الباحث القرآني

مدنية بالإجماع، وتسمى سورة " التوديع "، وهي ثلاث آيات، وست عشرة كلمة، وتسعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ : عليك وعلى أمتك، والمقصود: إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلقهما، كقوله تعالى: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: 44] . «أل» في «الفتح» عوض من الإضافة: أي: وفتحه عند الكوفيين، والعائد محذوف عند البصريين، أي: والفتح منه للدلالة على ذلك، والعامل في «إذا» : «جاء» وهو قول مكي، وإليه ذهب أبو حيَّان وغيره في مواضع وقد تقدم ذلك. وإما «فسبِّح» ، وإليه نحا الزمخشريُّ والحوفي، والتقدير: فسبح بحمد ربك إذا جاء، ورده أبو حيَّان بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبلها، وفيه بحثٌ تقدم بعضه في سورة «الضحى» . * فصل في الكلام على «نصر» النصر: العون، مأخوذ من قولهم: قد نصر الغيث الأرض، إذا أعان على إنباتها. قال الشاعر: [الطويل] 5337 - إذَا انْسَلَخَ الشَّهْرُ الحَرامُ فَوَدِّعي ... بِلادَ تَمِيمٍ وانصُرِي أرضَ عَامرِ ويروى: [الطويل] 5338 - إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَجَاوِزِي ... بِلادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِر يقال: نصره على عدوه ينصره نصراً، أي: أعانه، والاسم: النُّصرة، واستنصره على عدوه، أي: سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضاً. وقيل: المرادُ بهذا النصر: نصر الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - على قريش قاله الطبري. [وقيل نصره على من قاتله من الكفار وأن عاقبه النصر كانت له وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير هو فتح المدائن والقصور وقيل فتح سائر البلاد، وقيل ما فتحه عليه من العلوم، وقيل إذا بمعنى قد جاء نصر الله لأن نزولها بعد الفتح، ويجوز أن يكون معناه إذا يجيئك] . * فصل في الفرق بين النصر والفتح قال ابن الخطيب: الفرق بين النصر والفتح، الفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً، والنصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه، ويقال: النصرُ كمالُ الدينِ والفتح إقبال الدنيا الذي هو تمام النعمةِ، كقوله تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: 3] . والنَّصْر: الظَّفر في الدنيا، والفتح: بالجنة. * فصل في المراد بهذا النصر قال ابن الخطيب: إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان مؤيداً منصوراً بالدلائل، والمعجزات، فما المعنى بتخصيص لفظ النصر بفتح «مكة» ؟ . والجواب: أن المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع. فإن قيل: النصر لا يكون إلا من الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ [الأنفال: 10] فما فائدة التقييد بقوله تعالى: ﴿نَصْرُ الله﴾ ؟ . فالجواب: معناه: لا يليق إلا بالله، كما يقال: هذه صنعة زيد، إذا كان مشهوراً، فالمراد هذا هو الذي سألتموه. فإن قيل: لم وصف النصر بالمجيء، وحقيقته: إذا وقع نصر الله، فما الفائدة في ترك الحقيقة، وذكر المجاز؟ . فالجواب: أن الأمور مرتبطةٌ بأوقاتها، وأنه - تعالى - قد ربط بحدوث كلِّ محدث أسباباً معينة، وأوقاتاً مقدرة يستحيل فيها التقدم، والتأخر، والتبدل، والتغير، فإذا حضر ذلك الوقت، وجاء ذلك الزمان حضر ذلك الأثر معه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] . فإن قيل: الذين أعانوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على فتح مكة هم الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - ثم إنه تعالى سمى نصرتهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فما السبب في إضافة النصر إليه؟ . فالجواب: أن النصر وإن كان على يد الصحابة لكن لا بدَّ لهم من داعٍ وباعث، وهو من الله تعالى. فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم يكون فعل العبد متقدماً على فعل الله، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ الله يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7] فجعل نصر العبد مقدماً على نصره لنا. فالجواب: أن لا امتناع في أن يكون فعل العبد سبباً لفعل آخر يصدر عن الله - تعالى - فإن أسباب الحوادث ومسبباتها على ترتيب عجيب تعجز عن إدراكها العقول البشرية. قوله: ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ﴾ ، «رأيت» يحتمل أن يكون معناه: أبصرت، وأن يكون معناه: علمت، فإن كان معناه «أبصرت» كان «يَدخُلونَ» في محل النصب على الحال، والتقدير: ورأيت الناس يدخلون حال دخولهم في دين الله أفواجاً، وإن كان معناه: «علمت» كان «يدخُلونَ» مفعولاً ثانياً ل «علمت» والتقدير: علمت الناس داخلين في دين الله أفواجاً. وفي عبارة الزمخشري: أنه كان بمعنى «أبصرتُ» ، أو «عرفت» . وناقشه أبو حيان: بأن «رأيت» لا يُعرف كونها بمعنى «عرفت» قال: «فيحتاج في ذلك إلى استثبات» . وقرأ العامة: «يدخلون» مبنياً للفاعل. وابن كثير في رواية: مبنياً للمفعول و «فِي دِيْنِ» ظرف مجازي، وهو مجاز فصيح بليغ هاهنا. قوله: ﴿أَفْوَاجاً﴾ حال من فاعل «يَدخُلُونَ» . قال مكي: «وقياسه:» أفوج» إلا أن الضمة تستثقل في الواو فشبهوا «فعلاً» - يعني بالسكون - ب» فَعل - يعني بالفتح - فجمعوه جمعه «انتهى. أي: أن» فَعْلاً «بالسكون، قياسه» أفعُل «ك» فَلْس «و» أفلُس «إلا أنه استثقلت الضمةُ على الواوِ، فجمعوه جمع» فعل «بالتحريك نحو: جمل، وأجمال، لأن» فعْلاً «بالسكون على» أفعال «ليس بقياس إذا كان فعلاً صحيحاً، نحو: فرخ وأفراخ وزند وأزناد، ووردت منه ألفاظ كثيرة، ومع ذلك فلم يقيسوه، وقد قال الحوفي شيئاً من هذا. * فصل في الكلام على لفظ الناس ظاهر لفظ» النَّاس» للعموم، فيدخل كل النَّاس أفواجاً، أي: جماعات، فوجاً بعد فوجٍ، وذلك لما فتحت «مكة» قالت العرب: أما إذْ ظفر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ باهل الحرم، وقد كان الله - تعالى - أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان؛ فكانوا يسلمون أفواجاً أفواجاً أمة بعد أمةٍ. قال الضحاكُ: والأمة: أربعون رجلاً. وقال عكرمةُ: ومقاتل: أراد بالنَّاس أهل «اليمن» ، وذلك أنه ورد من «اليمن» سبعمائة إنسان مؤمنين طائعين، بعضهم يؤذنون، وبعضهم يقرءون القرآن، وبعضهم يهلِّلُون، فسُرَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ وجاء أهل اليمن، رقيقة أفئدتهم لينة طباعهم، سخية قلوبهم، عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجاً. وروى مسلم عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أتَاكُمْ أهْلُ اليَمنِ، وهُمْ أضْعَفُ قُلوباً، وأرَقُّ أفئِدَةٌ، الفقهُ يمانٍ، والحِكمةُ يَمَانِيةٌ» . وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأجدُ نَفَسَ ربِّكُمْ من قبلِ اليَمنِ» وفيه تأويلان: أحدهما: أنه الفرجُ، لتتابع إسلامهم أفواجاً. والثاني: معناه أن الله تعالى نفس الكرب عن نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأهل «اليمن» و [الأنصار] . وروى جابرُ بنُ عبد الله قال: سمعتُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ النَّاس دخلوا في دينِ اللهِ أفواجاً وسيَخرُجُونَ مِنهُ أفواجاً» ذكره الماوردي. قال ابن الخطيب: كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعد ما كانوا يدخلون واحداً واحداً، واثنين اثنين. * فصل في المراد بدين الله ودينُ الله، هو الإسلام، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ [آل عمران: 19] ، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] ، وإضافة الدين إلى الاسم الدال على الإلهية، إشارة إلى أنه يجب أن يعبد لكونه إلهاً، وللدين أسماء أخر، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المؤمنين فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المسلمين﴾ [الذاريات: 35، 36] . ومنها: الصراط، قال تعالى: ﴿صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الشورى: 53] . ومنها: كلمة الله، ومنها النور: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله﴾ [الصف: 8] . ومنها الهدى، قال تعالى: ﴿ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 88] . ومنها العروة الوثقى ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] . ومنها: الحبلُ المتين: ﴿واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً﴾ [آل عمران: 103] . ومنها: حنيفة الله، وفطرة الله. * فصل في إيمان المقلد قال جمهور الفقهاء والمتكلمين: إيمان المقلد صحيح، واحتجوا بهذه الآية، قالوا: إنه تعالى حكم بصحة إيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على نبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولو لم يكن إيمانهم صحيحاً، لما ذكره في هذا المعرض، ثم إنا نعلم قطعاً أنهم ما كانوا يعرفون حدوث الأجسام بالدليل، وإثبات كونه تعالى منزّهاً عن الجسمية، والمكان والحيز، وإثبات كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات التي لا نهاية لها، ولا إثبات الصفات، والتنزيه بالدليل، والعلم بأن أولئك الأعراب ما كانوا عالمين بهذه الدقائق ضروري، فعلمنا أن إيمان المقلد صحيح، لا يقال: إنهم كانوا عالمين بأصول دلائل هذه المسائل؛ لأن أصول هذه الدلائل ظاهرة، بل كانوا جاهلين بالتفاضل؛ لأنا نقول: إن الدليل لا يقبل الزِّيادة والنُّقصان، فإن الدليل إذا كان مركباً من عشر مقدمات، فمن علم تسعة منها، وكان في المقدمة العاشرة مقلداً، كان في النتيجة مقلداً لا محالة. قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حال، أي: ملتبساً بحمده. قال ابن الخطيب: إنه - تعالى - أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالتسبيح، ثم بالحمد، ثم بالاستغفار، والفائدة فيه أن تأخير النصر سنين، مع أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان على الحقّ، مما يثقل على القلب، ويقع في القلب أني إذا كنت على الحق فلم لا ينصرني، ولو سلطت على هؤلاء الكفار. فلأجل الاعتذار عن هذا الخاطر، أمر بالتسبيح أما على قولنا: فالمراد من هذا التنزيه، أنه تعالى منزَّه عن أن يستحق عليه أحد شيئاً [بل كل ما يفعله بحكم المشيئة الإلهية، فله أن يفعل ما شاء كما يشاء، ففائدة التسبيح: تنزيه الله تعالى عن أن يستحق عليه أحد شيئاً] . وأما على قول المعتزلة، ففائدة التنزيه: هو أن يعلم العبد أن تنزيه اللهِ تعالى عما لا يليق ولا ينبغي بسبب المصلحة، لا بسبب ترجيح الباطل على الحق، ثم إذا فرغ العبد من تنزيه الله، فحينئذ يشتغل بحمده على ما أعطاه من الإحسان والبر، ثم حينئذ بالاستغفار بذنوب نفسه. * فصل في معنى الآية قال المفسرون: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ أي: إذا صليت، فأكثر من ذلك. وقيل: معنى «سَبِّحْ» صلِّ، قاله ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما. [وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ حامداً له على ما آتاك من الظفر، والفتح، واستغفره أي: سلوا الله الغفران. وقيل: فسبح أي: المراد به التنزيه، أي: نزهه عما لا يجوز عليه، مع شكرك له، وبالاستغفار، ومداومة الذكر] . وروي في «الصحيحين» عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «قالت: ما صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صلاة بعد أن نزلت سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إلا يقولُ فيها: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدِكَ اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي» . وقالت أم سلمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يجيء، ولا يذهب إلاَّ قال: «سُبحانَ اللهِ وبحَمدهِ، أسْتغْفِرُ الله، وأتوبُ إليه» قال: «فإنِّي أمرتُ بِهَا» ، ثم قرأ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ » إلى أخرها. وقال عكرمة: لم يكن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أصحابه قط أشدّ اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان عند نزولها. وقال مقاتل: «لما نزلت، فقرأها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على أصحابه، ومنهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص، ففرحوا، واستبشروا، وبكى العباس، فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» مَا يُبْكيْكَ يَا عمّ» . قال: نُعيتْ إليك نَفسُكَ، قال: «إنَّهُ لَكَمَا تقُولُ» ، فعاش بعدها ستين يوماً، ما رئي فيها إلا ضاحكاً مستبشراً» . وقيل: «نزلت في» منى» بعد أيام التشريق، في حجَّة الوداعِ، فبكى عمر والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقال: لا بل فيه نعي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «صدقتما، نعيت إليَّ نفسي» » . وروى البخاري، وغيره عن ابن عبَّاس، قال: كان عمر بن الخطَّاب يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم، قال: فوجد بعضهم من ذلك، فقالوا: يأذن لهذا الفتى معنا، ومن أبنائنا من هو مثله، فقال لهم عمر: إنه من قد علمتم، قال: فأذن لهم ذات يوم، وأذن لي معهم، فسألهم عن هذه السورةِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ ، فقالوا: أمر الله - جلَّ وعزَّ - نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا فتح عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ . قلتُ: ليس كذلك ولكن أخبر الله رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحضور أجله فقال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ فذلك علامة موتك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا﴾ فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: تلومونني عليه؟ وفي رواية: قال عمر: «ما أعلم منها إلا ما تقول» . فصل فإن قيل: فماذا يغفر للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتى يؤمر بالاستغفار؟ . فالجواب: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول في دعائه: «ربِّ اغفِرْ لِي خَطيْئَتِي وجَهْلِي، وإسْرافِي في أمْرِي كُلِّه، ومَا أنْتَ أَعْلَمُ بِهِ منِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي خَطيئَتِي، وعمدي، وجهْلِي وهزلِي، وكل ذلِكَ عِنْدِي اللَّهُمَّ اغفر لِي ما قدَّمْتُ وما أخَّرتُ، وما أعْلنتُ، ومَا أسْرَرْتُ، أنتَ المُقدِّمُ، وأنتَ المُؤخِّرُ، إنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ» . [وكان الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستغفر لنفسه لعظيم ما أنعم الله عليه، ويرى قصوره عن القيام بحقّ ذلك. وقيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقيل: يحتمل أن يكون المعنى كن متعلقاً به سائلاً راغباً متضرعاً على رؤية التقصير في أداء الحقوق. وقيل: الاستغفار نفسه يجب إتيانه لا للمغفرة بل تعبداً. وقيل: واستغفر أي: استغفر لأمتك إنه كان تواباً على المسبحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم، وإذا كان عليه السلام وهو معصوم يؤمر بالاستغفار فماذا يظنّ بغيره] . * فصل في تفسير الآية قد مرَّ تفسير الحمد، وأما تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال الزمخشري: قل: سبحان الله، والحمد لله، تعجباً مما أراك الله من عجيب إنعامه، أي: اجمع بينهما، كقولك: الماءُ باللبن، أي: اجمع بينهما خلطاً، وشرباً. الثاني: أنَّ التسبيح داخل في الحمد؛ لأنك إذا حمدت الله تعالى، فقد سبَّحته بواسطته، لأن الثناء عليه، والشكر له يتضمن تنزيهه عن النقائص، ولذلك جعل الحمد مفتاح القرآن، فمعنى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، أي: سبحه بواسطته، أن تحمده، وأن تسبحه بهذا الطريق. الثالث: أن يكون حالاً، أي: سبحه مقدراً أن تحمد بعد التسبيح، كأنك تقول: لا يتأتى لك الجمع بينهما لفظاً، فاجمعهما نية كما تنوي الصلاة يوم النحر مقدراً أنك تنحر بعدها، فيجتمع لك الثواب في تلك الحالة. الرابع: أن هذه الباء كهي في قولك: فعلت هذه بفضل الله، أي: بحمده، أي: أنه الذي هداك لرشدك لا تجد غيره، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحَمدُ للهِ على الحَمْدِ» . الخامس: قال السديُّ: «بحمدِ ربِّك» أي: بأمر ربك. السادس: أن تكون الباء زائدة، والتقدير: سبح حمد ربك، أي: طهر محامد ربك عن الرياء والسمعة، أو اختر له أطهر المحامد، وأذكاها وأحسنها أو ائْتِ بالتسبيح والتنزيه بدلاً عن الحمد. السابع: فيه إشارة إلى أن التسبيح والحمد لا يتأخر أحدهما عن الآخر، ولا يمكن أن يؤتى بهما معاً، ونظيره: من ثبت له حق الشفعة، وحق الرد بالعيب وجب أن يقول: اخترت الشفعة بردي ذلك المبيع، كذا هاهنا، قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ليقع معاً، فيصير مسبحاً حامداً في وقت واحد معاً. [فإن قيل: التوبة مقدمة على جميع الطَّاعات، ثم الحمد مقدم على التسبيح؛ لأن الحمد على النعم، والنعم سابقة أيضاً، والاستغفار سابق، ثم التسبيح؟ فالجواب لعله بدأ بالأشرف تنبيهاً على أن النزول من الخالق إلى الخلق أشرف من الصعود من الخلق إلى الخالق، أو نبّه بذلك على أن التسبيح والحمد الصادرين من العبد، إذا قابلا جلال الحقّ وعزته استوجبا الاستغفار، ولأن التسبيح والحمد إشارة إلى تعظيم أمر الله، والاستغفار إشارة إلى الشفقة على خلق الله، فالأول كالصلاة، والثاني كالزكاة فكما أن الصلاة مقدمة على الزكاة، فكذا هاهنا] . فإن قيل: قوله تعالى: ﴿كَانَ تَوَّابَا﴾ بدل من الماضي، وحاجتنا إلى قبوله في المستقبل وأيضاً: هلا قال سبحانه: ﴿غَفَّاراً﴾ [نوح: 10] ، كما قال تعالى في سورة نوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. وأيضاً قال تعالى: ﴿نَصْرُ الله﴾ ، وقال: ﴿فِي دِينِ الله﴾ وقال: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ولم يقل: بحمد الله. فالجواب عن الأول: أن هذا أبلغ كأنه يقول: إني أثنيت على من هو أقبح فعلاً منهم كاليهود فإنهم بعد ظهور المعجزات الظاهرة العظيمة، كفلق البحر، ونتق الجبل ونزول المنِّ والسلوى عصوا ربَّهم، وأتوا بالقبائح، ولما تابوا قبلت توبتهم، فإذا كنت قابلاً لتوبة أولئك، وهم دونكم، أفلا أقبل توبتكم، وأنتم خير أمة أخرجت للنَّاس؟ أو لأني شرعت في توبة العصاة، والشروع ملزم أو هو إشارة إلى تخفيف جنايتهم، أي: لستم أول من جنى، والمصيبة إذا عمت خفت؛ أو كما قيل: [المتقارب] 5339 - كَما أحْسنَ اللهُ فِيما مَضَى ... كَذلِكَ يُحسِنُ فِيمَا بَقِي والجواب عن الثاني: لعله خص هذه الأمة بمزيد الشرفِ، لأنه لا يقال في صفات العبد: غفار أو يقال: تواباً، ويقال إذا كان آتياً بالتوبة، فكأنه تعالى يقول: كنت لي سمياً من أول الأمر، أنت مؤمن، وأنا مؤمن، وإن اختلف المعنى فتب حتى صرت سمياً في آخر الأمر، فأنت تواب، وأنا تواب، ثم التواب في حق الله تعالى أنه يقبل التوبة كثيراً، فيجب على العبد أن يكون إتيانه بالتوبة كثيراً. [وأنه إنما قال: تواباً، لأن القائل قد يقول: أستغفر الله، وليس بتائب كقول المستغفر بلسانه المصر بقلبه، كالمستهزئ. فإن قيل قد يقول: أتوب، وليس بتائب. فلنا: فإذن يكون كاذباً، فإن التوبة اسم للرجوع، أو الندم بخلاف الاستغفار، فإنه لا يكون كاذباً فيه، فيكون تقدير الكلام: وأستغفر الله بالتوبة، وفيه تنبيه على خواتم الأعمال] . والجواب عن الثالث: أنه راعى العدل، فذكر اسم الذَّات مرتين، وذكر اسم الفعل مرتين؛ أحدهما: الرب والثاني: التواب، فلما كانت التربية تحصل أولاً، والتوبة آخراً، لا جرم ذكر اسم الرب أولاً، واسم التوبة أخراً. * فصل في نزول السورة قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - نزلت هذه السورة ب «منى» في حجة الوداع ثُمَّ نزلت: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: 3] فعاش صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] فعاش بعدها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أحداً وعشرين يوماً. وقال مقاتل: سبعة أيام. وقيل غير ذلك. فصل قال ابن الخطيب: اتفق الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - على أن هذه السورة دلت على نعي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فإن قيل: كيف دلت السورة على هذا المعنى؟ . فالجواب من وجوه: أحدها: قال بعضهم: إنما عرفوا ذلك لما روي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خطب عقيب السورة، وذكر التخيير. وثانياً: أنه لما ذكر حُصول النَّصر، ودخول النَّاس في دين الله أفواجاً، دل ذلك على حصول التمام، والكمال، وذلك يستعقبه الزَّوال؛ كما قيل: [المتقارب] 5340 - إذَا تَمَّ شَيءٌ بَدَا نَقصهُ ... تَوقَّعْ زَوالاً، إذا قِيلَ: تَمْ وثالثها: أنه جل ذكره أمر بالتسبيح، والحمد، والاستغفار مطلقاً، واشتغاله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك يمنعه من الاشتغال بأمر الأمة، فكان هذا كالتنبيه على أنّ التبليغ قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت، لأنه لو بقي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهذا غير جائزٍ. ورابعها: قوله: «واسْتَغْفِرْهُ» تنبيه على قرب الأجل، كأنه يقول: قرب الأجل ودنا الرحيل فتأهّبْ. ونبه على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله يستكثر من التوبة. وخامسها: كأنه قيل: كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته، وهو النصر والفتح، والله تعالى وعدك بقوله: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ [الضحى: 4] فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا، فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادة العالية. روى الثعلبي عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورةَ:» النصر «فَكَأنَّمَا شَهِدَ مَع مُحمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام فَتْح مَكَّة» . سورة " تبت " أو " المسد "
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.