الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ﴾ من الآية. لمَّا بيَّن أنَّ الأمم المتقدمين حلَّ بهم عذاب الاستئصال، بيَّن أنَّ السبب فيه أمران: الأول: أنه ما كان فيهم قوم ينهون عن الفساد في الأرض، فقال: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ﴾ ، «لوْلاَ» تخضيضيه دخلها معنى التَّفجُّع عليهم، وهو قريبٌ من مجاز قوله تعالى: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: 30] وما يروى عن الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه قال: كل ما كان في القرآن من «لَوْلاَ» فمعناه «هَلاَّ» إلاَّ التي في الصافات «لوْلاَ أنَّهُ» ، لا يصحُّ عنه لورودها كذلك في غير الصافات ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ﴾ [القلم: 49] ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء: 74] ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ﴾ [الفتح: 25] . و «مِنَ القُرونِ» يجوز أن يتعلَّق ب «كان» ؛ لأنَّها هنا تامَّة، إذا المعنى: فهلاَّ وُجِد من القُرونِ، أو حدث، أو نحو ذلك، ويجُوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من: «أُولُوا بقيَّةٍ» لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكون نعتاً لهُ، و «مِن قَبْلِكُم» حالٌ من «القُرُون» و «يَنْهَون» حالٌ من «أولوا بقيَّة» لتخصُّصه بالإضافةِ، ويجوز أن يكون نعتاً ل «أُولُوا بقيَّّةٍ» وهو أولى. ويضعفُ أن تكون «كان» هذه ناقصة لبُعْد المعنى من ذلك، وعلى تقديره يتعيَّن تعلُّق «من القُرونِ» بالمحذُوف على أنَّهُ حالٌ؛ لأنَّ «كَانَ» النَّاقصة لا تعملُ عند جمهورالنُّحاةِ، ويكون «يَنْهَوْنَ» في محلِّ نصب خبراً ل «كان» . وقرأ العامَّةُ «بقيَّة» بفتح الباء وتشديد الياءِ، وفيها وجهان: أحدهما: أنَّها صفةٌ على «فَعِيلة» للمبالغةِ، بمعنى «فاعل» ؛ وذلك دخلت التَّاءُ فيها، والمرادُ بها حينئذٍ الشيء وخياره، وإنَّما قيل لجنْدِه وخياره: «بقيَّة» في قولهم: فلان بقيةُ النَّاس، وبقيةُ الكرام؛ لأنَّ الرَّجُل يستبقى ممَّا يخرجه أجوده وأفضله والرجل يبقى بعده ذكر جوده وفضله؛ وعليه حمل بيتُ الحماسِة: [البسيط] 3040 - إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأتينِي بقِيَّتُكُمْ..... ... ... ... ... ... وفي المثل: «في الزَّويا خبايا، وفي الرِّجالِ بَقايَا» . والثاني: أنَّها مصدرٌ بمعنى البقوى قال الزمخشريُّ ويجوزُ أن تكون البقيَّة بمعنى البَقْوَى كالتقيَّة بمعنى التَّقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم، وصيانةٍ لها من سخطِ الله وعقابه. والمعنى: فهلاّ كان منهم أولوا مراقبة وخشية من انتقام الله. وقرأت فرقةٌ «بَقِيَة» بتخفيفِ الياءِ، وهي اسمٌ فاعل من بقي ك: شَجِيَة من شَجِي، والتقدير أولُوا طائفةِ بقيةِ أي: باقية وقرأ أبو جعفرٍ وشيبة «بُقْية» بضمِّ الفاء وسكون العين. وقُرِئَ «بَقْيَة» على المرَّة من المصدر. و «فِي الأرْضِ» متعلقٌ بالفسادِ، والمصدرُ المقترن ب «أل» يعمل المفاعيل الصريحة فكيف في الظروف؟ ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذُوفٍ عل أنه حالٌ من «الفَسادِ» . فصل المعنى: فهلاَّ «كان مِنَ القُرونِ» التي أهلكناهم، «مِن قَبْلكُمْ» أولُوا تمييز وقيل: أولُوا طاعة وقيل: أولُوا خير، يقال: فلانٌ على بقيَّةٍ من الخير إذا كان على خصلة محمودة. و «ينْهَوْنَ عن الفسادِ في الأرضِ» أي: يقُومُون بالنَّهْي عن الفسادِ، ومعناه جحداً، أي: لم يكن فيهم أولُو بقية. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعاً؛ وذلك أن يحمل التخضيض على حقيقته، وإذا حُمل على حقيقته تعين أن يكون الاستثناءُ منقطعاً لئلاَّ يفسد المعنى. قال الزمخشريُّ: معناه: ولكن قليلاً ممَّن أنْجينَا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهُم تاركون النَّهي ثم قال: فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجهٌ يحملُ عليه؟ قلتُ: إن جعلتهُ متَّصلاً على ما هو عليه ظاهرُ الكلام كان المعنى فاسِداً؛ لأنَّهُ يكون تحضيضاً لأولي البقية على النَّهي عن الفساد إلاَّ للقليل من النَّاجين منهم، كما تقولُ: هلا قرأ قومك القرآن إلاَّ الصلحاء منهم، تريدُ استثناء الصُّلحاء من المحضَّضينَ على قراءة القرآن. فيَئُول الكلام إلى أنَّ الناجين لم يحضُّوا على النَّهْي عن الفاسد، وهو معنَّى فاسدٌ. والثاني: أن يكون متًّصِلاً، وذلك بأن يؤوَّل التحضيض على قراءة القرآن بمعنى النَّفي، فيصحَّ ذلك؛ إلاَّ أنَّهُ يُؤدِّي إلى النصب غير الموجب، وإن كان غير النصب أولى. قال الزمخشري: فإن قلت: في تحضيضهم على النَّهي عن الفاسد معنى نفيه عنهم، فكأنَّهُ قيل: ما كان من القُرُونِ أولُوا بقية إلاَّ قليلاً كان استثناءً متصلاً ومعنى صحيحاً، وكان انتصابهُ على أصل الاستثناء، وإن كان الأفصحُ أن يرفع على البلد. ويؤيد أنَّ التحضيض هنا في معنى النَّفْي قراءةُ زيد من عليّ «إلاَّ قليلٌ» بالرفع، لاحظ معنى النَّفي فأبدل على الأفصحِ، كقوله: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] . وقال الفراء: المعنى: فلمْ يكن؛ لأنَّ في الاستفهام ضَرْباً من الجَحْدِ سمَّى التَّحضيض استفهاماً. ونُقل عن الأخفش أنه كان يرى تعيُّن اتصال هذا الاستثناء كأنَّهُ لحظَ النَّفْيَ و «مِنْ» في: «مِمَّنْ أنْجَيْنَا» للتبعيض. ومنع الزمخشريُّ أن تكون للتعيضي بل للبيانِ فقال: حقُّها أن تكون للبيانِ لا للتبعيض؛ لأنَّ النَّجاة إنَّما هي للنَّاهينَ وحدهم، بدليل قوله: ﴿أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السواء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] . فعلى الأول يتعلق بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل «: قَلِيلاً» . وعلى الثاني: يتعلق بمحذوف على سبيل البيان، أي: أعني. قوله: ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ﴾ هذا السببُ الثاني في نزولِ عذاب الاستئصال. قرأ العامَّةُ: «اتَّبَعَ» بهمزة وصلٍ وتاءِ مشددةٍ، وياءٍ، مفتوحتين، فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ معطوفٌ على مضمرٍ. والثاني: أنَّ الواو للحالِ لا للعطفِ، ويتَّضحُ ذلك بقول الزمخشري فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿واتبع الذين ظَلَمُواْ﴾ ؟ قلت: إن كان معناه: واتَّبعُوا الشَّّهواتِ كان معطوفاً على مضمرٍ؛ لأنَّ المعنى: إلاَّ قليلاً ممَّنْ أنجينا منهم نُهُا عن الفسادِ، واتَّبع الذين ظلمُوا شهواتهم، فهو عطفٌ على «نُهُوا» وإنْ كان معناه: واتَّبعُوا جزاءَ الإترافِ، فالواو للحال، كأنَّه قيل: أنْجَيْنَا القليل، وقد اتتبع الذين ظلموا جزاءهم. فجوز في قوله: «مَا أتْرِفُوا» وجهين: أحدهما: أنَّه مفعول من غير حذف مضافِ، و «مَا» واقعة على الشَّوات وما بطرُوا بسببه من النِّعم. والثاني: أنَّهُ على حذف مضاف، أي: جزاء ما أتْرِفُوا، ورتَّب على هذين الوجهين القول في «واتَّبَع» . والإتْراف: إفعالٌ من التَّرف وهو النِّعمة، يقال: صبيُّ مترفٌ، أي: مُنْعَم البدن، وأتْرِفُوا نَعِمُوا وقيل: التَّرفُّهُ: التوسُّع في النِّعمةِ. وقال مقاتلٌ: «أتْرِفُوا» خُوَّلُوا. وقال الفراء: عُوِّدُوا، أي: واتَّبع الذين ظلمُوا ما عُوِّدُوا من النَّعيم، وإيثار اللذات على الآخرة. وقرأ أبو عمرو في رواية الجعفي، وأبو جعفر «وأتْبعَ» بضم همزة القطع وسكون التَّاءِ وكسر الباء مبنيَّا للمعفول، ولا بدَّ حينئذِ من حذف مضاف، أي: أتبعُوا جزاء ما أترفُوا فيه. و «ما» يجوز أن تكون معنى «الذي، وهو الظَّاهرُ لعودِ الضمير في» فيه «عليه، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: جزاء إترافهم. قوله» وكانُوا مُجْرمينَ «كافرين وفيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن تكون عطفاً على» أْرِفُوا «إذا جعلنا» ما «مصدرية، أي: اتَّبعوا إترافهم وكونهم مجرمين. والثاني: أنه عطفٌ على» اتَّبَعَ» ، أي: اتَّبَعُوا شهواتهم وكانوا مجرمين بذلك، لأنَّ تابعَ الشَّواتِ مغمورٌ بالآثامِ. الثالث: أن يكون اعتراضاً وحكماً عليهم بأنَّهُم قومٌ مجرمون ذكر ذلك الزمخشريُّ. قال أبو حيَّان: «ولا يُسَمَّى هذا اعتراضاً في اصطلاح النَّحْو؛ لأنه آخرُ آيةٍ، فليس بين شيئين يحتاج أحدهما إلى الآخر» . قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ﴾ الآية. في «لِيُهْلِكَ» الوجهان المشهوران، وهما: زيادة اللام في خبر: «كان» دلالةً على التَّأكيد - كما هو رأي الكوفيين - أو كونها متعلقة بخبر» كان «المحذوف، وهو مذهبُ البصريي، و» بِظُلْمِ «متعلق ب» يُهْلِكَ «والباءُ سببيةٌ، وجوَّز الزمخشريُّ أن تكون حالاً من فاعل» لِيُهْلِكَ «، وقوله» وأهْلُهَا مُصْلِحُون «جملة حالية. فصل قيل: المرادُ بالظلم هنا: الشرك، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] والمعنى: أنه تعالى لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، ولهذا قال الفقهاءُ: إنَّ حقوق الله مبناها على المسامحِة، وحقوق العباد بمناها على التَّضييقِ ولاشح، ويقالُ: إنَّ الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظُّلم، ويدلُّ على هذا التأويل أنَّ قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب إنَّما نزل بهم عذابُ الاستئصال، لما حكى الله تعالى عنهم من إياءِ النَّاس وظلم الخلق وهذا تأويل أهل السنة وقالت المعتزلة: إنَّهُ تعالى لو أهلكهم حال كونهم مصلحين لكان ظلماً، ولمَّا كان متعالياً عن الظلم، لا جرم أنَّهُ إما يهلكهم لأجل سُوء أفعالهم. وقيل: معنى الآية: أنَّهُ لا يُهلكُهُمْ بظلم منه، وهم مُصْلِحثونَ في أعملاهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السَّيئات، وهذا بمعنى قول المعتزلة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ كلهم على دين واحدٍ، ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ على أديان شتَّى، من يهوديِّ، ونصرانيِّ، ومجوسيِّ، ومشركِ، ومسلم، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: ﴿إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ ظاهرهُ أنه متَّصلٌ، وهو استثناءٌ من فاعل «يَزالُون» ، أو من الضَّمير في «مُختلفينَ» وجوَّز الحوفي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن من رحمَ، لم يختلفُوا، ولا ضرورة تدعُوا على ذلك. قوله: «ولذلِكَ» في المشار إليه أقوال كثيرة. أظهرها: أنَّهُ الاختلافُ المدلولُ عليه ب «مُخْتلفينَ» ؛ كقوله: [الوافر] . 3041 - إذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إلَيْهِ ... وخَالفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ رجع الضَّمير في «إليه» على السَّفة» ، ولا بدَّ من حذف مضافٍ على هذا، أي: ولثمرة الاختلاف خلقهم، واللام في الحقيقةِ للصَّيروةِ، أي: خلقهم ليصير أمرهم إلى الاختلاف. وقيل: المرادُ به الرحمة المدلول عليها بقوله: «رَحِمَ» وإنَّما ذكرَّ ذهاباً بها إلى الخير وقيل: المرادُ به المجموعُ منهما، وإليه نحا ابنُ عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] وقيل: إشارةٌ إلى ما بعده من قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، وهو قولٌ مرجوحٌ؛ لأنَّ الأصل عدمُ ذلك. فصل قال الحسنُ وعطاء: وللاختلاف خلقهم قال أشهب: سألتُ مالكاً رَحِمَهُ اللَّهُ - عن هذه الاية فقال: خلقهم ليكون فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السَّعير. قال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقاً لرحمته، وفريقاُ لعذابه، ويُؤيده قوله تعالى: «وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين» . وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خلق الله الجنَّة وخلق لها أهلاً، وخلق النَّار وخلق لها أهلاً» . وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - ومجاهدٌ، وقتادة، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: وللرَّحمةِ خلقهم، يعني الذين رحمه وقال الفراء: خلق أهل الرَّحْمةِ، وأهل الاختلاف للاختلاف ومحصول الآية أنَّ أهل الباطلِ مختلفُون، وأهل الحقِّ متَّفقُون، فخلق أهل الحق للاتفقا، وأهل الباطل للاختلاف. وذهبت المعتزلةُ إلى قولِ ابن عبَّاسٍ، وهو أنَّهُ خلقهم للرَّحمةِ، قالوا: ولا يجوز أن يقال: وللاختلاف خلقهم لوجوه: الأول: أنَّ عود الضَّمير إلى أقرب المذكورين ألوى من عوده إلى أبعدهما: والثاني: لو خلقهم للاختلاف وأراد منهم ذلك لام يجز أن يعذبهم عليه، إذا كانوا مطيعين له بذلك الاختلاف. الثالث: أنَّا إذ فسرنا الآية بالرحمةِ مطابقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . فإن قيل: لو كان المراد، وللرَّحمة خلقهم لقال: ولتك خلقهم، ولم يقل: وللك خلقهم قلنا: إن تأنيث الرَّحمةِ لي حقيقيًّا، فكان محمولاً على الفضل والغفرانِ، كقوله: ﴿هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ [الكهف: 98] وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: 56] . فصل احتج من قال بأنَّ الهداية والإيمان لا يحصل إلاَّبخلقِ الله تعالى بهذه الآية، وذلك لأنَّها تدلُ على أنَّ زوال الاختلاف في الدِّين لا يحصلُ إلاَّ لمنْ خصَّهُ الله برحمته، وتلك الرحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة والعقل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإزاحة العذر، فإن كُلَّ ذلك حاصل للكفار، فلم يبق إلاَّ أن يقال: تلك الرحمة هو أنَّ الله - تعالى - يخلق فيه تلك الهداية والمعرفة. قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ قال القاضي معناه: إلا من رحم ربُّك بأن يصير من أهل الجنة، والثواب في رَحِمَهُ اللَّهُ بألطافه وتسهيله، وهذان الجوابان في غاية الضعف. أمَّا الأولُ فلأنَّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ بأن يصير من أهل الجنة، يفيدُ أنَّ ذلك الاختلاف إنما زال بسبب هذه الرحمة؛ فوجب ان تكون هذه الرَّحمة جارية مجرة السَّّبب المتقدم على زوال هذا الاختلاف، والثَّواب شيء متأخر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جارٍ مجرى السبب له فحملُ هذه الرَّحمة على الثَّواب لا يجوزُ. وأمَّا الثاني - وهو حملُ هذه الرَّحمة على الألطافِ التي فعلا في حقِّ المؤمن - فهي مفعولة أيضاً في حقِّ الكافر، وهذه الرحمة أمر اختص به المؤمن؛ فوجب أن يكون شيئاً زائداً عل تلك الألطاف، وأيضاً فحصول الألطاف هل يوجبُ رجحان وجود الإيمان على عدمه أم لا يوجبه؟ فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف وعدمها، بالنسبة غلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يكُ لطفاً منه، وإذا وجب تلك الألطاف وعدمها، بالنسبة إلى حصول هذا المقصود سيان، فلم يكُ لطفاً منه، وإذا وجب الرُّجحان فقد ثبت في العقليات أنه متى حصل الرجحان، فقد وجب حينئذٍ أن يكون حصول الإيمان من الله، وما يدل على أنَّ حصول الإيمان لا يكون إلاَّ بخلق الله تعالى؛ لأنَّهُ ما لم يتميز الإيمان عن الكفر، والعمل عن الجهلِ امتنع القصد إلى تكوين الإيمان والعلم، وهذا الامتياز إنما يحصلُ إذا علم كون احد هذين الاعتقادين مطابقاً للمعتقد، وكون الآخر ليس كذلك، وإنَّما يصح هذا العلم إذاعرف ذلك المعتقد كيف يكون، وهذا يوجب أنَّهُ لا يصح من العبدِ القصد إلى تكوين العلم بالشيء إلا بعد أن كان عالماً، وذلك يقتضي تكوين الكائن وتحصيل الحاصل وهو محالٌ، فثبت أنَّ زوال الاختلاف في الدِّين، وحصولِ العلم والهداية لا يحصل إلاَّ بخلق الله تعالى. ثم قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وتم حكم ربك ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ فقوله: «أجْمَعِينَ» تأكيد، والأكثر أن يسبق ب «كُل» وقد جاء هنا دونها. والجنَّةُ والجِنُّ: قيل: واحد، والتاء فيه للمبالغة. وقيل: الجنَّةُ جمع جِنّ، وهو غريبٌ، فيكون مثل «كَمْءِ» للجمع، و «كَمْأة» للواحد. قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ﴾ الآية. لمَّا ذكر القصص الكثيرة في هذه السورة، ذكر في هذه الآية نوعين من الفائدة. أحدهما: تثبيت الفؤاد على أداء الرِّسالة، وعلى الصَّبر واحتمال الأذى؛ وذلك لأنَّ الإنسان إذا ابتلي بمحنة وبلية، فإذا رأى له فيه مشاركاً خف ذلك على قلبه؛ كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت، فإذا سمع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذه القصص، وعلم أنَّ حال جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - مع أتباعهم هكذا، سهل عليه تحمل الأذى من قومه، وأمكنه الصبر عليه. والفائدة الثانية: قوله ﴿وَجَآءَكَ فِي هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَّقُصُّ﴾ في نصبه أوجه: أحدها: أنه مفعولٌ به، والمضاف إليه محذوفٌ، عوض منه التنوين، تقديره: وكلُّ نبأ نقصُّ عليك. و «مِنْ أنباءِ» بيانٌ له أو صفةٌ إذا قُدِّر المضاف إليه نكرة. وقوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من: «كُلاًّ» وأن يكون خبر مبتدأ مضمر: أي: هو ما نُثَبِّتُ، أو منصوبٌ بإضمار أعني. الثاني: أنه منصوبٌ على المصدر، أي: كلَّ اقتصاصٍ نقصُّ، و «مِنْ أنباءِ» صفةٌ: أو بيان، و «ما نُثَبتُ» هو مفعول «نَقُصُّ» . الثالث: كما تقدم، إلاَّ أنه يجعل «ما» صلة، والتقدير: وكلاًّ نقصُّ من أبناءِ الرُّسُل نُيَبِّتُبه فؤادك، كذا أعربه أبو حيان وقلا: كَهِي في قوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3] . الرابع: أن يكون «كُلاًّ» منصوباً على الحال من «ما نُثَبِّتُ» وهي في معنى: «جَمِيعاً» وقيل: بل هي حال من الضمير في «بِهِ» وقيل: بل هي حالٌ من «أنْبَاء» وهذان الوجهان إنما يجوزان عند الأخفش، فإنَّهُ يجيزُ تقديم حال المجرورِ بالحف عليه؛ كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطويَّاتٍ» وقول الآخر: [الكامل] 3042 - رَهْطُ ابْنِ كُوزِ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ... فِيهِمْ ورهْطُ رَبِيعةَ بْنِ حُذَارِ والمعنى: وكل الذي تحتاجُ إليه من أبناء الرسل، أي: من أخبارهم، وأخبار الأمم نقصها عليك؛ لنثبت به فؤادك؛ لنزيدك يقيناً، ونقوي قلبك، وذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصَّبْرِ لأذى قومه. ﴿وَجَآءَكَ فِي هذه الحق﴾ قال الحسنُ وقتادةُ: في هذه الدنيا وقال الأكثرون: في هذه السورة خص هذه السورة تشريفاً، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور. وقيل: في هذه الآية. والمراد به «الحق» البراهين الدَّالة على التَّوحيدِ والعدلِ والنبوة، «مَوْعظةٌ» أي: وجاءتك موعظة «وذكْرى للمُؤمنينَ» والمرادُ ب «الذكرى» الأعمال الباقية الصالحة في الدَّار الآخرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.