الباحث القرآني

لِمِيقاتِنا لوقتنا الذي وقتنا له وحدّدنا. ومعنى اللام الاختصاص، فكأنه قيل: واختص مجيئه بميقاتنا، كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ من غير واسطة [[قال محمود: «معناه كلمه من غير واسطة ... الخ» قال أحمد: وهذا تصريح منه يخلق الكلام، كما هو معتقد المعتزلة، والذي يخص به هذه الآية من وجره الرد عليه: أنها سيقت مساق الامتنان على موسى باصطفاء الله له وتخصيصه إياه بتكليمه، وكذلك قال تعالى بعد آيات منها إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فلو كان تكليم الله له بمعنى خلق الحروف والأصوات في بعض الأجرام واستماع موسى لذلك، لكان كل أحد يساوى موسى عليه السلام في ذلك، بل كان آحاد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام آثر بهذه المزية وأحق بالخصوصية من موسى عليه السلام، لأنهم سمعوا الكلام على الوجه المذكور من أفضل الأجرام وأزكاها خلقاً في رسول الله ﷺ، وكانت مزيتهم أظهر وخصوصيتهم أوفر. ونحن نعلم ضرورة من سياق هذه الآية تمييز موسى عليه الصلاة والسلام بهذه المزية، فلا يحمل لذلك إلا اعتقاد أنه سمع الكلام القديم القائم بذات الله سبحانه وتعالى بلا واسطة دليل عليه من حروف ولا غيرها، وكما أجزنا من المعقول أن ترى ذات الباري سبحانه وتعالى وإن لم يكن جسما، فكذلك نجيز أن يسمع كلامه وإن لم يكن حرفا ولا صوتا. والكلام في هذه العقيدة طويل، والشوط بطين. وهذه النكتة هي الخاصة بهذه الآية، والله الموفق.]] كما يكلم الملك، وتكليمه: أن يخلق الكلام [[قوله «وتكليمه أن يخلق الكلام» هذا على مذهب المعتزلة: أن كلامه تعالى ألفاظ يخلقها الله في بعض الأجرام. أما على مذهب أهل السنة، فان كلامه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته، فتكليمه لعبده أن يكشف له عنها، كما تقرر في علم التوحيد. (ع)]] منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح وروى: أن موسى عليه السلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة. وعن ابن عباس رضى الله عنه: كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة، وكتب له الألواح. وقيل إنما كلمه في أول الأربعين أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ثانى مفعولي أرنى محذوف [[عاد كلامه. قال: «وقوله أرنى أنظر إليك محذوف المفعول الأول مذكور الثاني، والتقدير أرنى نفسك أنظر إليك ... الخ» قال أحمد: ما أشد ما اضطرب كلامه في هذه الآية، لأن غرضه أن يدحض الحق بالضلالة، ويشين بكفه وجه الغزالة، هيهات قد تبين الصبح لذي عينين، فالحق أبلج لا يمازجه ريب إلا عند ذى رين. أما حظ المعقول من إجازة رؤية الله تعالى فوظيفة علم الكلام، وأخصر وجه في إجادة ذلك: أن الوجود مصحح الرؤية، بدليل أن جواز الرؤية حكم يستدعي مصححاً. وقد شمل الجواز الجوهر والعرض، ولا جامع بينهما يمكن جعله مصححاً سوى الوجود، وإذا كان الوجود هو المصحح فقد صحت رؤيته تعالى لوجوده. وأما استبعاد أن يرى ما ليس في جهة فأمر وهمى مثله عرض للمعطلة فعميت بصائرهم، حتى أنكروا موجوداً لا في جهة، ومن اتبع الأوهام اغتسق مهامه الضلال وهام، ولو كانت الرؤية تتوقف على جهة المرئي لكانت المعرفة تتوقف على جهة المعروف، ولا خلاف أنه سبحانه يعرف لا في جهة، فكذلك يرى لا في جهة، فالحق أن موسى عليه السلام إنما طلب الرؤية لنفسه، لعلمه بجواز ذلك على الله تعالى، والقدرية يجبرهم الطمع ويجرؤهم حتى يروموا أن يجعلوا موسى عليه السلام كان على معتقدهم، وما هم حينئذ إلا ممن آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها «وأما قوله عليه السلام: أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا تبريا من أفاعيلهم وتسفيها لهم وتضليلا لرأيهم، فلا راحة للقدرية في الاستشهاد به على إنكار موسى عليه السلام لجواز الرؤية، فان الذي كان الإهلاك بسببه إنما هو عبادة العجل في قول أكثر المفسرين ثم. وإن كان السبب طلبهم الرؤية، فليس لأنها غير جائزة على الله. ولكن لأن الله تعالى أخبر أنها لا تقع في دار الدنيا والخبر صدق، وذلك بعد سؤال موسى للرؤية فلما سألوا وقد سمعوا الخبر بعدم وقوعها، كان طلبهم خلاف المعلوم تكذيباً للخبر، فمن ثم سفههم موسى عليه السلام وتبرأ من طلب ما أخبر الله أنه لا يقع ثم، ولو كان سؤالهم الرؤية قبل إخبار الله تعالى بعدم وقوعها، فإنما سفههم موسى عليه السلام لاقتراحهم على الله هذه الآية الخاصة، وتوقيفهم الايمان عليها حيث قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ألا ترى أن قولهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إنما سألوا فيه جائزاً، ومع ذلك قرعوا به لاقتراحهم على الله مالا يتوقف وجوب الايمان عليه، فهذه المباحث الثلاثة توضح لك سوء نظر الزمخشري بعين الهوى وعمايته عن سبيل الهدى، والله الموفق.]] أى أرنى نفسك أنظر إليك. فإن قلت: الرؤية عين النظر، فكيف قيل: أرنى أنظر إليك؟ قلت: معنى أرنى نفسك، اجعلنى متمكناً من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك، فإن قلت: فكيف قال لَنْ تَرانِي ولم يقل لن تنظر إلىّ، لقوله أَنْظُرْ إِلَيْكَ؟ قلت: لما قال أَرِنِي بمعنى اجعلنى متمكناً من الرؤية التي هي الإدراك، علم أن الطلبة هي الرؤية [[قوله «أن الطلبة هي الرؤية» في الصحاح «الطلبة» بكسر اللام: ما طلبته من شيء. (ع)]] لا النظر الذي لا إدراك معه، فقيل: لن تراني، ولم يقل لن تنظر إلىّ. فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك- وهو من أعلم الناس بالله وما يجوز عليه وما لا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنما يصحّ فيما كان في جهة. وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة. ومنعُ المجبرة إحالته [[قوله «ومنع المجبرة إحالته» يعنى أهل السنة، حيث ذهبوا إلى جواز رؤيته تعالى ومنعوا اشتراط كون المرئي في جهة. قال تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ والجائز قد ينتفي في بعض الأوقات ويقع في بعض. والحديث كما سيأتى «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» ومحل الكلام علم الكلام. (ع)]] في العقول غير لازم، لأنه ليس بأوّل مكابرتهم وارتكابهم، وكيف يكون طالبه وقد قال- حين أخذت الرجفة الذين قالوا أرنا الله جهرة- أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إلى قوله تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ فتبرأ من فعلهم ودعاهم سفهاء وضلالا-؟ قلت: ما كان طلب الرؤية إلا ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا. وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر، وذلك أنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق، فلجوا وتمادوا في لجاجهم وقالوا: لا بدَّ، ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة ذلك، وهو قوله لَنْ تَرانِي ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ. فإن قلت: فهلا قال: أرهم ينظروا إليك [[عاد كلامه. قال: فان قلت: هلا قال أرهم ينظروا إليك ... الخ» ؟ قال أحمد: وهذا الكلام الآخر من الطراز الأول، وأقرب شاهد على رده أنه لو كان طلب الرؤية لهم حتى إذا سمعوا منع الله تعالى لها أيقنوا أنها ممتنعة لكان طلبها عبثا غير مفيد لهذا الغرض، لأن هؤلاء لا يخلو أمرهم. إما أن يكونوا مؤمنين بموسى، أو كفاراً به، فان كانوا مؤمنين به، فاخباره إياهم بأن الله تعالى لا يرى ولا يجوز عليه ذلك، كان في حصول المقصود من غير حاجة إلى أن يسأل موسى عليه السلام من الله أن ير به ذاته، على علم بأن ذلك محال. وإن كانوا كفاراً بموسى عليه السلام فلا يحصل الغرض من ذلك أيضا، لأن الله تعالى إذا منعه مسؤله من الرؤية، فإنما يثبت ذلك لهم بقول موسى عن الله تعالى أنه منعه ذلك، وهم كفار بموسى عليه السلام، فكيف يفيدهم غيره عن الله بامتناع ذلك؟ فهذا أوضح مصداق، لأن موسى عليه السلام إنما طلب الرؤية لنفسه اعتقاداً لجوازها على الله تعالى، فأخبره الله أن ذلك لا يقع في الدنيا وإن كان جائزاً.]] ؟ قلت: لأنّ الله سبحانه إنما كلم موسى عليه السلام وهم يسماعون، فلما سمعوا كلام رب العزة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد. فلذلك قال موسى: أرنى أنظر إليك، ولأنه إذا زجر عما طلب، وأنكر عليه في نبوّته واختصاصه وزلفته عند الله تعالى، وقيل له: لن يكون ذلك: كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أمته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم. وقوله أَنْظُرْ إِلَيْكَ وما فيه من معنى المقابلة [[عاد كلامه. قال: و «قوله أنظر إليك وما فيه من معنى المقابلة ... الخ» قال أحمد: ودعواه أن النظر يستلزم الجسمية قد سلف ردها. وأما تنزيهه موسى عليه السلام بنسبة اعتقاد استحالة الرؤية إليه فهو غنى عنه. وأما إقناعه في تفصيله برجحانه عليه السلام في العلم بالله وبصفاته على واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظام وأبى الهذيل والشيخين، فهو نقص عن منصبه العلى، وأقل العوام المقلدين لأهل السنة، راجح عند الله على أصحاب البدع والأهواء، وإن ملؤوا الأرض نفاقا، وشحنوا مصنفاتهم عناداً لأهل السنة وشقاقا، فكيف بكليم الله عليه أفضل الصلاة والسلام.]] التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم وحكاية لقولهم، وجل صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلا بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفة الله تعالى من واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظام، وأبى الهذيل والشيخين، وجميع المتكلمين؟ فإن قلت: ما معنى لَنْ؟ قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» [[عاد كلامه. قال: «فان قلت ما معنى لن؟ قلت تأكيد النفي الذي تعطيه لا ... الخ» قال أحمد. «لن» كما قال تشارك «لا» في النفي وتمتاز بمزية تأكيده. وأما استنباط الزمخشري من ذلك منافاة الرؤية لحال الباري عز وجل، ثم إطلاق الحال على الله تعالى مما يستحرز عنه، واستشهاده على أن «لن» تشعر باستحالة المنفي بها عقلا، مردود كثيراً بكثير من الآي، كقوله تعالى فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً فذلك لا يحيل خروجهم عقلا، ولَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، لَنْ تَتَّبِعُونا. فهذه كلها جائزات عقلا، لولا أن الخبر منع من وقوعها، فالرؤية كذلك.]] وذلك أن «لا» تنفى المستقبل. تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. والمعنى: أنّ فعله ينافي حالى، كقوله لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ نفى للرؤية فيما يستقبل. ولن تراني تأكيد وبيان، لأنّ المنفي مناف لصفاته. فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ بما قبله؟ قلت: اتصل به على معنى أنّ النظر إلىّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر: وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به وكيف أجعله دكا بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ وعلا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد [[عاد كلامه. قال: «ثم حقق تعالى عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد ... الخ» قال أحمد: نسبة جواز الرؤية إلى الله تعالى عند الزمخشري كنسبة الولد إليه، وهذا مفرع على المعتقد السالف بطلانه، وليس له في هذا الفصل وظيفة إلا تتبع الشبه لامتناع الرؤية، تلقفها من كل فج. والحق أن دك الجبل إنما كان لأن الله عز وجل أظهر له آية من ملكوت السماء. ولا تستقر الدنيا لإظهار شيء من ملكوت السماء. وهذا هو المأثور عن السلف في هذه الآية. ومعناه عند أبى الحسن رحمه الله فعل فعلا سماه تجليا، وكان الغضب إما لأنهم طلبوا رؤية جسمانية في جهة، وإما لأنهم كتموا الخبر. بأنه لا يرى في الدنيا، وإما لأنهم كفروا بالاقتراح أو بالمجموع.]] إليه في قوله وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً [[عاد كلامه. قال: «ومعنى فان استقر مكانه: فان ثبت كما كان ذاهبا ... الخ» قال أحمد: وهذا من حيل القدرية في إحالة الرؤية يقولون: قد علقها الله على شرط محال وهو استقرار الجبل حال دكه، والمعلق على المحال محال. وهذه حيلة باطلة، فان المعلق عليه استقرار الجبل من حيث هو استقرار، وذلك ممكن جائز، وتعلق العلم بأنه لا يستقر له، لا يرفع إمكان استقراره، وتعلق العلم لا يغير المعلوم ولا ينقل حكمه من إمكان إلى امتناع ولا العكس. وحينئذ يتوجه دليلا لأهل السنة فنقول: استقرار الجبل ممكن، وقد علق عليه وقوع الرؤية، والمعلق على الممكن ممكن، والمعتزلة يعتقدون أن خلاف المعلوم لا يجوز أن يكون مقدوراً ونحن نقول مقدور، ولكن ما تعلقت المشيئة بإيجاده. وقولنا أقعد بالآداب، وأسعد بالإجلال في الخطاب.]] في جهاته فَسَوْفَ تَرانِي تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه بالأرض، وهذا كلام مدمج بعضه في بعض، وارد على أسلوب عجيب ونمط بديع. ألا ترى كيف تخلص من النظر إلى النظر بكلمة الاستدراك؟ ثم كيف بنى الوعيد بالرجفة الكائنة بسبب طلب النظر على الشريطة في وجود الرؤية؟ أعنى قوله فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته جَعَلَهُ دَكًّا أى مدكوكا مصدر بمعنى مفعول كضرب الأمير. والدكّ والدقّ أخوان، كالشك والشق. وقرئ دكاء. والدكاء: اسم للرابية الناشزة من الأرض، كالدكة أو أرضاً دكاء مستوية. ومنه قولهم: ناقة دكاء متواضعة السنام، وعن الشعبي: قال لي الربيع بن خثيم: ابسط يدك دكاء، أى مدّها مستوية. وقرأ يحيى بن وثاب: دكا، أى قطعاً دكا جمع دكاء وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً من هول ما رأى. وصعق من باب: فعلته ففعل. يقال صعقته فصعق. وأصله من الصاعقة. ويقال لها الصاقعة، من صقعه إذا ضربه على رأسه ومعناه: خرّ مغشياً عليه غشية كالموت، وروى أنّ الملائكة مرّت عليه وهو مغشى عليه [[عاد كلامه. قال: «ومعنى وخر موسى صعقا: وخر مغشيا عليه غشية كالموت وروى أن الملائكة مرت عليه ... الخ» قال أحمد، وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونا وظهراً على المعتقد الفاسد. والوجه التورك بالغلط على ناقلها وتنزيه الملائكة عليهم السلام من إهانة موسى كليم الله بالوكز بالرجل والغمص في الخطاب.]] فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة؟ فَلَمَّا أَفاقَ من صعقته قالَ سُبْحانَكَ أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها تُبْتُ إِلَيْكَ من طلب الرؤية وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لست بمرئىّ ولا مدرك بشيء من الحواس. فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته، فممّ تاب [[عاد كلامه. قال: «فان قلت إن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب ... الخ» ؟ قال أحمد: أما دك الجبل، فقد سلف الكلام على سره. وأما تسبيح موسى عليه السلام فلما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق، فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم سبح الله وقدس علمه وخبره عن الخلف. وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزهاً مبرا من كل ما ينحط به، ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية عن الاذن كان أكمل. وقد ورد: سيئات المقربين حسنات الأبرار.]] ؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة وإن كان لغرض صحيح على لسانه، من غير إذن فيه من الله تعالى، فانظر إلى إعظام الله تعالى أمر الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا، وكيف أصعقهم ولم يخل كليمه من نفيان [[قوله «ولم يخل كليمه من نفيان ذلك» قوله «نفيان» هو ما يتطاير من قطر المطر، وقطر الدلو، ومن الرمل عند الوطء، ومن الصوف عند النفش، ونحو ذلك. كذا في شرح المعلقات العلامة الزوزنى. (ع)]] ذلك مبالغة في إعظام الأمر، وكيف سبح ربه ملتجئاً إليه، وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال أنا أول المؤمنين، ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة [[عاد كلامه. قال: «ثم تعجب من المتسمين بالإسلام المتسمين بأهل السنة والجماعة ... الخ» قال أحمد رحمه الله: وقد انتقل الزمخشري في هذا الفصل إلى ما تسمعه من هجاء أهل السنة. ولولا الاستناد بحسان بن ثابت الأنصارى صاحب رسول الله ﷺ وشاعره والمنافح عنه وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين بالعدلية وبالناجين سلاما، ولكن كما نافح حسان عن رسول الله ﷺ أعداءه، فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله ﷺ أعداءهم فنقول: وجماعة كفروا برؤية ربهم ... حقاً ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل ... عدلوا بربهم فحسبهمو سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه]] كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا. ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة، فإنه من منصوبات أشياخهم! والقول ما قال بعض العدلية [[قوله «والقول من قال بعض العدلية» غفر الله للمصنف ما لوث به لسانه وقلبه في ذكر هذه الأبيات. (ع)]] فيهم: لجماعة سموا هواهم سنّة ... وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا ... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه [[الزمخشري في أهل السنة، أى هم جماعة سموا هوى أنفسهم سنة، ولكن من عرف أن مستند المعتزلة العقل، ومستند الجماعة النقل عرف الهوى من الهدى. وحمر أى كالحمر. موكفة: أى موضوع عليها الاكاف، مبالغة في التشبيه. قد شبهوه: أى الله عز وجل بخلقه حيث قالوا: إنه يرى بالعين، فخافوا تشنيع الناس عليهم فتستروا بقولهم: إنه يرى بلا كيف. فالبلكفة منحوتة من ذلك.]] وتفسير آخر: وهو أن يريد بقوله أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ عرّفنى نفسك تعريفاً واضحاً جلياً، كأنها إرادة في جلائها بآية مثل آيات القيامة التي تضطر الخلق إلى معرفتك أَنْظُرْ إِلَيْكَ أعرفك معرفة اضطرار، كأنى أنظر إليك، كما جاء في الحديث «سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» [[متفق عليه من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر. فقال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر- الحديث» وللبخاري من رواية «إنكم سترون ربكم عيانا» واتفقا عليه من حديث أبى سعيد وأبى هريرة بمعناه.]] بمعنى: ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى قالَ لَنْ تَرانِي أى لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة، ولن تحتمل قوّتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل، فإنى أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات، فإن ثبت لتجليها واستقرّ مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطبيقها، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً لعظم ما رأى فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ مما اقترحت وتجاسرت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بعظمتك وجلالك، وأن شيئاً لا يقوم لبطشك وبأسك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب