الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بالبشرى﴾ القصة. قال النحويون: دخلت كلمة «قَدْ» ها هنا لأنَّ السَّامع لقصص الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يتوقع قصة بعد قصة، و «قَدْ» للتوقع، ودخلت اللاَّم في «لَقَدْ» تأكيداً للخبر. فصل لفظ «رُسُلُنَا» جمع وأقله ثلاثة، فهذا يدلُّ على أنهم كانوا ثلاثة، والزَّائِدُ على هذا العددِ لا يثبتُ إلاَّ بدليل آخر، وأجمعُوا على أنَّ الأصلَ فيهم كان جبريلُ - عليه السَّلامُ -. قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «كانوا ثلاثة جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وهم المذكورون في الذَّاريات ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الذاريات: 24] وفي الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر: 51] . وقال الضحَّاكُ:» كانوا تسعة «. وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -» كان جبريل ومعه سبعة «وقال السُّديُّ:» أحد عشر ملكاً» وقال مقاتل: «كانوا اثني عشر ملكاً على صور الغلمان الوضاء وجوههم» . » بالبشرى «بالبشارة بإسحاق ويعقوب وقيل: بسلامة لوطٍ، وأهلاك قومه. قوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ : في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّه مفعولٌ به، ثم هو محتملٌ لأمرينِ: أحدهما: أن يراد قالوا هذه اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنَّه يتضمَّن معنى الكلام. الثاني: أنَّهُ أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدَّم نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] . وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوفٍ، وذلك الفعلُ في محلِّ نصب بالقول، تقديره: قالوا: سَلَّمْنَا سلاماً، وهو من باب من ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجب الإضمار. قوله:» سَلاَمٌ» في رفعه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي: أمْرِي أو قَوْلِي سلام. وقد تقدَّم أنَّ الرفع أدلُّ على الثُّبوتِ من النَّصْبِ [الفاتحة: 2] ، والجملة بأسرها - وإن كان أحد جزأيها محذوفاً - في محلِّ نصب بالقول؛ كقوله: [الطويل] 2985 - إذَا ذَقْتُ فَاهَا قُلْتُ: طَعْمُ مُدَامَةٍ..... ... ... ... ... ... ... . وقرأ الاخوان: «قَالَ سِلْم» هنا وفي سورة الذَّاريات بكسر السين وسكون اللاَّم. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف، قال الفرَّاءُ: «هُما لغتان كحِرْم وحَرَامٍ وحِلٍّ وحلالٍ» ؛ وأنشد [الطويل] 2986 - مَرَرْنَا فَقُلْنَا: إيهِ سِلْمٌ فَسلَّمْتْ ... كَمَا اكْتَلَّ بالبَرْقِ الغَمَامُ اللَّوَائِحُ يريد: سلامٌ؛ بدليل: فسلَّمَتْ. وقال الفارسي: «السِّلْم» بالكسر ضد الحربِ، وناسبَ ذلك لأنَّهم لمَّا امتنعوا من تناول ما قدَّمهُ إليهم، أنكرهم، وأوجس منهم خيفة، فقال: أنا سِلْم، أي: مُسَالمكم غيرُ محارب لكم، فلم تمتنعوا من تناول طعامي؟ قال ابنُ الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ على هذا التقدير ينبغي أن يكون تكلُّم إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بهذا اللفظ بعد إحضار الطَّعام، والقرآن يدل على أنَّ هذا الكلام قبل إحضار الطَّعام؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ والفاءُ للتَّعقيب، فدلَّ على أنَّ مجيئَهُ بالعجل الحنيذِ بعد السَّلام. فصل أكثر ما يستعمل «سلامٌ عليكم» منكّراً؛ لأنَّهُ في معنى الدُّعاءِ كقولهم: خير بين يديك. فإن قيل: كيف جاز الابتداء بالنَّكرةِ؟ . فالجوابُ: إذا وصفت جاز، فإذا قلت: «سلامٌ عليكم» فالتَّنكير هُنا يدلُّ على الكمال والتَّمام، فكأنه سلام كامل تام عليك، ونظيره قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: 47] وقوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] وقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23، 24] . وأما قوله: ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ [طه: 47] فالمراد منه الماهية والحقيقة. قال ابنُ الخطيب: قوله: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ» أكملُ من قوله: «السَّلامُ عليْكُم» ؛ لأنَّ التَّنْكيرَ يُفيدُ المبالغة والتَّمام، والتعريف لا يفيدُ إلاَّ الماهية. قوله: «فَمَا لَبِثَ» يجُوزُ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّها نافيةٌ، وفي فاعل «لَبِثَ» حينئذٍ وجهان: أحدهما: أنَّه ضميرُ إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أي: فَمَا لَبِثَ إبراهيم، وإن جاء على إسقاطِ الخافض، فقدَّرُوه بالباء وب «عَنْ» وب «في» ، أي: فمَا تأخَّر في أنْ، أو بأن، أو عن أن. والثاني: أنَّ الفاعل قوله: «انْ جَاءَ» ، والتقدير: فَما لبثَ، أي: ما أبْطَأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين. وثاني الأوجه: أنَّها مصدريةٌ. وثالثها: أنَّها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء خبرهُ على حذفِ مضاف تقديره: فلُبْثُه - أو الذي لبثه - قَدْرَ مجيئه. قال القرطبيُّ: قوله: «أنْ جَاءَ» معناه: حتَّى جَاءَ. والحَنِيذُ: المَشْوِيُّ بالرَّضْفِ في أخدود كفعل أهل البادية يشوون في حفرةٍ من الأرض بالحجارة المُحَمَّاة، يقال: حَنَذْتُ الشَّاة أحْنِذُهَا حَنْذاً فهي حَنِيذ، أي: مَحْنُوذة. وقيل: حَنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم: حَنَذْتُ الفرس، أي: سُقْتُه شَوْطاً أو شَوْطَيْن وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليعرق. ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العِجْلِ. وقال الفرَّاءُ: إلى الطَّعامِ وهو العجل. قوله: «نَكِرَهُمْ» أي: أنكرهم، فهما بمعنى واحد؛ وأنشدوا: [البسيط] 2987 - وأنكَرَتْنِي ومَا كَانَ الذي نَكِرَتْ ... مِنَ الحَوادثِ إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا وفرَّق بعضهم بينهما فقال: الثلاثي فيما يُرَى بالبصرِ، والرباعي فيما لا يُرَى من المعاني، وجعل البيت من ذلك، فإنَّها أنكرتْ مودَّتهُ وهي من المعاني التي لا تُرَى، ونكِرَتْ شَيْبَتَهُ وصلعهُ، وهما يُبْصرانِ؛ ومنه قول أبي ذؤيبٍ: [الكامل] 2988 - فَنَكِرْتَهُ فَنَفَرْتُ وامْتَرَسَتْ بِهِ ... هَوْجَاءُ هَادِيَةٌ وهَادٍ جُرْشَعُ والإيجاس: حديث النَّفس، وأصله من الدُّخُول كأنَّ الخوف داخلهُ. وقال الأخفش: «خَامَر قلبه» . وقال الفرَّاء: «اسْتَشْعَرَ وأحسَّ» . والوَجَسُ: ما يَعْتَرِي النفس أوائل الفزع، ووجس في نفسه كذا أي: خطر بها، يَجِسُ وَجْساً ووُجُوساً ووَجِيساً، ويَوْجَسُ ويَجِسُ بمعنى يسمعُ؛ وأنشدوا على ذلك وقله: [الطويل] 2989 - وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوجُّسِ للسُّرَى ... لِلَمْحِ خَفِيٍّ أو لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ و «خفية» مفعول به أي: أحس خيفة أو أضمر خيفة. فصل اعلم أنَّ الأضياف إنَّما امتنعوا عن الطَّعام؛ لأنهم ملائكةٌ، والملائكةُ لا يأكلون، ولا يشربون، وإنَّما أتوهُ في صورة الأضياف، ليَكونوا على صفة يحبها؛ لأنه كان يحب الضيافة، وأمَّا إبراهيم، فإما أن يقال: إنه ما كان يعلم أنهم ملائكة بل كان يعتقدُ أنهم من البشر، أو يقال: إنَّه كان عالماً بأنهم ملائكة، فعلى الأول فسببُ خوفه أمران: أحدهما: أنَّهُ كان ينزل في طرف من الأرض بعيداً عن النَّاس، فلما امتنعوا عن الأكل، خاف أن يريدوا به مكروهاً. والثاني: أنَّ من لا يعرفه إذا حَضَر، وقدَّم إليه طعاماً، فإن أكل حصل الأمن، وإن لم يأكل، حصل الخوفُ. وإن كان عارفاً بأنَّهم ملائكة، فسبب خوفه أمران: أحدهما: أنه خاف أن يكون نزولهم لأمر أنكره الله تعالى عليه. والثاني: أنه خاف أن يكون نزولهم لتعذيب قومه. والأول أقرب؛ لأنَّهُ سارع إلى إحضار الطعام، ولو عرف كونهم من الملائكة لما فعل ذلك، ولما استدلَّ بترك الأكل على حصول الشَّرِّ، وأيضاً: فإنَّهُ رآهم في صورة البشر، قالوا: لا تخف يا إبراهيم، إنَّا ملائكة الله، أرسلنا إلى قوم لوط. فصل في هذه القصَّة دليل على تعجيل قرى الضيف، وعلى تقديم ما يتيسَّر من الموجود في الحال، ثم يُتبِعُهُ بغيره، إن كان له جدةٌ، ولا يتكلَّف ما يَضُرُّ به، والضيافة من مكارم الأخلاق، وإبراهيم أوَّل من أضاف، وليست الضيافةُ بواجبة عند عامة أهل العلم؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . وإكرام الجار ليس بواجب، فكذلك الضَيْفُ، وفي الضيافة الواجبة يقولُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ.» وقال ابن العربيِّ: وقد قال قَوْمٌ: إنَّ الضيافة كانَتْ واجبةً في صدْر الإسلام، ثم نُسِخَتْ. فصل اختلفوا في المخاطب بالضِّيافة، فذهب الشافعيُّ، ومحمد بنُ عبد الحكم إلى أنَّ المخاطب بها أهل الحضر والبادية. وقال مالكٌ: ليس على أهل الحضر ضيافة. قال سُحْنُون: إنَّما الضِّيافةُ على أهْلِ القُرى، وأمَّا أهل الحضر، فالفُنْدُق ينزل فيه المسافرُ؛ لما روى ابنُ عمر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الضِّيافةُ عَلَى أهْلِ الوَبَرِ، ولَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ المَدَرِ» . قال القرطبيُّ: «قال أبوعمر بن عبد البرِّ: وهذا حديثٌ لا يصحُّ» قال ابنُ العربي: «الضيافة حقيقة فرض على الكفاية» . فصل ومن أدب الضيافة أن يبادرَ المضيف بالأكل؛ لأنَّ كرامةَ الضَّيْفِ التعجيل بتقديم الضِّيافة، كما فعل إبراهيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولما قبضوا أيديهم نكرهم إبراهيم فإذا أكل المضيف، طاب نفس الضَّيف للأكل. قوله: ﴿وامرأته قَآئِمَةٌ﴾ في محلِّ نصب على الحالِ من مرفوع: «أرْسِلْنَا» . وقال أبو البقاءِ: من ضمير الفاعل في «أرْسِلْنَا» . وهي عبارةٌ غيرُ مشهورة، إذ مفعول مَا لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ لا يطلقُ عليه فاعلٌ على المَشْهُورِ، وعلى الجملةِ فجعلها حالاً غير واضح بل هي استئناف إخبار، ويجوزُ جعلها حالاً من فاعل «قالُوا» أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته، وهي ابنة عم إبراهيم. وقوله: «وَهِي قَائمةٌ» أي تخدمُ الأضياف؛ وإبراهيم جالس معهم، يؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود: «وامرأته قائمةٌ وهو قاعِدٌ» . قوله: «فَضَحِكَتْ» العامَّةُ على كسر الحاء وقرأ محمد بن زياد الأعرابي - رجل من مكة - بفتحها وهي لغتان، يقال: ضَحِكَ وضَحَكَ، وقال المهدويُّ: «الفتح غير معروف» ، والجمهورُ على أنَّ الضَّحكَ على بابِهِ. واختلف المفسِّرون في سببه فقال القاضي: إنَّ إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لما خاف قالت الملائكة ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فعظم سرورها بسبب سرورهِ، وفي مثل هذه الحالة قد يضحك الإنسان، فكان ضحكها بسبب قول الملائكة لإبراهيم «لا تَخَفْ» فكان كالبشارة فقيل لها: نجعل هذه البشارة أيضاً بحصول الولد الذي كنتم تطلبونه من أوَّلِ العُمر إلى هذا الزَّمان، وقيل: لمَّا كانت عظيمة الإنكار على قوم لوط لكفرهم وعملهم الخبيث، فلما أخبروا أنهم جاءوا لإهلاكهم، لحقها السُّرور، فضحكت. وقيل: بشَّرُوها بحصول مطلق الولد فضَحِكَتْ إمَّا تعَجُّباً فإنَّهُ يقالُ: إنَّها كانت في ذلك الوقت بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ابن مائة سنة، وإمَّا على سبيل السُّرور، ثم لمَّا ضحكت بشَّرها الله - تعالى - بأنَّ ذلك الولد هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. وقيل: إنَّها ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر حال ما كان معه حشمه وخدمه. وقيل: هذا على التقديم والتأخير تقديره: وامرأته قائمة فبشَّرناها بإسحاق، فضحكت سروراً بتلك البشارة، فقدَّم الضَّحكَ، ومعناه التَّأخير، يقالُ ضحكت الأرنب، بمعنى: حَاضَتْ. وقال مجاهدٌ وعكرمة: «ضَحِكَتْ» بمعنى: حَاضَتْ. وأنكره أبو عبيدة، وأبو عبيد، والفرَّاء. قال ابنُ الأنباري: «هذه اللُّغة إن لم يَعْرِفها هؤلاء فقد عرفها غيرهم، حكى اللُّيثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في هذه الآية» فَضَحِكَتْ «طمثت، وحكى الأزهريُّ - عن بعضهم - أنَّ أصلهُ: من ضحاك الطَّلعةِ، يقال: ضَحِكَت الطلعة إذا انشقت، وأنشدوا: [المتقارب] 2990 - وضِحْكُ الأرَانبِ فَوْقَ الصَّفَا ... كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقَا وقال آخر: [الطويل] 2991 - وعَهْدِي بِسَلْمَى ضَاحِكاً في لُبانةٍ ... ولَمْ يَعْدُ حقّاً ثَدْيُهَا أن تُحَلَّمَا أي: حَائِضاً. وضَحِكت الكافُورَةُ: تَشَقَّقَتْ. وضَحِكَت الشَّجَرةُ: سَالَ صَمْغُهَا، وضَحِكَ الحَوْضُ: امتلأ وفاض وظاهرُ كلام أبي البقاءِ أن» ضَحَكَ» بالفتح مختصٌّ بالحيْضِ فإنَّه قال: «بِمَعْنَى حَاضَتْ يقال: ضَحَكَت الأرنب بفتح الحَاء» . قوله: ﴿وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قرأ ابنُ عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولى فاختلفوا فيها، هل الفتحةُ علامةُ نصبٍ أو علامة جرٍّ؟ والقائلون بأنَّها علامةُ نصب اختلفوا، فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله: «إسْحَاق» . قال الزمخشريُّ: كأنَّهُ قيل: وَوَهَبْنَا لهُ إسحاقَ، ومنْ وراءِ إسْحَاق يعقوب على طريقة قوله: [الطويل] 2992 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرَةً ... ولا نَاعبٍ ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . يعنى أنَّهُ عطف على التَّوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر «ليس» فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وَوَهَبْنَا يعقوب وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة ورجَّحه الفارسي. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محلِّ «بإسحاقَ» ؛ لأنَّ موضعهُ نصب كقوله: «وَأَرْجُلَكُمْ» بالنصب عطفاً على ﴿بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] . والفرقُ بين هذا والوجه الأول: أنَّ الأول ضمَّن الفعل معنى: «وَهَبْنَا» توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم. ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على «بإسحاقَ» والمعنى: أنَّها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثٌ: وهو الفَضْلُ بالظَّرْفِ بين حرف العطف، والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النِّساءِ. ونسب مكي الخفض للكسائي ثم قال: «وهو ضعيفٌ إلاَّ بإعادة الخافض؛ لأنَّك فصلت بين الجار والمجرور بالظَّرف» . قوله: «بإعادة الخافض» ليس ذلك لازماً، إذ لو قدِّم ولم يفصلْ لم يلتَزِم الإتيان به. وأمَّا قراءةُ الرَّفْع ففيها أوجه: أحدها: أنَّه مبتدأ وخبره الظَّرف السَّابق فقدره الزمخشريُّ «موجود أو مولود» وقدَّره غيره ب: كائن ولمَّا حكى النَّحاسُ هذا قال: «الجملة حالٌ داخلةٌ في البشارة أيك فبشَّرناها بإسحاق مُتَّصلاً به يعقُوبُ» . والثاني: أنَّه مرفوعٌ على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء على رأي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمارِ فعلٍ أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مدخل له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القَطْع يَعْنُونَ الاستئناف، وهو راجعٌ لأحَدِ ما تقدَّم من كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعدهُ، أو بفعل مقدر. وفي لفظ «وَرَاء» قولان: أظهرهما: وهو قولُ الأكثرين أنَّ معناه «بَعْد» أي: بعد إسحاق يعقوب ولا مدخل له في البشارة. والثاني: أنَّ الوراء: ولد الولد. فصل ذكر المفسِّرون أنَّ «إسحاق» ولدَ ولأبيه مائة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشرة سنة وكان عمر أمه سارة حين بُشِّرَتْ به تسعين سنة. وذكر أهلُ الكتاب أنَّ إسحاق لمَّا تزوج ربقة بنت شاويل في حياة أبيه كان عمره أربعين سنة، وأنَّها كانت عَاقِراً فدعا الله لها فحملتْ فولدت غلامين تَوْءَمَيْنِ؛ أولهما سمَّوهُ عيصو، وتسمية العرب «العِيصَ» وهو والدُ الرُّوم الثانية، والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسمَّوهُ يعقوب، وهو إسرائيل الذي ينسبُ إليه بنو إسرائيل. قوله: ﴿قَالَتْ ياويلتا﴾ الظَّاهرُ كون الألف بدلاً من ياء المتكلم ولذلك أمالها أبو عمرو وعاصم في روايةٍ، وبها قرأ الحسن «يَا وَيْلَتِي» بصريح الياء. وقيل: هي ألف الندبة، ويوقفُ عليها بهاء السَّكْتِ. وكذلك الألف في «يَا وَيْلَتَا» و «يَا عَجَبَا» . قال القفال - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أصلُ الوَيْل هو الخِزْيُ، ويقال: وَيلٌ لفلان، أي الخزي والهلاك. [قال سيبويه: «وَيْح» زجر لمنْ أشرف على الهلاكِ، و «وَيْل» ] لمن وقع فيه. قال الخليلُ: ولَمْ أسْمَعْ على مثاله إلاَّ «وَيْح» ، و «وَيْد» ، و «وَيْه» ، وهذه كلمات متقاربة في المعنى. قوله: «أَأَلِدُ» قرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عمر «آلد» بهمزة ومدة، والبقاون: بهمزتين بلا مدٍّ وقوله: ﴿وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ الجملتان في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعل «ألِدُ» أي: كيف تقعُ الولادة في هاتينِ الحالتين المنافيتين لها؟ . والجمهورُ على نصب «شَيْخاً» وفيه وجهان: المشهورُ أنَّهُ حالٌ، والعاملُ فيه: إمَّا التَّنْبيهُ وإما الإشارةُ. وإمَّا كلاهما. والثاني: أنه منصوبٌ على خبر التَّقريب عند الكوفيين، وهذه الحالُ لازمةٌ عند من لا يَجْهَل الخبر، وأمَّا من جهله فهي غير لازمة. وقرأ ابنُ مسعُود والأعمش وكذلك في مصحف ابن مسعود «شَيْخٌ» بالرَّفْع، وذكروا فيه أوجهاً: إمَّا خبرٌ بعد خبر، أو خبران في معنى خبر واحد نحو: هذا حلو حامض، أو خبر «هَذَا» و «بَعْلي» بيانٌ، أو بدلٌ، أو «شيخٌ» بدلٌ من «بَعْلي» ، أو «بَعْلِي» مبتدأ و «شَيْخٌ» خبره، والجملة خبر الأول، أو «شَيْخٌ» خبر مبتدأ مضمر أي: هو شيخٌ. والشَّيْخُ يقابله عجوزٌ، ويقال: شَيْخَة قليلاً؛ كقوله: [الطويل] 2993 - وتَضْحَكُ مِنِّ] شَيْخَةٌ عَبْشمِيَّةٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وله جموعٌ كثيرة، فالصَّريحُ منها: أشياخ وشُيُوخ وشِيخان، وشِيخَة عند من يرى أنَّ فعلة جمعٌ لا اسم جمع كغِلْمَة وفِتْيَة. ومن أسماءِ جمعه: مَشِيخَة وشِيَخَة ومَشْيُوخاً. وبَعْلُهَا: زوجها، سُمِّي بذلك لأنَّهُ قيِّمُ أمرها. قال الواحدي: وهذا من لَطِيفِ النَّحو وغامضه فإنَّ كلمة «هذا» للإشارة، فكان قوله ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ قائمٌ مقام أن يقال: أشير إلى بَعْلِي حال كونه شَيْخاً. والمقصُودُ: تعريف هذه الحالة المخصوصة وهي الشَّيْخُوخة. ثم قال: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ . فإن قيل: كيف تعجَّبَتْ من قُدْرَةِ الله - تعالى - والتَّعجُّبُ من قدرةِ الله يدلُّ على الجهْلِ بقُدْرةِ الله تعالى؛ وذلك يوجبُ الكُفْرَ؟ . فالجواب: أنَّها إنَّما تعجبت بحسب العُرْفِ والعادة لا بحسب القدرة، فإنَّ الرَّجُلَ المسلم لو أخبره رجلٌ آخرُ صادقٌ بأنَّ الله - تعالى - يقلبُ هذا الجبل إبْرِيزاً، فلا شكَّ أنه يتعجب نظراً إلى العادةِ لا استنكاراً للقدرةِ. ثم قالت الملائكةُ: ﴿قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله﴾ أي: لا تعجبي مِنْ أمْرِ الله، فإنَّ الله إذا أراد شيئاً كان. قوله: ﴿رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت﴾ أي: بيت إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - والمعنى: رحمةُ الله عليكم متكاثرة، وبركاته عندكم متواليةٌ متعاقبة، وهي النبوة، والمعجزات القاهرةُ، فإذا خرق الله العادةَ في تخصيصكُم بهذه الكراماتِ العاليةِ الرَّفيعةِ، فلا تعجبي من ذلك. وقيل: هذا على معنى الدُّعاءِ من الملائكة. وقيل: على معنى الخَيْرِ والرَّحْمَةِ والنعمة. و «البركاتُ» جمع البركة وهي ثبوت الخَيْرِ. فإن قيل: ما الحكمةُ في إفرادِ الرَّحمةِ وجمع البركات، وكذلك إفراد السَّلام في التشهد وجمع البركات؟ . فالجواب: قد تقدَّم في سورة البقرة عند قوله: ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 157] . وقال ابن القيِّم - هنا - إنَّ السلام إمَّا مصدرٌ محضٌ، فهو شيءٌ واحدٌ، فلا معنى لجَمْعِهِ، وإمَّا اسمٌ من أسماء الله - تعالى - فيستحيل أيضاً جمعه، وعلى التقديرين لا سبيل لجمعه. وأمَّا الرَّحمةُ فمصدرٌ كما تقدَّم، وأمَّا البركةُ: فإنها لمَّا كانت تتجدَّدُ شيئاً بعد شيءٍ كان لفظ الجمع أولى بها؛ لدلالتها على المعنى المقصود بها، ولهذا جاءت في القرآن كهذه الآية، وكذلك السَّلام في التشهُّدِ، وهو قوله: السَّلام عليكم أيُّها النبيُّ ورحمة الله وبركاته. وقوله: «عَلَيْكُم» حكى سيبويه «عَلَيْكم» بكسر الكافِ لمجاورتها الياء نقله القرطبي وفيه دليل على أنَّ الأزواجَ من أهلِ البيتِ. قوله: «أهْلَ البيتِ» في نصبه وجهان: أحدهما: أنه مُنَادَى. والثاني: أنه منصوبٌ على المدح. وقيل: على الاختصاص، وبين النَّصبين فرقٌ: وهو أنَّ المنصوب على المدح لفظٌ والمنصوبُ على الاختصاصِ لا يكونُ إلا لمدحٍ، أو ذمٍّ، لكن لفظه لا يتضمَّنُ بوضعه المدحَ، ولا الذَّم؛ كقوله: [الرجز] 2994 - بِنَا تَمِيماً يُكْشَفُ الضَّبَابُ ... كذا قاله أبو حيَّان، واستند إلى أنَّ سيبويه جعلهما في بابين، وفيه نظرٌ. ثم قال: إنه حميدٌ مجيدٌ، فالحميد: المحمود، والمجيدُ: فعيل، مثال مبالغة من مَجَد يَمْجُد مَجْداً ومَجَادَة، ويقال: مَجُد ك: شَرُف وأصله: الرِّفْعَة. وقيل: من مَجَدتِ الإبلُ تَمْجُدُ مَجَادَةً ومَجْداً، أي: شَبِعَتْ؛ وأنشدوا لأبي حيَّة النَّمَيْرِي: [الوافر] 2995 - تَزيدُ على صواحبها وليْسَتْ ... بِمَاجِدةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ [أي] : ليست بكثيرة الطَّعام ولا الشَّرابِ. وقيل: مَجَد الشَّيءُ: أي: حَسُنَتْ أوصافُهُ. وقال الليثُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أمْجَدَ فلانٌ عطاءهُ ومجَّدهُ أي: كثَّرَهُ» . والمجيدُ: المَاجدُ، وهو ذُو الشَّرفِ والكرمِ. قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع﴾ ، أي: الفزعُ؛ قال الشَّاعرُ: [الطويل] 2996 - إِذَا أخَذَتْهَا هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ... بِمَنْكِبِ مِقدامٍ على الهَوْلِ أرْوَعَا يقال: رَاعَهُ يَرُوعُه، أي: أفزعهُ؛ قال عنترةُ: [الكامل] 2997 - ما رَاعَنِي إِلاَّ حَمُولةُ أهْلِهَا ... وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حبَّ الخِمْخِمِ وارتاع: افتعل منه؛ قال النابغة: [البسيط] 2998 - فارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كلاَّبٍ فَبَاتَ لَهُ ... طَوْعَ الشَّوامِتِ مِنْ خَوْفٍ ومِنْ صَرَدِ وأمَّا الرُّوعُ - بالضمِّ - فهي النَّفْسُ لأنَّها محلُّ الرَّوْعِ. ففرَّقُوا بين الحالِّ والمَحَلِّ؛ وفي الحديث: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي» . قوله: ﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ عطف على «ذَهَبَ» ، وجوابُ «لمَّا» على هذا محذوفٌ أي: فلمَّا كان كيت وكيت اجترأ على خطابهم، أو فطن لمجادلتهم، وقوله: «يَجَادِلُنَا» على هذا جملةٌ مستأنفةٌ، وهي الدَّالَّةُ على ذلك الجواب المحذوف. وقيل: تقديرُ الجواب: أقبل يُجَادلنا، أو أخذ يُجَادلُنَا، ف «يُجَادِلُنَا» على هذا حالٌ من فاعل «أقبل» . وقيل: جوابها قوله: «يُجَادلُنَا» وأوقع المضارع موقع الماضي. وقيل: الجوابُ قوله: ﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ والواوُ زائدةٌ. وقيل: «يُجَادِلُنَا» حال من «إبراهيم» ، وكذلك قوله: ﴿وَجَآءَتْهُ البشرى﴾ و «قَدْ» مقدرةٌ. ويجُوزُ أن يكون «يُجَادِلُنَا» حالاً من ضمير المفعول في «جَاءءَتْهُ» . و «فِي قَوْمِ لُوطٍ» أي: في شأنهم. قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الروع﴾ . هذا أوَّلُ قصة قوم لوط، والمعنى: أنَّهُ لمَّا زال الخوف وحصل السُّرورُ بسبب مجيء البُشْرَى بحصول الولد، أخذ يُجَادلنا أي: رسلنا، بمعنى: يكلمنا؛ لأنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لا يجادل ربه، إنَّما يسأله ويطلب إليه بدليل مدحه عقيب الآية بقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ ولو كان جدلاً مذموماً لما مدحه بهذا المَدْح العظيم، وكانت مجادلته أن قال للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائنِ لوطٍ خمسون رجلاً من المؤمنين أتهلكونها قالوا: لا. قال: أو أربعون. قالوا: لا. قال: أو ثلاثون. قالوا لا. حتَّى بلغ العشرة. قالوا: لا. قال: أرأيتم لو كان فيها رجلٌ مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فعند ذلك ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته﴾ [العنكبوت: 32] . ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ . والحليم: الذي لا يتعجَّلُ بمكافأة من يؤذيه، ومن كان كذلك فإنَّه يتأوَّهُ إذا شاهد وصول الشَّدائد إلى الغير فلمَّا رأي مجيء الملائكة لإهلاك قوم لُوط عظم حزنهُ، وأخذ يتأوَّهُ فوصفه، الله - تعالى - بأنَّهُ مُنِيبٌ؛ لأنَّ من ظهرت منه هذه الشفقة العظيمةُ على الخلق فإنَّهُ يتُوبُ ويرجع إلى الله - تعالى عزَّ وجلَّ - في إزالة ذلك العذابِ، أو يقال: من كان لا يَرْضَى بوقوع غيره في الشَّدائد، فبأن لا يرضى بوقوع نفسه فيها أولى، ولا طريق لتخليصِ النَّفْسِ من عذاب الله والوقوع فيه إلا بالتوبةِ والإنابةِ، فقالت الرُّسُلُ عند ذلك لإبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿يإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هاذآ﴾ أي: أعرض عن هذا المقال، ف ﴿إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ﴾ ، أي: عذابُ ربِّك وحُكم ربِّك ﴿إِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ : نازلٌ بهم ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ ، أي: غير مصروف عنهم. قوله: ﴿آتِيهِمْ عَذَابٌ﴾ يجوز أن يكون جملة من مبتدأ وخبر في محلِّ رفع خبراً ل «إنَّهُمْ» ، ويجوز أن يكون «آتِيهِمْ» الخبر «عَذابٌ» المبتدأ، وجاز ذلك لتخصُّصِه بالوصفِ، ولتنكير «آتِيهِمْ» ؛ لأنَّ إضافته غيرُ محصنةٍ. ويجُوزُ أن يكون «آتِيهِمْ» خبر «إنَّ» ، و «عذابٌ» فاعلٌ به، ويدلُّ على ذلك قراءةُ عمرو بن هرم «وإنَّهُمْ أتاهُمْ» بلفظ الفعل الماضي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.