الباحث القرآني

مدنية وآياتها 78 [نزلت بعد الرعد] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عدّد الله عز وعلا آلاءه، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قد ما من ضروب آلائه [[قال محمود: «عدد الله عز وجل آلاءه فأراد أن يقدم أول شيء ما هو أسبق قد ما في ضروب آلائه ... الخ» قال أحمد: نغير من هذا الكلام قوله: أن خلق الإنسان كان الغرض فيه. أى المراد منه: أن يحيط علما بالكتب والوحى، ويعوض بأن المراد بخلقه: أن يدعى إلى ذلك، لا أن يقع ذلك منه، فهذا هو المراد العام، ثم منهم من أراد الله منه أن يحيط علما بالدين فيسر له ذلك، ومنهم من أراد ضلالته وجهالته فبعد عنه ولم يوفق، والله الموفق الصواب.]] وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها: وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحى الله رتبة، وأعلاه منزلة، وأحسنه في أبواب الدين أثرا، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه: ليعلم أنه إنما خلقه الدين، وليحيط علما بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّما عليه وسابقا له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح [[قال محمود: «ثم ذكر ما تميز به عن سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب ... الخ» قال أحمد: وإنما خص الجمل الأول بذكرها تبكيتا للإنسان لأجل التصاق معانيها به، ألا ترى أنه مذكور فيها نطقا وإضمارا وحذفا مدلولا عليه في الكلام، فهو منطوق به مظهرا في قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ ومضمرا في قوله عَلَّمَهُ الْبَيانَ ومدلولا على حذفه في قوله عَلَّمَ الْقُرْآنَ فانه المفعول الثاني، أما قوله الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ فليس للإنسان فيهما ذكر البتة، وجل المقصود من سياقهما التنبيه على عظمة الله تعالى.]] المعرب عما في الضمير والرَّحْمنُ مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها أخبار مترادفة، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد، كما تقول: زيد أغناك بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه؟ بِحُسْبانٍ بحساب معلوم وتقدير سوىّ تَجْرِيانِ في بروجهما ومنازلهما. وفي ذلك منافع للناس عظيمة: منها علم السنين والحساب وَالنَّجْمُ والنبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول وَالشَّجَرُ الذي له ساق. وسجودهما: انقيادهما لله فيما خلقا له، وأنهما لا يمتنعان، تشبيها بالساجد من المكلفين في انقياده. فإن قلت: كيف اتصلت هاتان الجملتان بالرحمن؟ قلت: استغنى فيهما عن الوصل اللفظي بالوصل المعنوي، لما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، كأنه قيل: الشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له. فإن قلت: كيف أخل بالعاطف في الجمل الأول، ثم جيء به بعد؟ قلت: بكت بتلك الجمل الأول واردة على سنن التهديد، ليكون كل واحدة من الجمل مستقلة في تقريع الذين أنكروا الرحمن وآلاءه، كما يبكت منكر أيادى المنعم عليه من الناس بتعديدها عليه في المثال الذي قدّمته، ثم ردّ الكلام إلى منهاجه بعد التبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. فإن قلت: أى تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ قلت: إنّ الشمس والقمر سماويان، والنجم والشجر أرضيان، فبين القبيلين تناسب من حيث التقابل، وأنّ السماء والأرض لا تزالان تذكران قرينتين، وأن جرى الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر وقيل: عَلَّمَ الْقُرْآنَ جعله علامة وآية. وعن ابن عباس رضى الله عنه: الإنسان آدم. وعنه أيضا: محمد رسول الله ﷺ. وعن مجاهد النجم: نجوم السماء وَالسَّماءَ رَفَعَها خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومصدر قضاياه، ومتنزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه، ونبه بذلك على كبرياء شأنه وملكه وسلطانه وَوَضَعَ الْمِيزانَ وفي قراءة عبد الله: وخفض الميزان، وأراد به كل ما توزن به الأشياء وتعرف مقاديرها من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أى خلقه موضوعا مخفوضا على الأرض: حيث علق به أحكام عباده وقضاياهم وما تعبدهم به من التسوية والتعديل في أخذهم وإعطائهم أَلَّا تَطْغَوْا لئلا تطغوا. أو هي أن المفسرة. وقرأ عبد الله: لا تطغوا بغير أن، على إرادة القول وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وقوّموا وزنكم بالعدل وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ ولا تنقصوه: أمر بالتسوية ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان. وكرّر لفظ الميزان: تشديدا للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه. وقرئ. والسماء. بالرفع. ولا تخسروا بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها. يقال: خسر الميزان يخسره ويخسره، وأمّا الفتح فعلى أن الأصل: ولا تخسروا في الميزان، فحذف الجار وأوصل الفعل. ووَضَعَها خفضها مدحوّة على الماء لِلْأَنامِ للخلق، وهو كل ما على ظهر الأرض من دابة. وعن الحسن: الإنس والجنّ، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها فاكِهَةٌ ضروب مما يتفكه به، والْأَكْمامِ كل ما يكم أى يغطى من ليفة وسعفة وكفرّاة [[قوله «وسعقة وكفراة» الذي في الصحاح «الكفرى بلا تاء، وأنها وعاء الطلع اه، فلعل عبارة المفسر من ليفه وسعفه وكفراه باضافة كل إلى ضمير النخل، كما سيأتى في ثمره وجماره وجذوعه، والناسخ توهم أنها هاء التأنيث فتقطها فوق. (ع)]] وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. وقيل الأكمام أوعية التمر: الواحد كم. بكسر الكاف. والْعَصْفِ ورق الزرع، وقيل التبن وَالرَّيْحانُ الرزق وهو اللب: أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه والجامع بين التلذذ والتغرى وهو ثمر النخل، وما يتغذى به وهو الحب. وقرئ: والريحان، بالكسر. ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام، والريحان الذي هو مطعم الناس. وبالضم على: وذو الريحان. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: معناه وفيها الريحان الذي يشم، وفي مصاحف أهل الشأم: والحب ذو العصف والريحان، أى: وخلق الحب والريحان: أو وأخص الحب والريحان. ويجوز أن يراد: وذا الريحان، فيحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه، والخطاب في رَبِّكُما تُكَذِّبانِ للثقلين بدلالة الأنام عليهما. وقوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب