الباحث القرآني

مُحَمَّدٌ إما خبر مبتدإ، أى: هو محمد لتقدّم قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ وإما مبتدأ، ورسول الله: عطف بيان. وعن ابن عامر أنه قرأ: رسول الله، بالنصب على المدح وَالَّذِينَ مَعَهُ أصحابه أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ جمع شديد ورحيم. ونحوه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ، وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ. بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وعن الحسن رضى الله عنه: بلغ من تشدّدهم على الكفار: أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه، والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء. وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة رحمه الله، وكذلك التقبيل. قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف: فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة. وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة [[قوله «والأخلاق السجبحة» أى السهلة. أفاده الصحاح. (ع)]] . ووجه من قرأ: أشداء، ورحماء- بالنصب-: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في مَعَهُ، ويجعل تَراهُمْ الخبر سِيماهُمْ علامتهم. وقرئ سيماؤهم، وفيها ثلاث لغات: هاتان. والسيمياء، والمراد بها السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، وقوله تعالى مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ يفسرها، أى: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين: علىّ بن الحسين زين العابدين، وعلىّ بن عبد الله بن عباس أبى الأملاك، يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات [[قوله «ثفنات البعير» في الصحاح: هي ما يقع على الأرض من أعضائه إذا استناخ. (ع)]] البعير. وقرئ: من أثر السجود، ومن آثار السجود، وكذا عن سعيد ابن جبير: هي السمة في الوجه. فإن قلت: فقد جاء عن النبي ﷺ «لا تعلبوا [[قوله «لا تعلبوا صوركم» في الصحاح: علبته أعلبه- بالضم-: إذا وسمته أو خدشته، أو أثرت فيه. (ع)]] صوركم [[لم أجده مرفوعا وهو في الذي بعده موقوف.]] » وعن ابن عمر رضى الله عنه أنه رأى رجلا قد أثر في وجهه السجود فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورتك [[أخرجه عبد الرزاق عن الثوري. عن الأعمش عن حبيب عن أبى الثعثاء. عن ابن عمر «أنه رأى رجلا ينتحز إذا سجد فقال: لا تقلب صورتك» يقول لا تؤثرها. قلت: ما تقلب صورتك؟ قال: لا تغير لا تشن» ورواه إبراهيم الحربي من رواية أبى معاوية عن الأعمش عن حبيب عن عطاء عن عمر «أنه رأى رجلا قد أثر السجود بوجهه فقال: لا تقلب صورتك. ثم قال: قلبت الشيء إذا أثرت فيه.]] . قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة. وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصا لوجه الله تعالى. وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة البعير، فما ندرى أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك: ليس بالندب [[قوله «ليس بالندب في الوجوه» في الصحاح «الندب» : أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد. (ع)]] في الوجوه، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء رحمه الله: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» [[أخرجه ابن ماجة عن إسماعيل الطلحي عن ثابت بن موسى عن شريك عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر مرفوعا بهذا واتفق أئمة الحديث وابن عدى والدارقطني والعقيلي وابن حبان والحاكم على أنه من قول شريك قاله لثابت لما دخل. وقال ابن عدى سرقه جماعة من ثابت كعبد الله بن شبرمة الشريكى وعبد الحميد بن بحر وغيرهما وأورده صاحب مسند الشهاب من رواية عبد الرزاق عن الثوري وابن جريج عن أبى الزبير عن جابر وهو موضوع على هذا الاسناد. وكذا من رواية الحسين بن حفص عن الثوري عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر والأمر فيه كذلك. ومن طرق أخرى واهية. قال ابن طاهر: ظن القضاعي أن الحديث صحيح، لكثرة طرقه. وهو معذور لأنه لم يكن حافظا. وله طرق أخرى من غير رواية جابر أخرجه ابن جميع في معجمه من حديث أنس وابن الجوزي من وجه آخر عنه وهو باطل أيضا من الوجهين.]] ذلِكَ الوصف مَثَلُهُمْ أى وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعا، ثم ابتدأ فقال كَزَرْعٍ يريد: هم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ ثم ابتدئ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ ويجوز أن يكون ذلك إشارة مبهمة أوضحت بقوله كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ كقوله تعالى وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. وقرئ: الإنجيل، بفتح الهمزة شَطْأَهُ فراخه. يقال: أشطا الزرع إذا فرخ. وقرئ: شطأه، بفتح الطاء. وشطأه، بتخفيف الهمزة: وشطاءه، بالمدّ. وشطه، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها. وشطوه، بقلبها واوا فَآزَرَهُ من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش: أنه أفعل. وقرئ: فأزره بالتخفيف والتشديد، أى: فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل آزر أفعل، فهو في معنى القراءتين فَاسْتَغْلَظَ فصار من الدقة إلى الغلظ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ فاستقام على قصبه جمع ساق. وقيل: مكتوب في الإنجيل سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبى بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلىّ. وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم، لأنّ النبي ﷺ، قام وحده. ثم قوّاه الله بمن آمن معه كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها حتى يعجب الزرّاع. فإن قلت: قوله لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ تعليل لماذا؟ قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى مِنْهُمْ البيان، كقوله تعالى فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ. عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة» [[أخرجه ابن مردويه والواحدي بالإسناد إلى أبى بن كعب.]] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب