الباحث القرآني

قوله: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ هذا الإضراب لا بدَّ له من كلامٍ قبله متقدم عليه يضرب هذا عنه، والتقدير: فرجعوا إلى إبيهم، وذكروا له ما قال كبيرهم، وفقال يعقوب: ليس الأمر كما ذكرتم حقيقة، ﴿بل سولت﴾ : زيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي حمل أخيكم إلى مصر، وليس المراد منه الكذب كواقعة يوسف. وقيل: ﴿سولت لكم أنفسكم﴾ أنَّه سرق، ما سرق. ﴿فصبر جميل﴾ وتقدَّم الكلام على نظيره، وقال هناك: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ وقال ههنا ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً﴾ . قال بعضهم: يعنى يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. وإنَّما حكم بهذا الحكم؛ لأنَّه لما طال حزنه وبلاؤه علم أنَّ الله سيجعل له فرجاً ومخرجاً عن قريب، فقال ذلك على سبيل حسن الظنِّ برحمة الله تعالى. وقيل: لعلَّه كان قد أخبر من بعد محنته بيوسف أنه حي، أو ظهرت له علامات على ذلك. ثم قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ العليم الحكيم﴾ العليم بحقائقِِ الأمْرِ، الحكيم فيها على الوجه المطابق للفضل، والإحسان. وقيل: العليم بحزني، ووجدي على فقدهم، الحكيم في تدبير خلقه. قوله تعالى: ﴿وتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياأسفا عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الآية. لما سعم يعقوب كلام بنيه، ضاق قلبه، وهاج حزنهُ على يوسف، فأعرض عنهم: ﴿وقال يا أسفى على يوسف﴾ يا حزنا على يوسف. والأسفُ: أشدُّ الحُزْنِ، وإنما عظم حزنهُ على مُفارقةِ يوسف عند هذه الواقعة لوجوه: الأول: أنَّ الحزن القديم الكامل إذا وقع عليه حزن آخر كان أوجع، قال متمّم بن نويرة: [الطويل] 3133 - فَقَالَ أتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رأيتَهُ ... لِمَيْتٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوى والدَّكَادِكَ فقُلْتُ لَهُ: إنَّ الأسَى يَبْعَيُ الأسَى ... فدَعْنِي فَهذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ وذلك؛ لأنه كلما رأى قبراً تجدَّ عليه حزنه على أخيه مالك، فلاموهُ؛ فأجاب: إنَّ الأسى يبعث الأسى. الثاني: أنَّ ينيامين، ويسوف كانا من أمٍّ واحدة، وكانت المشابهة بينهما في الصِّفة متقاربة، فكان يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يتسلّى برؤيته عن رؤية يوسف عليه السلام، فلما وقع ما وقع، زال ما يوجبُ السَّلوة، فعظم الألم. الثالث: أنَّ المصيبة بيوسف كانت أصل مصائبه الَّتي عليها ترتب سائر المصائب، فكان الأسفُ عليه أسفاً على الكُلِّ. الرابع: أنَّ هذه المصائب كانت أسبابها جارية مجرى الأمور المعلومةِ، فلم يبحث عنها وأما واقعة يوسف صلوات الله وسلامه عليه فهو عليه السلام كان يعلمُ كذبهم في السَّببِ الذي ذكروه، وأما السَّببُ الحقيقي، فلم يعلمه. وأيضاً: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يعلم حياة هؤلاء، وأمَّا يوسف فما كان يعلم أنَّه حي، أو ميت، فلهذه الأسباب عظم حزنه على مفارقته. قوله: ﴿ياأسفا﴾ الألف منقلبة عن ياء المتكلم، وإنَّما قلبت ألفاً؛ لأنَّ الصَّوت معها أتم، ونداؤه على سبيل المجازِ، كأنَّه قال: هذا أوانُك فاحضر، نحو: «يَا حَسْرَتَا» . وقيل هذه ألف الندبة، وحذفت هاء السَّكت وصلاً. قال الزمخشريُّ: والتَّجانس بين لفظتي الأسف، ويوسف ممَّا يقعُ مطبوعاً غير متعمل فيملح، ويبدع، ونحوه: ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض أَرَضِيتُمْ﴾ [التوبة: 38] ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 26] ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: 10] ﴿مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ﴾ [النمل: 22] . قال شهابُ الدِّين: ويسمَّى هذا النَّوع تجنيس التَّصريف، وهو أن تشترك الكلمتان في لفظ، ويفرق بينهما بحرف ليس في الأخرى، وقد تقدَّم [الأنعام: 26] . وقرأ ابن عباسٍ، مجاهدٌ «مِنَ الحَزَن» بفتحتين، وقتادة بضمتين والعامة بضمة فسكون. فالحُزْن، والحَزَن، كالعُدْمِ، والعَدَم، والبُخْل والبَخَل، وأمَّا الضمتان فالثانية إتباعٌ. وقال الواحديُّ: اختلفوا في الحُزْنِ، الحَزَن، فقال قومٌ: الحُزْن: البُكاء والحَزَن ضد الفرحِ، وقال قومٌ: هما لغتان، يقال: أصَابهُ حُزْنٌ شديدٌ وحَزنٌ شديدٌ، إذا كان في مواضع النَّصب، فتحوا الحاء، والزَّاي كقوله: ﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع حَزَناً﴾ [التوبة: 92] ، وإذا كان في موضع الرفع، والخفض فبضم الحاءِ، كقوله: ﴿مِنَ الحزن﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ قال: هما في موضع رفع بالابتداء. و «كَضِيمٌ» يجوز أن يكون مبالغة بمعنى فاعل، وأن يكون بمعنى مفعول، كقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: 48] وبه فسَّرهُ الزمخشريُّ، فإن كان بمعنى الكَاظِم فهو الممسكل على حزنه فلا يظهره، وإن كان بمعنى المكظُومِ، فقال ابنُ قتيبةك «معناه المملوء من الهمّ، والحزن مع سدّ طريق نفسه المصدور، من كَظَمَ السِّقاء، إذا اشتدّ على ملئه، ويجوز أن يكون بمعنى مَمْلُوء من الغيظِ على أولاده» . فصل تقدَّم الكلام على الأسفِ، وأمَّا قوله: ﴿وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن﴾ فقيل: إنَّه لما قال: ﴿يا أسفا عَلَى يُوسُفَ﴾ غلبه البُكَاءُ، وعند غلبةِ البُكاءِ يكثرُ الماء في العين، فتصير العينُ كأنها ابيضَّت من بياض ذلك الماءِ، فقوله: ﴿وابيضت عَيْنَاهُ﴾ كناية عن غلبة البكاءِ. رواه الواحدي عن ابن عبَّاسٍ. وقال مقاتلٌ: كناية عن العمى، فلم يبصر بهما شيئاً حتى كشفهُ اللهُ تعالى بقميص يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بقوله: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، وقال: ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً﴾ [يوسف: 96] : ولأنَّ الحزن الدَّائم، يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمىح لأنَّه يوجب كُدُورة على سوادِ العين. وقيل: ما عمي، ولكنَّه صار بحيثُ يدرك إدراكاً ضعيفاً؛ كما قال: [الطويل] 3134 - خَلِيليَّ إنِّي قَدْ غَشِيتُ مِنَ البُكَا ... فهَلْ عِنْدَ غَيْرِي مُقلَةٌ اسْتَعِيرُهَا قيل: ما صحَّت عينا يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه، وتلك المدة ثمانون سنةن وما كان على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. قولهك «تَفْتَؤ» هذا جواب القسم في قوله: «تَاللهِ» وهو على حذف لا أي: لا تفتؤ كقول الشَّاعر: [البسيط] 3135 - تَاللهِ على الأيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بمُشْمَخرِّ بِهِ الظَّيَّانُ والآسُ أي: لا تبقى، ويدلُّ على حذفها: أنَّهُ لو كان مثبتاً؛ لاقترن بلام الابتداء ونون التَّوكيد معاً عند البصريين، أو إحداهما عن الكوفيين، وتقول: واللهِ أحبُّك: تريد لأحبك، وهو من التَّوريةِ، فإن كثيراً من النَّاس يتبادر ذهنه إلى إثباتِ المحبَّة، و «تَفْتَأ» هنا ناقصة بمعنى لا تزال. قال ابنُ السِّكيت: «ما زِلتُ أفعله، ما فَتِئت أفعلهُ، ما بَرحْتُ أفْعَلُه، ولا يتكلم بهنَّ إلاَّ في الجحد» . قال ابن قتيبة: «يقال: مَا فترت ومَا فَتِئت، لغتان، ومعناه: ما نسيته، وما انقطعتْ عنه» ، وإذا كانت ناقصة؛ فهي ترفع الاسم، وهو الضمير، وتنصب الخبر، وهو الجملة من قوله: «تَذْكرُ» أي: لا تزالُ ذاكراً له، يقال: ما فَتِىء زيدٌ ذاهباً؛ قال أوس بن حجرٍ: [الطويل] 3136 - فَمَا فَتِئَتْ حَتَّى كَأنَّ غُبَارهَا ... سُرَادِقُ يَوْمٍ ذِي ريَاحٍ تُرَفَّعُ وقال أيضاً: [الطويل] 3137 - فَمَا فَتِئَتْ خَيلٌ تَثوبُ وتدَّعِي ... ويَلحَقُ منهَا لاحِقٌ وتُقطَّعُ وعن مجاهدٍ: لا تفتر؛ قال الزمخشريُّ: كأنه جعل الفُتُوء، والفُتُورَ أخوين، كما تقدَّم عن ابنِ قتيبة، وفيهما لغتان: «فَتَأ» على وزن «ضَرَبَ» ، و «أفْتَأ» على وزن «أكْرَمَ» ، ويتكون تامَّة بمعنى: «سَكَنَ وأطْفَأ» كذا قاله ابنُ مالكٍ. وزعم أبُو حيَّان: أنه تصحيفٌ منه، وإنَّما هي فَثَأ بالثَّاءِ المثلثة، ورسمت هذه اللَّفظة «تَفْتَؤ» بالواو، والقياس «تَفْتَأ» بالألفن وكذلك يوقف لحمزة بالوجهين اعتباراً بالخطِّ، والقياس. قوله: «حَرَضاً» : الحَرَضُ: الإشفاءُ على الموت، يقال منه: حَرَضَ الرَّجلُ يحرُض حرضاً بفتح الرَّاء، فهو حرض بكسرهَا، فالحرض مصدر من هذه المادَّة فيجيء في الآية الأوجه التي في «رجُلُ عدلٌ» كما تقدم. ويطلق المصدر من هذه المادَّة على: «الحُثث» إطلاقاً شائعاً؛ ولذلك يستوي فيه المفرد، والمثنى، والمجموع، والمذكر، والمؤنث، تقول: هو حرضٌ، وهما حرضٌ وهُم حَرَضٌ، وهي حَرَضٌ، وهُنَّ حَرَضٌ؛ ويقال: رجلٌ حُرُضٌ بضمتين، نحو: جُنُب، وشُلْل. ويقال: أحْرَضهُ كذا، أي أهلكهُ؛ قال: [البسيط] 3138 - إنِّي أمرؤُ لجَّ بِي حُبِّ فأحْرَضنِي ... حتَّى بَلِيتُ وحتَّى شَفَّنِي السَّقمُ فهو مخرض. . قال الشَّاعر: [الطويل] 3139 - أرَى المَرْءَ كالأذْوَادِ يُصْبحُ مُحْرَضاً ... كإحْرَاضِ بكرٍ في الدِّيارِ مَريضِ وقرأ بعضهم «حَرِضاً» بكسر الرَّاء. وقال الزمخشريُّ: «وجاءت القراءة بهما جميعاً» يعنى بفتح الراء، وكسرها. وقرأ الحسن: «حُرُضاً» بضمتين، وقد تقدَّم أنه ك: «جُنُبٍ، وشُلُلٍ» ، وزاد الزمخشريُّ: وغُرُب» . وقال الراغب: الحَرَض: ما لا يعتدُّّ به، ولا خيرَ فِيهِ، ولذلك يقال لمن أشرف على الهلاك: حَرَض، قال تعالى: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ [يوسف: 85] ، وقد أحرصهُ كذا قال الشَّاعر: [البسيط] 3140 - إنِّي امْرُؤٌ لجَّ بِي همٌّ فأحْرَضْنِي ... والحُرْضَة: من لا يأكل إلاَّ لحم الميسر لنذالتهِ، والتَّحريضُ: الحثُّ على الشَّيء بكثرة التَّزيينِ، وتسهيل الخطب فيه، كأنَّه إزالة الحرض نحو: قَذَّيتُه، أي: أزلتُ عنه القَذَى، وأحرضتهُ: أفسدتهُ، نحو: أقذيتهُ: إذا جعلت فيه القَذَى «انتهى» . والحُرُضُ: الأشنانُ، لإزالته الفساد، والمِحْرضَة: وعاؤه، وشذوذها كشذوذ: مُنْخُل، ومُسْعُط، ومُكْحُلة. وحكى الواحديُّ عن أهل المعاني: أنَّ أصل الحَرَض: فساد الجسم، والعقل للحزن، والحبِّ، وقولهم: حرَّضتُ فلاناً على فلانٍ، تأويله: أفسدته وأحميته عليه، قال الله تعالى: ﴿حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال﴾ [الأنفال: 65] . وإذا عرفت هذا فوصف الرَّجُل بأنه حرض إمَّا أن يكون المراد منه: ذو حرض فحذف المضاف، أو المراد منه: أنَّه لما تناهى في الفسادِ، والضعفح فكأنَّه صار عين الحرض، ونفس الفسادِ، وأمَّا الحَرِض بكسر الراء فهو الصِّفة كما قرىء بها وللمفسِّرين فه عباراتُ: أحدها: الحَرَض، والحَارِضُ، وهو الفساد في جسمه، وعقله. وثانيها: قال نافع بن الأزرق: سئل ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما فقال: الفاسد الرَّأي. وثالثها: أنه هو الذي يكون لا كالأحياء، ولا كالأموات. وذكر أبو روق أنَّ أنس بن مالك قرأ: ﴿حتى تَكُونَ حَرَضاً﴾ بضمِّ الحاء وسكن الرَّاء. ثم قال تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين﴾ من الأموات، والمعنى: لا تزال تذكر يوسف بالحزن، والبكاء عليه حتى تصير بحث لا تنتفع بنفسك، أو تموت من الغمّ، وأرادوا بذلك منعه من كثرةِ البُكاءِ، والأسف. فإن قيل: لم حلفوا على ذلك مع أنَّهم لم يعلموا ذلك قطعاً؟ . فاالجواب: أنَّهم بنوا الأمر على الظَّاهر. قال المفسِّرون: القائل هذا الكلام، وهوقوله: ﴿تالله تفتؤ تذكر يوسف﴾ هم إخوة يوسف، وقال بعضهم: ليسوا الإخوة، بل الجماعة الذين كانوا في الدَّار من أولاده وخدمه، فقال يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ والبَثُّ: أشدُّ الحزن، كأنَّه لقوته لا يطاق حمله، فيبثه الإنسان، أي: يفرِّقه، ويذيعه وقد تقدَّم [آل عمران: 186] أنَّ أصل هذه المادَّة الدلالة على الانتشار، وجوَّز فيه الرَّاغب هنا وجهين: أحدهما: أنه مصدر في معنى المعفولِ، قال: «أي: غمّي الذي يبثه عن كتمانٍ، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو يعني غمِّي الذي بثَّ فكري، فيكون في معنى الفاعل» . وقرأ الحسن وعيسى «وحَزَنِي» بفتحتين، وقتادة بضمتين، وقد تقدم. فصل المعنى: أن يعقوب عليه السلام لما رأى غلظتهم، قال: إنَّما أشكو شدَّة حزني إلى الله، وسمَّى شدَّة الحزن بثًّا؛ لأنَّ صابحه لا يبصر عليه حتى يبثه، أي: [يظهره] . وقال الحسن: بَثِّي، اي: حاجتي، والمعنى: أنَّ هذا الذي أذكره لا أذكره معكم، وإنَّما أذكره في حضرةِ الله تعالى والإنسان إذا ذكر شكواه إلى الله تعالى كان ف يزمرة المحققين. وروي أنَّهُ قيل له: يا يعقوبك ما الذي أذهب بصرك، وقوَّص ظهرك؟ قال: أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه؛ فأوحى الله إليه: أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال: ﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ ثم قال: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلمُ من رحمته وأحسانه ما لا تعلمون، وهو أنَّه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه، وهو إشارة إلى أنه كان يتوقَّع رجوع يوسف إليه، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوهاً: أحدها: أنَّ مالك الموت أتاهُ فقال له: يا مالك الموت! هل قبضت روح ابني يوسف قال: لا يا نبيَّ الله، ثمَّ أشار إلى جانب مصر، وقال: اطلبهُ هاهنا. وثانيها: أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنَّها صادقةٌ، وأنا وأنتم سنسجد له. وثالثها: لعلَّه تعالى أوحى إليه أنَّه سيوصله إليه، ولكنَّه تعالى ما عيَّن الوقت؛ فلهذا بقي في القلب. ورابعها: قال السديُّ: لما أخبره بنوه بسيرة الملك، وحاله في أقواله، وأفعاله؛ طمع أن يكون هو يوسف، وقال: لا يبعدُ أن يملك الكفَّار مثلُ هذا. وخامسها: علم قطعاً أن بنيامين لا يسرقُ، وسمع أنَّ الملك ما آذاه، ولا ضربه؛ فغلب على [ظنه] أنَّ ذلك الملك هو يوسف عليه السلام، فعند ذلك قال: ﴿يا بني اذهبوا تحسّسوا من يوسف وأخيه﴾ أي: استقصوا خبره بحواسِّكم، والتَّحَسُّسُك لطب الشَّيء بالحاسَّة. قال ابنُ الأنباريِّ «يقالُ: تَحَسَّسْتُ عن فلانٍ، ولا يقال: من فلان، وقيل: ههنا من يوسف؛ لأنه أقيم: «مِنْ» مقام: «عَنْ» قال: ولا يجوز أن يقال: «مِنْ» للتعبيض، والمعنى: تحَسَّسُوا خبراً من أخبار يوسف، واستعملوا بعض أخبار يوسف فذكرت كلمة» مِنْ «لما فيها من الدلالة على التبعيض» . والتحسُّسُ: يكون في الخيرِ والشَّر، وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في الشَّر، ولذلك قال هاهنا: «فتَحَسَّسُوا» ، وفي الحجرات: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُواْ﴾ [الحجرات: 12] . وليس كذلك فإنه قد قرىء بالجميم هنا. ثم قال: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ الله﴾ وتقدَّم الخلاف في قوله: ﴿وَلاَ تَيْأَسُواْ﴾ . وقرأ الأعرج: «ولا تَيْسُوا» وقرأ العامة: «رَوْحِ اللهِ» بالفتح، وهو رحمته وتنفيسه. قال الأصمعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ «الرَّوحُ ما يجدهُ الإنسان من نسيم الهوى، فيسكن إليه، وتركيب الرَّاء، والواو، والحاء يفيد الحركة، وهو الاهتزازُ، فكلُّ ما يهتزُّ له الإنسان، ويلتذُّ بوجوده فهو روح» . قال ابن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: ﴿لا تيأسو من روح الله﴾ أي من رحمته وعن قتادة من فضل الله، وقيل: مِن فَرِجِِ اللهِ. وقرأ الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بضمِّ الراء. قال الزمخشريُّ: «لا تَيْأسوا، أي: من رحمته التي يحيى بها العباد» . وقال ابن عطية: وكأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن من بقي روحه يرجى؛ ومن هذا قول الشاعر: [الطويل] 3141 - ... ... ... ... ... ... ... ... وفِي غَيْرِ من قَدْ وَارتِ الأرضًُ فاطْمَعِ ومن هذا قول عبيد بن الأبرص: [مخلع البسيط] 3142 - وكُلُّ ذِي غيبَةٍ يَئُوبُ ... وغَائِبُ المَوتِ لا يَئُوبُ وقرأ أبي: مِنْ رحْمةِ اللهِ، و «عِنْدَ اللهِ» : «مِنْ فضلِ الله» تفسير لاتلاوة. وقال أبو البقاء: «والجمهور على فتح الرَّاء، وهو مصدر في معنى الرَّحمة إلا أنَّ استعمال الفعل منه قليل، وإنِّما يستعمل بالزِّيادة، مثل أراح، ويقرأ بضمِّ الرَّاء، وهي لغةٌ فيه، وقيل: هو اسم للمصدر، مثل الشُّربِ والشَّرب» . ثم قال: ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون﴾ قال ابن عبَّاس: إن المؤمن من من الله على خير يرجوه في البلاءِ، ويحمده في الرَّخاء. واعلم أنَّ اليأس من رحمة الله لا يحصلُ إلاَّ إذا اعتقد الإنسان أنَّ إله العالم غير قادر على الكمالِ، أو غير عالم بجميع المعلوماتِ، أو ليس بكريمٍ، بل هو بخيلٌ، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، والمعنى: أنَّ اليأس لا يحصل إلاَّ لمن كان كافراً، والله أعلم. فصل روي عن عبد الله بن يزيد بن أبي فروة: أنَّ يعقوب كتب كتاباً إلى يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين حبس بنيامين: «من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله صلوات الله وسلامه عليه إلى ملك مصر، أما بعد: فإنا أهلُ بيتٍ، وكل بناء البَلاءُ، أما جدّي إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فشُدَّتْ يداه، ورجلاه، وألقي في النَّار؛ فجلعها الله عليه برداً وسلاماً، وأمَّا أبي فشدَّت يداه ورجلاه، ووض السِّيكن على قفاه؛ ففداه الله، وأمَّا أنا فكان لي ابنٌ، وكان أحبَّ أولادي إليّ، فذهب به إخوته إلى البرِّيةِ، ثم أتوني بقيمصه ملطّخاً بالدَّم، فقال: أكله الذِّئب؛ فذهبت عيناي، ثمَّ كان لي ابن، وكان أخاه من أمه، وكنت أتسلى به، وأنِّك حبسته، وزعمتَ أنَّه سرق، وأنَّا أهل بيتٍ لا نسرقُ، ولا نَلِدُ سَارقاً، فإن ردَدْتَهُ عليّن وإلاَّ دَعوتُ علَيْكَ دعْوة تُدرِكُ السَّابعَ من وَلدِك» . فلما قرأ يوسف لم يتمالك البُكاء، [وعيل] صبره، وأظهر نفسه على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قال ابن الخطيب: في الآية سؤالات: الأول: أنَّ بلوغ يعقوب في محبة يوسف إلى هذا الحدِّ العظيم لا يليقُ إلا لمنْ كان غافلاً عن الله تعالى؛ لأنَّ من عرف اللهِ؛ أحبه، من أحبَّ اللهَ لم يتفرغْ قلبه بحب شيءٍ سوى اللهِ تعالى وأيضاً: القلبُ الواحدُ لا يسع الحب المستغرب لشيئين، فلمَّا كان قلبه مستغرقاً ف يحبّ ولده؛ امتنع أن يقال: إنَّه كان مستغرقاً في حبّ الله تعالى؟ . السؤال الثاني: أنّضه عند استيلاء الحزن الشَّديد عليه؛ كان من الواجب عليه أن يشتغل بذكر اللهِ تعالى والتفويض، والتَّسليم لقضائه. وأما قوله: ﴿يا أسفا على يوسف﴾ ، فذلك لا يليقُ بأهل الدِّين والعلم فضلاً عن أكابرِ الأنبياء صلواتا لله وسلامه عليهم أجمعين؟ . السؤال الثالث: لا شكّ أن يعقوب عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ت كان من أكابر الأنبياء وكان أبوه، وجده، وعمه كلهم من أكابر الأنبياء المشهورين في جميع الأنبياء ومن كان كذلك، ثم وقعت له واقعةٌ هائلة في أعزِّ أولاده، لم تبق تلك الواقعة خفيَّة، بل لا بدَّ، وأن تبلغ في الشُّهرة إلى حيث يعرفها كل أحدٍ، لا سيما، وقد انقضت المدَّة الطويلة فيها، وبقي يعقوب على حزنه الشديد، وأسفه العظيم، وكان يوسف في مصر، وكان يعقوب في بعض [بوادي] الشَّام قريباً من مصر، فمع قرب المسافة يمتنع بقاء هذه الواقعة خفية. السؤال الرابع: لِمَ لَمْ يبعث يوسف إلى يعقوب ويعلمه أنَّه من الحياة صلاة الله عليهما وفي السِّلامة ولا يقال: إنه كان يخاف إخوته؛ لأنه بعد أن صار ملكاً قاهراً يمكنه إرسال الرسول إليه، وإخوته ما كانوا يقدرون على دفع رسوله؟ . السؤال الخامس: كيف جاز ليوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أن يضع الصَّواعَ في وعاءٍ أخيه، ثم يستخرجه ويلصقُ به تهمة السرقة مع أنَّه كان بريئاً عها. السؤال السادس: كيف رغب في إلصاق هذه التُّهمة له، وحبسه عند نفسه مع أنَّهُ كان يعلم أنه يزداد حزن أبيه ويقوى؟ . والجواب عن الأول: أنَّ مع مثل هذه المحبة الشَّديدة يكون كثير الرُّجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدُّعاء، والتضرُّع، وذلك يكون سبباً لكما الاستغراق وعن الثاني: أنَّ الداعية الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة، فتارة كان يقول ﴿يا أسفى على يوسف﴾ وتارة كان يقول: ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ وأما بقية الأسئلة، فالقاضي أجاب عنها فقال: هذه الوقائعُ الَّتي نقلت إلينا إمَّا أن يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لايمكن، فإن كان الأوَّل، فلا إشكالَ وإن كان الثاني فنقول: كان الزَّمان زمان الأنبياء، وخرق العادة في ذلك الزمان غير مستبعدٍ، فلم يمتنع أن يقال: إنَّ بلدة يعقوب مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل يقتضي العلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.