحاح. (ع)]] ، وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار، ومثل الجنة: صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ، وخبره: كمن هو خالد. وقوله: فيها أنهار، داخل في حكم الصلة كالتكرير لها. ألا ترى إلى صحة قولك: التي فيها أنهار. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف هي فيها [[قوله «هي فيها» لعله: أى هي فيها. (ع)]] أنهار، وكأن قائلا قال: وما مثلها؟ فقيل: فيها أنهار، وأن يكون في موضع الحال، أى: مستقرّة فيها أنهار، وفي قراءة على رضى الله عنه: أمثال الجنة، أى: ما صفاتها كصفات النار. وقرئ: أسن. يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه. وأنشد ليزيد بن معاوية: لقد سقتني رضابا غير ذى أسن ... كالمسك فتّ على ماء العناقيد [[ليزيد بن معاوية. وترضب الرجل ريق المرأة: إذا ترشفه. وأسن أسنا كتعب تعبا: تغير طعمه أو ريحه أو لونه. لطول مدته. يقول: سقتني ريقها الذي لم يتغير. وماء العناقيد: كناية عن الخمر، واستعاره لريقها على التصريحية، وناولتني المسك حال كونه تفتت على ريقها الشبيه بالخمر، أى: كأنه كذلك لطيبه. ويروى: كالمسك وهي الظاهرة، والتشبيه من قبيل تشبيه المفرد بالمركب، لأنه لا يريد تشبيه الرضاب بالمسك فقط.]] مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ كما تتغير ألبان الدنيا، فلا يعود قارصا ولا حاذرا [[قوله «ولا حاذرا ولا ما يكره» لعله محذوف، وأصله: حازر بالزاي، وفي الصحاح: الحاذر: اللبن الحامض]] ، ولا ما يكره من الطعوم لَذَّةٍ تأنيث لذّ، وهو اللذيذ، أو وصف بمصدر. وقرئ بالحركات الثلاث، فالجر على صفه الخمر، والرفع على صفة الأنهار، والنصب على العلة، أى: لأجل لذة الشاربين. والمعنى: ما هو إلا التلذذ الخالص، ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع، ولا آفة من آفات الخمر مُصَفًّى لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره ماءً حَمِيماً قيل إذا دنا منهم شوى وجوههم، وانمازت فروة رءوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب