الباحث القرآني

مكية، وهي ثلاثون آية [نزلت بعد الطور] وتسمى: الواقية، والمنجية، لأنها تقى وتنجي قارئها من عذاب القبر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ على كل موجود وَهُوَ عَلى كُلِّ ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة قَدِيرٌ وذكر اليد مجاز عن الإحاطة بالملك والاستيلاء عليه. والحياة: ما يصح بوجوده الإحساس. وقيل: ما يوجب كون الشيء حيا، وهو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر. والموت عدم ذلك [[قال محمود: «أى ما يوجب كون الشيء حيا أو ما يصح بوجوده الاحساس والموت عدم ذلك ... الخ» قال أحمد: أخطأ في تفسير الموت ديدنه المعروف أن يفسر ويتبع التفسير آراء القدرية، ومنها قطع الله ذكرها: أن الموت عدم، وهو خطأ صراح. ومعتقد أهل السنة أنه أمر وجودى يضاد الحياة، وكيف يكون العدم بهذه المثابة، ولو كان العدم مخلوقا حادثا وعدم الحوادث مقرر أزلا: للزم قطع الحوادث أزلا، وذلك أبشم من القول بقدم العالم، فانظر إلى هذا الهوى أين مؤداه. وكيف أهوى بصاحبه فأرداه، نعوذ بالله من الزلل والخطل.]] فيه، ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون لِيَبْلُوَكُمْ وسمى علم الواقع منهم باختيارهم «بلوى» وهي الخبرة استعارة من فعل المختبر. ونحوه قوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ. فإن قلت: من أين تعلق قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بفعل البلوى [[قال محمود: «أين تعلق قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بفعل البلوى؟ وأجاب بأن معناه ليعلمكم أيكم أحسن عملا، لأن البلوى تتضمن العلم ... الخ» قال أحمد: التعليق عن أحد المفعولين مختلف فيه بين النحاة، والأصح ما أجازه، وهو في هذا الفن يمشى وفيه يدرج ويدرى كيف يدخل فيه ويخرج.]] ؟ قلت: من حيث أنه تضمن معنى العلم، فكأنه قيل: ليعلمكم أيكم أحسن عملا، وإذا قلت: علمته أزيد أحسن عملا أم هو؟ كانت هذه الجملة واقعة موقع الثاني من مفعوليه، كما تقول: علمته هو أحسن عملا. فإن قلت: أتسمى هذا تعليقا؟ قلت: لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقا لا فترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق. وعلمت زيدا منطلقا. أَحْسَنُ عَمَلًا. قيل: أخلصه وأصوبه، لأنه إذا كان خالصا غير صواب لم يقبل، وكذلك إذا كان صوابا غير خالص، فالخالص: أن يكون لوجه الله تعالى، والصواب: أن يكون على السنة. وعن النبي ﷺ أنه تلاها، فلما بلغ قوله أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال: «أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» [[تقدم الكلام عليه في أول سورة هود.]] يعنى: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه، والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل وتستمكنون منه، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأن وراءه البعث والجزاء الذي لا بد منه. وقدم الموت على الحياة، لأنّ أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم وَهُوَ الْعَزِيزُ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل الْغَفُورُ لمن تاب من أهل الإساءة طِباقاً مطابقة بعضها فوق بعض، من طابق النعل: إذا خصفها طبقا على طبق، وهذا وصف بالمصدر. أو على ذات طباق، أو على: طوبقت طباقا مِنْ تَفاوُتٍ وقرئ: من تفوت. ومعنى البناءين واحد، كقولهم: تظاهروا من نسائهم. وتظهروا. وتعاهدته وتعهدته، أى: من اختلاف واضطراب في الخلقة ولا تناقض، إنما هي مستوية مستقيمة. وحقيقة التفاوت: عدم التناسب، كأن بعض الشيء يفوت بعضا ولا يلائمه. ومنه قولهم: خلق متفاوت. وفي نقيضه: متناصف. فإن قلت: كيف موقع هذه الجملة مما قبلها؟ قلت: هي صفة مشايعة لقوله طِباقاً وأصلها: ما ترى فيهنّ من تفاوت، فوضع مكان الضمير قوله خَلْقِ الرَّحْمنِ تعظيما لخلقهنّ، وتنبيها على سبب سلامتهنّ من التفاوت: وهو أنه خلق الرحمن، وأنه بباهر قدرته هو الذي يخلق مثل ذلك الخلق المتناسب، والخطاب في ما ترى للرسول أو لكل مخاطب. وقوله تعالى فَارْجِعِ الْبَصَرَ متعلق به على معنى التسبيب، أخبره بأنه لا تفاوت في خلقهنّ، ثم قال فَارْجِعِ الْبَصَرَ حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة، ولا تبقى معك شبهة فيه هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ من صدوع وشقوق: جمع فطر وهو الشق. يقال: فطره فانفطر. ومنه: فطر ناب البعير، كما يقال: شق وبزل. ومعناه: شق اللحم فطلع. وأمره بتكرير البصر فيهنّ متصفحا ومتتبعا يلتمس عيبا وخللا يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ أى إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل وإدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور، أى: بالبعد عن إصابة الملتمس. كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة [[قوله «بالصغار والقماءة» أى: الصغر والذل، كما في الصحاح. (ع)]] . وبالإعياء والكلال لطول الإجالة والبرديد. فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئا حسيرا برجعه كرّتين اثنتين؟ قلت: معنى التثنية التكرير بكثرة [[قال محمود: «لم خص الكرتين؟ فأجاب بأن معنى التئنية هاهنا التكثير ... الخ» قال أحمد: وفي قوله يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ وضع الظاهر موضع المضمر. وفيه من الفائدة: التنبيه على أن الذي يرجع خاسئا حسيرا غير مدرك الفطور: هو الآلة التي يلتمس بها إدراك ما هو كائن، فإذا لم يدرك شيء دل على أنه لا شيء. ومن هذا القبيل قوله خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ وأصله: ما ترى في خلقهن من تفاوت، ولكنه ذكرهن منسربات لخلق الرحمن، تنبيها على السبب الذي ربأ بهن على الفطور والتفاوت.]] ، كقولك: لبيك وسعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في أثر بعض، وقولهم في المثل: دهدرّين سعد القين [[قوله «دهدرين ... الخ» في القاموس بضم الدالين وفتح الراء المشددة: اسم لبطل، وللباطل والكذب كالدهدر. ودهدرين سعد القين: أى بطل سعد الحداد. أو أن فينا ادعى أن اسمه سعد زمانا، ثم تبين كذبه، فقيل له ذلك» أى: جمعت باطلا إلى باطل يا سعد الحصاد. ويروى منفصلا «ده» أمر من الدهاء، و «درين» من در: أى تتابع، أى: بالغ في الكذب يا سعد. وفيه غير ذلك، فراجعه، كذا بهامش الأصل. (ع)]] من ذلك. أى: باطلا بعد باطل. فإن قلت: فما معنى ثم ارجع؟ قلت: أمره يرجع البصر، ثم أمره بأن لا يقتنع بالرجعة الأولى وبالنظرة الحمقاء، وأن يتوقف بعدها ويجم بصره، ثم يعاود ويعاود، إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة، فإنه لا يعثر على شيء من فطور.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    معاصرة

    مركَّزة العبارة

    آثار

    إسلام ويب