الباحث القرآني

عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: وقف رسول الله ﷺ على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار فبال الحمار، فأمسك عبد الله ابن أبىّ بأنفه وقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله إنّ بول حماره لأطيب من مسكك [[لم أره عن ابن عباس. وهو في الصحيحين من حديث أنس. وفيه «فبلغنا أنها أنزلت وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية. دون بول الحمار. وقوله «والله إن بول حماره لأطيب من مسك» وليس فيه أيضا «وإنه ﷺ مضى. ثم نزلت الآية.]] وروى: حماره أفضل منك، وبول حماره أطيب من مسكك [[لم أره هكذا وحديث أنس في الصحيحين «والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك» .]] ، ومضى رسول الله ﷺ وطال الخوض بينهما حتى استبا وتجالدا، وجاء قوماهما وهما الأوس والخزرج، فتجالدوا بالعصى، وقيل بالأيدى والنعال والسعف، فرجع إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، ونزلت. وعن مقاتل: قرأها عليهم فاصطلحوا. والبغي: الاستطالة والظلم وإباء الصلح. والفيء: الرجوع، وقد سمى به الظل والغنيمة، لأنّ الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة: ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، وعن أبى عمرو: حتى تفي، بغير همز، ووجهه أنّ أبا عمرو خفف الأولى من الهمزتين الملتقيتين فلطفت على الراوي تلك الخلسة [[قوله «تلك الخلسة» في الصحاح: خلست الشيء واختلسته، إذا استلبته «والاسم الخلسة- بالضم. (ع)]] ، فظنه قد طرحها. فإن قلت: ما وجه قوله اقْتَتَلُوا والقياس اقتتلتا [[قال محمود: «لم قال اقتتلوا عدولا ... الخ» قال أحمد: قد تقدم في مواضع إنكار النحاة الحمل على لفظ «من» ، بعد الحمل على معناها، وفي هذه الآية حمل على المعنى بقوله اقْتَتَلُوا ثم على اللفظ بقوله بَيْنَهُما فلا يعتقد أن المقول في «مق» مطرد في هذا، لأن المانع لزوم الإجمال والإبهام بعد التفسير، وهاهنا لا يلزم ذلك، إذ لا إبهام في الطائفة، بل لفظها مفرد أبدا، ومعناها جمع أبدا، وكانت كذلك لاختلاف أحوالها من حيث المعنى مرة جمعا ومرة مقردا، فتأمله، والله الموفق.]] ، كما قرأ ابن أبى عبلة. أو اقتتلا، كما قرأ عبيد بن عمير على تأويل الرهطين أو النفرين؟ قلت: هو مما حمل على المعنى دون اللفظ، لأنّ الطائفتين في معنى القوم والناس. وفي قراءة عبد الله: حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإن فاءوا فخذوا بينهم بالقسط. وحكم الفئة الباغية: وجوب قتالها ما قاتلت. وعن ابن عمر: ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدته من أمر هذه الآية إن لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرنى الله عز وجل. قاله بعد أن اعتزل، فإذا كافت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، وإذا تولت عمل بما روى عن النبي ﷺ أنه قال «يا ابن أم عبد، هل تدرى كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمّة؟ قال: الله ورسوله أعلم قال: لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها ولا يقسم فيؤها» [[أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار والحارث. وابن عدى من رواية كوثر بن حكيم النافع عن نافع عن ابن عمر. وكوثر متروك، قال فيه أحمد: أحاديثه أباطيل.]] ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما: إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعا، فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغي: صير إلى مقاتلتهما، وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة، واطلاعهما على مراشد الحق. فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين. وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى، فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينهما وبين المبغى عليها بالقسط والعدل، وفي ذلك تفاصيل: إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها: ضمنت بعد الفيئة ما جنت، وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة، لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله، فإنه كان يفتي بأن الضمان يلزمها إذا فاءت. وأمّا قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها، فما جنته ضمنته عند الجميع، فمحمل الإصلاح بالعدل في قوله تعالى فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قول غيره: وجهه أن يحمل على كون الفئة قليلة العدد، والذي ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات: ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. فإن قلت: فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأوّل؟ قلت: لأنّ المراد بالاقتتال في أول الآية أن يقتتلا باغيتين معا أو راكبتى شبهة، وأيتهما كانت، فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما: إصلاح ذات البين، وتسكين الدهماء [[قوله «الدهماء» اى الجماعة. (ع)]] بإراءة الحق والمواعظ الشافية، ونفى الشبهة، إلا إذا أصرتا، فحينئذ تجب المقاتلة. وأما الضمان فلا يتجه، وليس كذلك إذا بغت إحداهما، فإنّ الضمان متجه على الوجهين المذكورين وَأَقْسِطُوا أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه، والقسط- بالفتح-: الجور من القسط: وهو اعوجاج في الرجلين [[قوله «وهو اعوجاج في الرجلين» في الصحاح: القسط- بالتحريك-: انتصاب في رجلي الدابة، وذلك عيب، لأنه يستحب فيهما الانحناء والتوقير اه. (ع)]] . وعود قاسط: يابس. وأقسطته الرياح. وأمّا القسط بمعنى العدل، فالفعل منه: أقسط، وهمزته للسلب، أى: أزال القسط وهو الجور.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب