الباحث القرآني

وَالصَّابِئُونَ رفع على الابتداء وخبره [[قال محمود: «فيه الصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف ... الخ» قال أحمد: صدق، لا ورود للسؤال بهذا التوجيه، ولكن ثم سؤال متوجه، وهو أن يقال: لو عطف الصابئين ونصبه كما قرأ ابن كثير لأفاد أيضا دخولهم في جملة المتوب عليهم، ولفهم من تقديم ذكرهم على النصارى ما يفهم من الرفع من أن هؤلاء الصابئين وهم أوغل الناس في الكفر يتاب عليهم، فما الظن بالنصارى، ولكان الكلام جملة واحدة بليغا مختصرا والعطف إفرادى، فلم عدل إلى الرفع وجعل الكلام جملتين، وهل يمتاز بفائدة على النصب والعطف الافرادى؟ ويجاب عن هذا السؤال بأنه لو نصبه عطفه لم يكن فيه إفهام خصوصية لهذا الصنف، لأن الأصناف كلها معطوف بعضها على بعض عطف المفردات. وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد. وأما مع الرفع فينقطع عن العطف الافرادى وتبقى بقية الأصناف مخصصة بالخبر المعطوف به. ويكون خبر هذا الصنف المنفرد بمعزل تقديره مثلا، والصابئون كذلك فيجيء كأنه مقيس على بقية الأصناف وملحق بها وهو بهذه المثابة، لأنهم لما استقر بعد الأصناف من قبول التوبة فكانوا أحقاء بجعلهم تبعا وفرعا، مشبهين بمن هم أقعد منهم بهذا الخبر. وفائدة التقديم على الخبر أن يكون توسط هذا المبتدإ المحذوف الخبر بين الجزئين، أدل على الخبر المحذوف من ذكره بعد تقضى الكلام وتمامه، واللَّه أعلم.]] محذوف، والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا، والصابئون كذلك، وأنشد سيبويه شاهداً له: وَإلّا فَاعْلمُوا أنَّا وأنْتُمْ ... بُغَاةٌ مَا بَقِينَا فِى شِقَاقِ [[إذا جزت نواصي آل بدر ... فأدوها وأسرى في الوثاق وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق لبشر بن أبى خازم الأسدى، يخاطب بنى طيئ ويتوعدهم بما صنعوا بآل بدر حلفاء بنى أسد. والباصية: مقدم شعر الرأس: وجز النواصي حقيقة، على عادتهم من جز ناصية الأسير إذا أرادوا إطلاقه، فطالبهم بمقتضاها وقال: فأدوها، أى الأسرى التي جزت نواصبها. أو أدوا النواصي نفسها. ويجوز أنه مجاز عن قتل كبرائهم. وقوله «فأدوها» أى دماء القتلى وأسرى عطف على الضمير المفعول. وإلا، أى وإن لا تفعلوا فاعلموا أنا وأنتم بغاة. وبغاة: خبر إنا. وخبر أنتم محذوف، أى بغاة أيضا. ولم يجعل المذكور خبراً عنه أيضا، لأنه ليس عطفا على اسم إن، وإلا لقال: إنا وإياكم، بل هو من عطف الجمل. ولا يقال فيه العطف على الجملة قبل تمامها، لا نقول: سمع العطف قبل المعطوف عليه بالكلية في قوله: عليك ورحمة اللَّه السلام. و «في شقاق» خبر ثان، أى في خلاف ما بقينا، أى مدة بقائنا، يعنى وأنتم تعلمون بأسنا في الحرب.]] أى فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، فإن قلت: هلا زعمت أن ارتفاعه للعطف على محل إن واسمها؟ قلت: لا يصح ذلك قبل الفراغ من الخبر، لا تقول: إن زيدا وعمرو منطلقان. فان قلت لم لا يصح والنية به التأخير، فكأنك قلت: إنّ زيدا منطلق وعمرو؟ قلت: لأنى إذا رفعته رفعته عطفا على محل إن واسمها، والعامل في محلهما هو الابتداء، فيجب أن يكون هو العامل في الخبر لأن الابتداء ينتظم الجزأين في عمله كما تنتظمها «إن» في عملها، فلو رفعت الصابئون المنوىّ به التأخير بالابتداء وقد رفعت الخبر بأنّ، لأعملت فيهما رافعين مختلفين. فان قلت: فقوله والصابئون معطوف لا بد له من معطوف عليه فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) الخ ... ولا محل لها، كما لا محل للتي عطفت عليها، فان قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فما الظن بغيرهم. وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدّهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبؤا عن الأديان كلها، أى خرجوا، كما أن الشاعر قدم قوله «وأنتم» تنبيها على أن المخاطبين أو غل في الوصف بالبغاة من قومه، حيث عاجل به قبل الخبر الذي هو «بغاة» لئلا يدخل قومه في البغي قبلهم، مع كونهم أو غل فيه منهم وأثبت قدما فان قلت: فلو قيل والصابئين وإياكم لكان التقديم حاصلا. قلت: لو قيل هكذا لم يكن من التقديم في شيء، لأنه لا إزالة فيه عن موضعه، وإنما يقال مقدّم ومؤخر للمزال لا للقارّ في مكانه. ومجرى هذه الجملة مجرى الاعتراض في الكلام. فان قلت: كيف قال: (الَّذِينَ آمَنُوا) ثم قال: (مَنْ آمَنَ) ؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يراد بالذين آمنوا: الذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون وأن يراد بمن آمن. من ثبت على الإيمان واستقام ولم يخالجه ريبة فيه. فان قلت: ما محل من آمن قلت: إما الرفع على الابتداء وخبره فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ثم الجملة كما هي خبر إن، وإما النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه، أو من المعطوف عليه. فان قلت: فأين الراجع إلى اسم إن؟ قلت: هو محذوف تقديره من آمن منهم، كما جاء في موضع آخر. وقرئ: والصابيون، بياء صريحة، وهو من تخفيف الهمزة، كقراءة من قرأ: يستهزيون. والصابون. وهو من صبوت، لأنهم صبوا إلى اتباع الهوى والشهوات في دينهم ولم يتبعوا أدلة العقل والسمع. وفي قراءة أبىّ رضى اللَّه عنه: والصابئين، بالنصب. وبها قرأ ابن كثير. وقرأ عبد اللَّه: يا أيها الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب