الباحث القرآني

وصف اللَّه شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق [[قال محمود: «وصف اللَّه تعالى شدة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم ... الخ» قال أحمد: وإنما قال (الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) ولم يقل: النصارى، تعريضا بصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر، لأن اليهود قيل لهم (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ) . فقابلوا ذلك بأن قالوا (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) والنصارى قالوا (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) ومن ثم سموا نصارى، وكذلك أيضا ورد أول هذه السورة (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) فأسند ذلك إلى قولهم، والاشارة به إلى قولهم (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) لكنه هاهنا ذكر تنبيها على أنهم لم يثبتوا على الميثاق، ولا على ما قالوه من أنهم أنصار اللَّه، وفي الآية الثانية ذكر تنبيها على أنهم أقرب حالا من اليهود، لأنهم لما ورد عليهم الأمر لم يكافحوه بالرد مكافحة اليهود، بل قالوا (نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ) واليهود قالت (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ) فهذا سره واللَّه أعلم.]] ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ. وعن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» [[أخرجه الثعلبي وابن مردويه وابن حبان في الضعفاء من رواية يحيى بن عبيد اللَّه عن أبيه. عن أبى هريرة وفي رواية ابن حبان «يهودى» على الافراد.]] وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً أى علماء وعباداً وَأَنَّهُمْ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك. وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني. ووصفهم اللَّه برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشىّ رضى اللَّه عنه أنه قال لجعفر بن أبى طالب- حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده-: هل في كتابكم ذكر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) وقرأ سورة طه إلى قوله: (وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) فبكى النجاشي [[لم أجده قلت أظن صاحب الكشاف ذكره بالمعنى من قصة جعفر بن أبى طالب مع عمرو بن العاص لما أرسلته قريش بهديتها إلى النجاشي ليدفع إليهم جعفراً ورفقاءه فان معنى ما ذكر موجوداً فيها إلا قراءة طه. أخرجه ابن إسحاق في المغازي. من طريق ابن حبان من حديث أم سلمة. وقوله: وكذلك فعل قومه أى النجاشي الذين وفدوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم. وهم سبعون رجلا حين قرأ النبي صلى اللَّه عليه وسلم سورة يس: الطبري من رواية قيس بن الربيع. عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير في قوله ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا. قال نعم رسل النجاشي الذين أرسلت وإسلام قومهم وكانوا سبعين رجلا فدخلوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقرأ عليهم يس. فبكوا وعرفوا الحق. فنزلت ونزل فيهم أيضا (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن قيس.]] وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سورة يس، فبكرا. فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله لِلَّذِينَ آمَنُوا؟ قلت: بعداوة ومودّة، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولا. ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب. فإن قلت: ما معنى قوله: (تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ) [[عاد كلامه. قال: «إن قلت ما معنى قوله: (تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ... ) الخ» قال أحمد: وهذه العبارة من أبلغ العبارات، وأنهاها وهي ثلاث مراتب، فالأولى: فاض دمع عينه، وهذا هو الأصل. والثانية: محولة من هذه. وهي قول القائل: فاضت عينه دمعا حولت الفعل إلى العين مجازا ومبالغة، ثم نبهت على الأصل والحقيقة بنصب ما كان فاعلا على التمييز. والثالثة: فيها هذا التحويل المذكور، وهي الواردة في الآية، إلا أنها أبلغ من الثانية باطراح المنبهة على الأصل وعدم نصب التمييز، وإبرازه في صورة التعليل واللَّه أعلم. وإنما كان الكلام مع التعليل أبعد عن الأصل منه مع التمييز لأن التمييز في مثله قد استقر كونه فاعلا في الأصل في مثل: تصبب زيد عرقا، وتفقأ عمرو شحما، واشتعل الرأس شيبا، وتفجرت الأرض عيونا. فإذا قلت: فاضت عينه دمعا، فهم هذا الأصل في العادة في أمثاله. وأما التعليل فلم يعهد فيه ذلك. ألا تراك تقول: فاضت عينه من ذكر اللَّه كما تقول فاضت عينه من الدمع، فلا يفهم التعليل ما يفهم التمييز واللَّه الموفق.]] قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أى تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً فإن قلت: أى فرق بين من ومن في قوله مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ؟ قلت الأولى لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه. والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا. وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة؟ وقرئ (ترى أعينهم) على البناء للمفعول رَبَّنا آمَنَّا المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ مع أمّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام اللَّه عليهم بصحبة الصالحين: وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك. أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن باللَّه وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان باللَّه: ومحل (لا نُؤْمِنُ) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائما. والواو في وَنَطْمَعُ واو الحال. فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟ قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أى شيء حصل لنا غير مؤمنين: وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلاما. ويجوز أن يكون (وَنَطْمَعُ) حالا من لا نؤمن، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون اللَّه، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفا على لا نؤمن على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين، أو على معنى: وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين. قرأ الحسن: فآتاهم اللَّه بِما قالُوا بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أى اعتقاده وما يذهب إليه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب