الباحث القرآني

مكية، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وسبعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ، أي: خسرت. وتقدم تفسير هذه المادة في سورة غافر عند قوله: ﴿إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: 37] ، وأسند الفعل إلى اليدين مجازاً؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بهما، وإن كان المراد جملة المدعو عليه. وقوله: ﴿تَبَّتْ﴾ دعاء، ﴿وَتَبَّ﴾ إخبار، أي: قد وقع ما دعي به عليه؛ كقول الشاعر: [الطويل] 5341 - جَزانِي، جَزَاهُ اللهُ شَرَّ جزَائِه ... جَزاءَ الكِلابِ العَاويَاتِ وقَدْ فعلْ ويؤيده قراءة عبد الله: «وقَدْ تبَّ» ، والظَّاهر أنَّ كليهما دعاء، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص؛ لأن اليدين بعض، وإن كان حقيقة اليدين غير مراد. وقيل: كلاهما إخبار، أراد بالأول: هلاك عمله، وبالثاني: هلاك نفسه، وإنما عبر باليدين؛ لأن الأعمال غالباً تُزاول بهما. وقيل: المراد باليدين نفسه وقد يعبر باليد عن النفس، كقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: 10] ، أي نفسك، وهذا شائع في كلام العرب يعبّرون ببعض الشيء عن كله، يقولون: أصابه يد الدهر، ويد المنايا، والرزايا، أي: أصابه كل ذلك. قال الشاعر: [مخلع البسيط] 5342 - لمَّا أكبَّتْ يَدُ الرَّزَايَا ... عَليْهِ نَادَى ألاّ مُجِيرُ وقال ابن الخطيب: وعبر باليدين، إما لأنه كان يرمي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالحجارة، وقيل: المراد دينه، ودنياه وأولاده، وعقباه، أو المراد بأحدهما جر المنفعة، وبالأخرى: دفع المضرة، أو لأن اليمين سلاح، والأخرى جُنَّة. وقل: بمعنى ماله، وبنيه، «وتَبَّ» هو نفسه وقيل: «تبَّ» يعني ولده وعقبه، وهو الذي دعا عليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «اللَّهمَّ سلِّط عليْهِ كَلباً من كِلابِكَ» لشدة عداوته، فافترسه الأسد. وقرأ العامة: «لَهَب» بفتح الهاء، وابن كثير: بإسكانها. فقيل: هما لغتان بمعنى نحو: النَّهَر والنَّهْر، والشَّعَر والشَّعْر، والبَعَر والبَعْر، والضَّجَر والضَّجْر. وقال الزمخشري: «وهو من تغيير الأعلام، كقوله: شمس بن مالك، بالضم» ، يعني أن الأصل: بفتح الشين فغيرت إلى الضم. ويشير بذلك لقول الشاعر: [الطويل] 5343 - وإنِّي لمُهْدٍ مِنْ ثَنَائِي فَعاهِدٌ ... بِهِ لابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شُمْسِ بْنِ مَالِكِ وجوز أبو حيان في «شمس» أن يكون منقولاً من «شمس» الجمع، كما جاء «أذناب خيل شمس» ، فلا يكون من التغيير في شيء. وكني بذلك أبو لهب: إما لالتهاب وجنتيه، وكان مشرق الوجه، أحمرهُ، وإما لما يئول إليه من لهب جهنم، كقولهم: أبو الخير، وأبو الشر، لصدورهما منه، وإما لأن الكنية أغلب من الاسم، أو لأنها أنقص منه، ولذلك ذكر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بأسمائهم جدون كُناهم، أو لقُبحِ اسمه؛ لأن اسمه عبد العُزَّى، فعدل عنه إلى الكنية؛ لأن الله لم يضف العبودية في كتابة إلى صنم. وقيل: اسمه أبو لهب، كما سمي أبو سفيان، وأبو طالب. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: لم أكناه، والكنية تكرمه؟ . ثم ذكر ثلاثة أجوبة: إما لشهرته بكنيته، وإما لقبح اسمه كما تقدم، وإما لتجانس قوله: «ناراً ذات لهبٍ» لأن مآله إلى لهب جهنم. انتهى. وهذا يقتضي أن الكنية أشرف، وأكمل لا أنقص، وهو عكس القول الذي تقدم آنفاً. وقرئ: «يَدَا أبُو لهبٍ» بالواو مكان الجر. قال الزمخشري: «كما قيل: علي بن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، لئلاَّ يغير منه شيء، فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير» مكة «ابنان: أحدهما:» عبدِ الله «بالجر، والآخر» عبدَ الله «بالنصب» . ولم يختلف القراء في قوله: «ذَات لهب» أنها بالفتح. والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل. [قال قتادة: تبت خسرت. وقال ابن عباس: خابت. وقال عطاء: ضلت. وقال ابن جبير: هلكت. وقال يمان بن رئاب: صفرت من كل خير] . * فصل في نزول الآية حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، أنه لما قتل عثمان بن عفان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع الناس هاتفاً يقول: [مجزوء الوافر] 5344 - لَقدْ خَلَّوكَ وانْصَرفُوا ... فَمَا آبُوا وَلا رَجعُوا ولَمْ يُوفُوا بِنذْرِهِمُ ... فَيَا تَبًّا لِمَا صَنَعُوا * فصل في نزول السورة روى البخاري ومسلم عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «لما نزلت: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين} [الشعراء: 214] خرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حتَّى صعد الصَّفا، فهتف: يا صباحاه فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ . قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: «يَا بَنِي فُلانٍ يَا بَنِي فُلانِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا بني عبد المُطَّلب» ، فاجتمعوا إليه: فقال: «أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تَخرجُ بسفحِ هذا الجَبلِ، أكُنْتُمْ مُصدِّقِيّ» ؟ . قالوا: ما جرَّبنا عليك كذباً، قال: «فإنِّي نذيرٌ لكُم بينَ يدي عذاب شديدٍ» ، فقال أبُو لهبٍ: تبَّا لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت هذه السورة» . وفي رواية: لما سمعت أمرأته ما نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وفي يدها فهر من حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله بصرها عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت: يا أبا بكر، إن صاحبك قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربتُ بهذا الفهر فاهُ؛ والله إني لشاعرة: [منهوك الرجز] 5345 - مُذمَّماً عَصيْنَا ... وأمْرهُ أبَيْنَا ودِينَهُ قَلَينَا ... ثم انصرفت، فقال أبو بكر: يا رسول الله «أما تراها رأتك؟ قال:» مَا رأتْنِي لقَدْ أخَذَ اللَّهُ بَصرهَا عَنِّي» . وكانت قريش تسمي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مذمماً، ثم يسبونه، وكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «ألا تعجبون لما صرف الله تعالى عني من أذى كفار قريش يسبون ويهجون مذمماً وأنا محمد رسول الله» . وحكى أبو عبد الرحمن بن زيد: «أن أبا لهب أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك يا محمد؟ قال:» كَمَا يُعطَى المُسلمُونَ «قال: ما لي عليهم فضل؟ . قال: وأيَّ شيءٍ تَبْغِي؟ قال: تبًّا لهذا من دينٍ، أن أكون أنا وهؤلاء سواء. فأنزل الله تعالى فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ » . وحكى عبد الرحمن بن كيسان قال: كان إذا وفد على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفد، انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون له: أنت أعلم به منا، فيقول لهم أبو لهب: إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه، ولا يلقونه فأتى وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه، ونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهبٍ: إنا لم نزل نعالجه، فتبَّا له وتعساً، فأخبر بذلك رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فاكتأب لذلك، فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أبِي لهَبٍ﴾ . وقيل: إن أبا لهبٍ أراد أن يرمي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالحجر، فمنعه الله تعالى من ذلك، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾ للمنع الذي وقع فيه. * فصل في تفسير التَّبِّ قال ابن الخطيب: من فسر التبَّ بالهلاك، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: 37] ، أي: في هلاك، ومن فسَّره بالخسران، فلقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] ، أي: تخسير، ومن فسره بالخيبة، قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لأنه كان يدفع القوم عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأنه ساحر، فينصرفون عنه قبل لقائه؛ لأنه كان شيخ القبيلة - لعنه الله - فكان لا يأتيهم، فلما نزلت هذه السورة، وسمع بها غضب، وأظهر العداوة الشديدة، وصار مُتَّهماً، فلما قال في الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بعد ذلك، فكأنه قد خاب لسعيه، ولعله إنما ذكر التب؛ لأنه إنما كان يضرب بيده على يد الوافد عليه، فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون، فإن المعتاد أن من يصرف إنساناً يضع بيده على كتفه، ويدفعه عن ذلك الموضع. ومن فسر التبَّ بقوله: ضلت، فلأنه كان يعتقد أن يده العليا، وأنه يخرجه من «مكَّة» ، ويذلّه، ومن فسره: ب «صَفرَتْ» فلأن يده خلت من كل خير. * فصل في ترجمة أبي لهب أبو لهب: اسمه عبد العُزَّى بن عبد المطلب عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ وامرأته: العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب، وكلاهما كان شديد العداوة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قال طارق بن عبد الله المحاربي: إني بسوق ذي المجاز، إذ أنا بإنسان يقول: «يا أيُّها النَّاسُ، قولوا: لا إلهَ إلاَّ اللهَ تُفلِحُوا» وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه، ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب ساحر، فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ . فقالوا: محمد، يزعم أنه نبيّ، وهو عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب. وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال أبو لهب: سحركم محمد، إن أحدنا ليأكلُ الجذعة، ويشرب العُسّ من اللبن، فلا يشبع، وإن محمداً قد أشبعكم من فخذِ شاةٍ، وأرواكم من عُسِّ لبن. قوله: ﴿مَآ أغنى﴾ . يجوز في «مَا» النَّفي، والاستفهام، فعلى الاستفهام يكون منصوب المحل بما بعدها، التقدير: أي شيء أغنى المال، وقدم لكونه له صدر الكلام. وقوله: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ : يجوز في «مَا» هذه أن تكون بمعنى «الَّذي» ، والعائد محذوف، وأن تكون مصدرية، أي: وكسبه، وأن تكون استفهامية: بمعنى وأي شيء كسب؛ أي: لم يكسب شيئاً، قاله أبو حيان، فجعل الاستفهام بمعنى النفي، فعل هذا يجوز أن تكون نافية، ويكون المعنى على ما ذكر، وهو غير ظاهر. وقرأ ابن مسعود والأعمش: «وما اكتسبَ» . * فصل في معنى الآية المعنى: ما دفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الجاه. وقال مجاهد: وما كسب من مال، وولد الرجل من كسبه. وقال أبو الطفيل: جاء بنو أبي لهب يختصمون عند ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع على الفراشِ، فغضب ابن عباس، وقال: أخرجوا عنِّي الكسب الخبيثَ، يعني ولد أبي لهب. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ أطْيبَ ما أكَلَ الرجلُ من كسْبهِ» . وقال ابن عباس: لما أنذر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عشيرته بالنَّار، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقَّا فإني أفدي نفسي بمالي وولدي، فنزل: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ . قال الضحاك: ما أغنى عنه ماله ما ينفعه ماله، وعمله الخبيث: يعني كيده، وعداوة رسول الله. قوله: ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ . قرأ العامة: «سَيَصْلَى» بفتح الياء، وإسكان الصاد، وتخفيف اللام، أي: يصلى هو بنفسه. وقرأ أبو حيوة، وابن مقسم، وعياش في اختياره؛ قال القرطبي: والأشهب العقيلي، وأبو سمال العدوي، ومحمد بن السميفع، «سَيُصلَّى» بضم الياء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، ومعناه سيصليه الله. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وأبو رجاء، والأعمش، ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -، وحسين عن أبي بكر عن عاصمٍ: بضم الياء. ومعنى ذات لهب أي ذات اشتعال وتلهب، وقد تقدم القول فيه في سورة المرسلات. قوله: ﴿وامرأته حَمَّالَةَ الحطب﴾ . قرأ العامة: بالرفع، على أنها جملة من مبتدأ وخبر، سيقت للإخبار بذلك. قيل: وامرأته، عطف على الضمير في «سيصلى» سوغه الفصل بالمفعول، و «حمَّالة الحَطبِ» على هذا فيها أوجه: كونها نعتاً ل «امرأته» ، وجاز ذلك لأن إضافته حقيقية، إذ المراد المعنى، وكونها: بياناً أو بدلاً، لأنها أقرب من الجوامد لتمحض إضافتها، أو كونها خبراً لمبتدأ مضمر أي: هي حمالةُ. وقرأ ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: ومريئته حمالة الحطب. وعنه أيضاً: «ومريته» على التصغير، إلا أنه أقر الهمزة تارة، وأبدلها ياء، وأدغم فيها أخرى. وقرأ العامة: «حَمَّالةُ» بالرفع، وعاصم: بالنصب على الشَّتم. وقد أتى بجميل من سبّ أم جميل. قال الزمخشري: وكانت تكنى أم جميل، لعنها الله. وقيل: نصب على الحال من «امرأته» إذا جعلناها مرفوعة بالعطف على الضمير. ويضعف جعلها حالاً عند الجمهور من الضمير في الجار بعدها إذا جعلناها ل «امْرَأتهُ» لتقدمها على العامل المعنوي، واستشكل بعضهم الحالية - لما تقدم - من أن المراد به المعنى، فتتعرف بالإضافة، فكيف يكون حالاً عند الجمهور؟ . ثم أجاب بأن المراد الاستقبال؛ لأنه ورد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب النار، كما كانت تحمل الحطب في الدنيا. وفي قوله تعالى: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ قولان: أحدهما: هو حقيقة. قال قتادة: كانت تعير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالفقر، ثم كانت مع كثرة مالها تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها، فعيرت بالبخل. وقال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل العِضَاهَ، والشَّوك، فتطرحه بالليل على طريق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، فكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يطؤه كما يطأ الحرير. وقال مُرَّة الهمذاني: كانت أم جميل - لعنها الله - تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحها على طريق المسلمين، فبينما هي حاملة ذات يوم حزمة أعيت فقعدت على حجر لتستريح، فجذبها الملك من خلفها فأهلكها. القول الثاني: أنه مجاز عن المشي بالنميمة، ورمي الفتن بين الناس؛ قال: [الرجز] 5346 - إنَّ بَنِي الأدْرمِ حَمَّالُو الحطبْ ... هُمْ الوشَاةُ في الرِّضَا وفي الغَضَبْ عليْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتَرَى والحَرَبْ ... وقال آخر: [الطويل] 5347 - مِن البيضِ لَمْ تَصطَدْ عَلى ظَهْر لأمَةٍ ... لمْ تَمْشِ بَينَ الحَيِّ بالحطَبِ الرَّطبِ وجعله رطباً تنبيهاً على تدخينه، وهو غريب من ترشيح المجاز، يعني لم تمش بالنمام. وقال سعيد بن جبيرٍ: حمالة الخطايا، والذنوب، من قولهم: فلان يحتطب ظهره. قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: 31] . وقرأ أبو قلابة: «حاملة الحطب» على وزن «فاعلة» ، وهي محتملة لقراءة العامة، وقرأ عياض: «حمالة للحطب» بالتنوين وجر المفعول بلام زائدة تقوية للعامل كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: 16] ، وأبو عمرو في رواية: «وامرأته» باختلاس الهاء دون إشباع. قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ يجوز أن يكون «في جيدها» خبراً ل «امرأته» ، و «حبل» فاعلاً به وأن يكون حالاً من امرأته على كونها فاعلة، و «حَبْلٌ» مرفوع به أيضاً، وأن يكون خبراً مقدماً و «حَبْلٌ» مبتدأ مؤخر، والجملة حالية أو خبر ثان. والجيدُ: العُنُق. قال امرؤ القيس: [الطويل] 5348 - وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ ... إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ و «مِنْ مسدٍ» صفة ل «حبل» ، والمسد: ليف المقل. وقيل: الليف مطلقاً. قال النابغة: [البسيط] 5349 - مَقْذُوفةٍ بدَخيسِ النَّحضِ بَازلُهَا ... لَهُ صَريفٌ صَريفَ القََعْوِ بالمسَدِ وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها؛ قال الشاعر: [الرجز] 5350 - ومَسَدٍ أمِرَّ مِنْ أيانِقِ ... ليْسَ بأنْيَابٍ ولا حَقَائِقِ وجمع المسد: أمساد. وقال أبو عبيدة: هو حبل يكون من صوف. وقال الحسن: هي حبال من شجرٍ ينبت ب «اليمن» يسمى المسد وكانت تفتل. فصل قال الضحاك وغيره: هذا في الدنيا، وكانت تعيرُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بالفقر، وهي تحتطب في حبلٍ تجعله في عنقها من ليفٍ، فخنقها الله - عزَّ وجلَّ - به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار يلف على عنقها. وعن ابن عباس: حبل من مسد قال: سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وهو قول مجاهد وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها، وقال قتادة: «حبل من مسد» حبل من وَدَعٍ. وقال الحسن: إنما كان حرزاً في عنقها. وقال سعيد بن المسيب: كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت: واللات والعزى لأنفقها في عداوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ويكون عذاباً في جيدها يوم القيامة. وقيل: إن ذلك إشارة إلى الخذلان يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوط في جيدها بحبل من مسد. والمسدُ: الفَتْلُ، يقال: مسد حبله يمسده مسداً، أي: أجاد فتلهُ. قال: [الرجز] 5351 - يَمْسدُ أعْلَى لحْمِهِ ويَأرِمُهْ ... يقول: إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار. وقال ابن الخطيب: وقيل: المسد يكون من الحديد، وظنُّ من ظنَّ أن المسد لا يكون من الحديد خطأ، لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من غيره، ورجل ممسود، أي: مجدول الخلق وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة؛ والمساد: على «فِعَال» : لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري. [فإن قيل: إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبداً في النار؟ . قلنا: كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار] . * فصل في الإخبار عن الغيب تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه: أولها: الأخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك. وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك. وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك، لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة» ، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة. * فصل في جواز تكليف ما لا يطاق احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال وذلك مذكور في أصول الفقه. ذكر الثعلبيُّ عن أبيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ ﴿تَبَّتْ﴾ رجَوْتُ أنْ لا يجْمعَ اللهُ تَعَالَى بَينهُ وبَيْنَ أبِي لهبٍ في دارٍ واحدةٍ» . سورة الاخلاص
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.