الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ الآية لما ذكر الدَّليل على معرفة المبدأ ذكر بعده ما يدلُّ على المعادِ. قال ابن عبَّاس رضي الله عهما: «إنْ تعجب من تكذيبهم إيَّاك بعد ما حكموا عتليك بأنَّك من الصَّادقين، فهذا عجبٌ» . وقيل: إن تعجب يا محمَّدُ من عبادتهم ما لا يملك لهم ضرًّا، ولا نفعاً بعد ما عرفوا الدلائل الدِّالة على التوحيد، فهذا عجبٌ. وقيل: تقدير الكلام: وإن تعجب يا محمد صلوات الله عليه فقد تعجبت في موضع العجب، لأنهم لما اعترفوا بأنه تعالى مدبِّر السموات، والأرضيين، وخالق الخلق أجمعين، وأنَّه هو الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها، وأنَّه الذي سخر الشَّمس، والقمر على وفق مصالح العباد، وهو الذي أظهر في العالم أنواع العجائب، والغرائب، فمن كانت قدرته وافية بهذه الأشياء العظيمة، كيف لا تكون وافية بأعادة الإنسان بعد موته؛ لأنَّ القادر على الأقوى يكون قادراً على الأضعفِ بطريق الأولى، وهذا تقرير موضع التَّعجُّب. قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مقدم، و «قَوْلُهمْ» مبتدأ مؤخَّرٌن ولا بد من حذف [صفة] لتتمْ الفائدة، أي: فعجب أي عجب، أو غريب، ونحوه. الثاني: أنه مبتدأ، وسوَّغ الابتداء ما ذكر من الوصف المقدر، ولا يضر حنيئذٍ كون خبره معرفة، هذا كما أعرب سيبويه: كم مالك وخير من أقصد رجلاً خير منه أبوه مبتدأين لمسوغ الابتداء بهما، وخبرهما معرفةٌ، قاله أبو حيَّان. وللنزاع فيه مجال؛ على أنَّ هناك علّة لا تتأتى هنا، وهي: أنَّ الذي حمل سيبويه على ذلك من المسألتين أن أكثر ما تقع موقع «كَمْ» ، وخبر «مَا» هو مبتدأ؛ فلذلك حكم عليهما بحكم الغالب بخلاف ما نحنُ فيه. الثالث: أنَّ «عَجَبٌ» مبتدأ بمعنى معجب، و «قَوْلُهمْ» فاعل به، قاله أبو البقاء. ورد عليه أبو حيَّان: بأنهم نصُّوا على أنَّ «فعلاً وفعَلة وفُعْلاً» ينوبُ عن «مَفْعُول» في المعنى، ولا يعمل عمله، فلا تقول: «مَرَرْتُ بِرجُل [ذبح] كَبْشَهُ ولا غَرَفَ مَاءهُ ولا قَبضَ مالهُ، وأيضاً فإنَّ الصفات لا تعمل إلاَّ إذا اعتمدت على أشياء مخصوصة وليس منها هنا شيء. والعَجَبُ: تغير النَّشفس برؤية المستبعد في العادة. وقال القرطبيُّ: العَجَبُ تغير النفس بما يخفى أسبابه. قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستفهامية وجهان: أظهرهما: أنَّها منصوبة المحل لحكايتها بالقول. والثاني: أنَّها، وما في حيزها في محل رفع بدلاً من:» قَوْلهِمْ» وبه بدأ الزمخشريُّ وعلى هذا فقولهم بمعنى مقولهم ويكونُ بدل كُلِّ؛ لأنَّ هذا هو نفس «قَوْلُهُم» ، و «إذَا» هنا ظرفٌ محضٌ، وليس فيها معنى الشَّرط، والعاملُ فيها مقدر يفسره ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تقديره: أئذا كُنَّا تراباً نبعث، أو نحشر، ولا يعمل فيها: ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ لا، ما بعد» إذَا «لا يعملُ فيما قبلها، ولا يعمل فيها» كُنَّا «لأضافتها إليها. واختلف القراء في هذا الاستفهام المكرر اختلافاً منتشراً، وهو في أحد عشر موضعاً في تسع سور من القرآن ولا بد من تعيينها، [وبيان] مراتب القرَّاء فيها، فإن ضبطها عسر ليسهل ذلك بعون الله تعالى. فأولها: ما في هذه السورة. والثاني، والثالث: الإسراء وهما: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: 49] موضعان. الرابع في المؤمنون: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82] . الخامس في النمل: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: 67] . السادس في العنكبوت: ﴿لَتَأْتُونَ الفاحشة مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالمين أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال﴾ [العنكبوت: 28، 29] . السابع في» الم» السجدة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] . الثامن، والتاسع في الصافات موضعان [الصافات: 16] . العاشر: في الواقعة: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الواقعة: 47] . الحادي عشر في النازعات: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً﴾ [النازعات: 10، 11] . فهذه هي المواضع الختلف فيها، وأمَّا ضبط الخلاف فيها بالنِّسبة إلى القراء فيه طريقان: أحدهما: بالنِّسبةإلى ذكر القرَّاءِ. والثاني: بالنسبة إلى ذكر السُّور. فاعلم أنَّ هذه المواضعِ تنقسم قسمين: قسم منها سبعة مواضع لها حكم واحد، وقسم منها أربعة مواضع، لكلِّ منها حكم على حدته. أمَّا القسمُ الأوَّل فمنه في هذه السورة، والثاني، والثالث في: «سُبْحَانَ» والرابع: في «المؤمنون» ، والخامس: في «الم» السجدة، والسادس، والسابع: في الصافات وحكمها: «أنَّ نافعاً، والكسائي يستفهمان في الأول، ويخبران في الثاني، وأن ابن عامر يخبر في الأول، ويستفهم في الثاني، والباقين يستفهمون في الأول والثاني. وأما القسم الثاني، فأوله ما في سورة النمل، وحكمه: أن نافعاً يخبر عن الأول، ويستفهم في الثاني، وأن ابن عامر والكسائي بعكسه، وأن الباقين يستفهمون فيهما. الثاني: ما في العنكبوت، وحكمه: أن نافعاً، وابن كثير، وابن عامر، وحفصاً يخبرون في الأول، ويستفهمون في الثاني، والباقون، يستفهمون فيهما. الثالث: ما في سورة الواقعة، وحكمه: أن نافعاً، والكسائي يستهفمان في الأول، ويخبران في الثاني، والباقون يستفهمون فيهما. الرابع: ما في سورة النازعات، وحكمه: أن نافعاً وابن عامر والكسائي يستفهمون في الأول، وخبرون في الثاني، والبقاين يستفهمون فيهما. وأما الطريق الآخر بالنسبةإلى القراء؛ فإنهم فيها على أربع مراتب: الأول: أن نافعاً قرأ بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، إلا في النمل والعنكبوت فإنه العكس. المرتبة الثانية: أنَّ ابن كثير، وحفصاًم قرآ بالاستفهام في الأول والثاني إلا الأول من العنكبوت فقرآه بالخبر. المرتبة الثالثة: أنَّ ابن عامرٍ قرأ بالخبر في الأوَّل، والاستفهام في الثَّاني إلا في النمل، والواقعة، والنازعات، فقرأ في النمل، والنازعات بالاستفهام في الأول، وبالخبر في الثاني، وفي الواقعة بالاستفهام فيهما. المرتبة الرابعة: الباقون وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر رضيه الله عنهم أجمعين قرءوا بالاستفهام في الأول، والثاني، ولم يخالف أحدٌ منهم أصله. قال شهاب الدين: «وإنما ذكرت هذين الطريقين لعسرهما، وصعوبة استخراجهما من كتب القراءات. فأمَّا وجه قراءة من استفهم في الأوَّل، والثاني؛ فقصد المبالغة في الإنكار، فأتى به في الجملة الأولى، وأعاده في الثانية تأكيداً له، ووجه من أتى به مرة واحدة: حصول المقصود به؛ لأنَّ كل جملة مرتبطة بالأخرى، فإذا أنكر في إحداها حصل الإنكارُ في الأخرى، وأمَّا من خالف أصله في شيءٍ من ذلك، فلاتباع الأثر» . فصل هذا الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومعناه: أنَّك تعجبُ من إنكارهم النَّشأة الأخرى مع إقرارهم باتبداءِ الخلق، فعجب أمرهم، وكان المشركون ينكرون البعث مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله عزَّ وجلَّ وحقد تقرَّر في القلوب أنَّ الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب. ثم قال: ﴿أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّ من أنكر البعث والقيامة فهو كافرٌ، وإنما لزم من إنكار البعثِ الكفر بالله تعالى؛ لأنَّ إنكار البعث لا يتمُّ إلا بإنكار القدرة، والعلم، والصدق، وأما إنكار القدرة فكقوله: الله غير قادر على الإعادة، وأما إنكار العلم فكقوله: الله غير عالم بالجزيئات، فلا يمكنه تمييز المطيع عن العاصي، وأمَّا إنكار الصِّدق فكقولهم: إنَّه أخبر عنه، ولكنه لا يفعل؛ لأنَّ الكذب جائز عليه، وكل ذلك كفرٌ بالله تعالى. ثم قال: ﴿وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ قال الأصمُّ: المراد بالأغلالِ: كفرهم وذلهم، وانقيادهم للأصنام، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: 80] ؛ وقال الشاعر: [البسيط] 3165 - ... ... ... ... ... ... ... لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أغْلالٌ وأقْيَادُ ويقال للرَّجلُ: هذا غلٌّ في عنقك للعمل الرَّديء، معناه: أنَّه [ملازم] لك، وأنت مُجازًى عليه بالعذابِ. قال القاضي: هذا وإن كان محتملاً؛ لكن حمل اللفظ على الحقيقة أولى. قال ابن الخطيب: «أقول على نصرة الأصم، بأن ظاهر الآية يقتضي حصول الأغلال في أعناقهم في الحالِ، وذلك غير حاصل، فإنهم يحملون هذا اللفظ على أنًَّه سيحصل هذا المعنى، ونحنُ نحمله على أنه حاصلٌ من الحالِ، والمراد بالأغلال ما ذكره فكلُّ واحدٍ منا تارك للحقيقة من بعض الوجوه، فلمَ كَانَ قولكم أقوى؟» . وقيل: المعنى: أنَّهُ تعالى يجعل الأغلال في أعناقهم يوم القيامة، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: 71] إلى قوله: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: 72] . ثم قال: ﴿وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ والمراد منه التَّهديد بالعذاب المخلد المؤبّد، وذلك يدلُّ على أنَّ العذاب المؤبَّد ليس إلا للكفَّار؛ لأن قولهم: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ يدلُّ على أنَّهم هم الموصوفون بالخُلودِ لا غيرهم فدل على أنَّ أهل الكبائر لا يخلدون في النَّارِ. فإن قيل: العجبُ هو الذي لا يعرف بسبب، وذلك في حق الله تعالى محالٌ، فكيف قال: «فعجَبٌ قَولُهُمْ» ؟ . فالجواب: المعنى: فعجب عنك. فإن قيل: قرأ بعضهم: «بَل عَجِبْتُ» بإضافة العجب إلى نفسه. فالجواب: أنَّا قد بيَّنا أنَّ مثل هذه الألفاظ يجبُ تنزيهها عن مبادىْ الأعراض ويجب حملها على نهايات الأعراض ونهاية التعجب أن الإنسان إذا تعجّب من الشيء أنكره، فكان التعجب في حقِّ الله تعالى محمولاً على الإنكار. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة﴾ وعلم أ، النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يهددهم تارة بعذاب القايمة، وتارة بعذاب الدنيا، والقوم كلَّما هددهم بعذاب القيامة، أنكروا القيامة، والبعث، والنشر كما تقدَّم في الآية الأولى، وكلما هددهم بعذاب الدنيا استعجلوه، وذلك أنَّ مشركي مكَّة كانوا يطلبون العقوبة بدلاً من العافية استهزاء منهم يوقلون: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32] . قوله «قَبْلَ الحَسَنةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ بالاستعجالِ ظرفاً لهُ. والثاني: أنه متعلق بمحذوفٍ على أنَّه حال مقدرة من السيئة، قاله أبو البقاء. قوله: «وقَدْ خَلتْ» يجوز أن تكون حالاً وهو الظاهر، ويجوز أن تكون مستأنفة. والعامة على فتح الميم، وضم المثلثة الواحدة مثله، ك «سَمُرَة» وسَمْرَات «و» صَدُقَة وصَدُقَات» وهي العقوبة الفاضحة. قال ابن عباس: «العقوبات المتأصلاتُ كمثلات قطع الأذن، والأنف، ونحوهما» . سُمَّيت بذلك لما بين العقاب، والمعاقب عليه من المماثلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، ولأخذها من المثال بمعنى القصاصِ. يقال: أمثلتُ الرَّجل من صاحبه، وأقصصته بمعنى واحدٍ، أو لأخذها من ضربِ المثل لعظم شأنها. وقرأ ابن مصرف» المَثْلات «بفتح الميم، وسكون الثاء، وقيل: وهي لغة الحجاز في مثله. وقرأ ابن وثاب: بضم الميم، وسكون الثاء، وهي لغة تميم. وقرأ الأعمش، ومجاهد بفتحهما، وعيسى بن عمرو، وأبو بكر في رواية بضمهما. فأما الضم، والإسكان: فيجوز أن يكون أصلاً بنفسه لغة، وأن يكون مخففاً في من قراءة الضم، والإسكان نحو» العُشْر في العَشَر «وقد عرف ما فيه. قال ابنُ الأنباري:» المَثُلَة: العقوبة المبينة في المعاقب شيئاً، وهو تغيير تبقى الصورة معه قبيحة، وهو من قولهم: مثل فلانٌ بفلانٍ: إذا قبح صورته إمَّا بقطع أنفه، أو أذنه، أو سمل عينيه، أو بقر بطنه؛ فهذا هو الأصل، ثم يقال للعار الباقي والخزي الدائم اللازم مُثْلَه» . وقال الواحدي: «وأصل هذا الحرف من المثل الذي هو الشبه، ولما كان الأصل أن يكون العقاب مشابهاً للمعاقب عليه، ومماثلاً له سمي بهذا الاسم» . والمعنى: يستعجلونك بالعذابِ الذي لم نعاجلهم به، وقد علموا ما نزل من عقوباتنا بالأمم الخالية، أفلا يعتبرون بها. ثم قال ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ وهذا يدلُّ على أنه سبحانه وتعالى قد يعفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبةن لأن قوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ ، أي: حال اشتغالهم بالظلم كما يقال: رأيت الأمير على أكله، أي حال اشتغاله بالأكل، وهذا يقتضي كونه تعالى غافراً للناس حال اشتغالهم بالظلم، ومعلوم أنَّ حال اشتغال الإنسان بالظلم لا يكون تائباً؛ فدلَّ هذا على أنه تعالى قد يغفر الذُّنوب قبل الاشتغالِ بالتوبة، وترك العمل بهذا الدليل في حق الكفر؛ فوجب أن يبقى معمولاً به في حق غير الكفرة، وهو المطلوبُ. ويقال: إنَّهُ تعالى لم يقتصر على قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾ بل عطف عليه قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ ؛ فوجب أن يحمل الأول على أصحاب الكبائر، ويحتمل الثاني على الكفَّار. قال المفسريون: «لَذُو مَغْفرةٍ» لذو تجاوز عن المشركين إذا آمنوا وعن المذنبيين إذا تابوا. وقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أرجى آية في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ إذا أصرُّوا على الكفر. وروى حمّضاد بن سلمة عن عليِّ بن زيد عن سعيد بن المسيب رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى قال: لما نزلت: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «لَوْلاَ عَفْوُ اللهِ ورَحْمتهُ وتَجاوُزهُ لمَا هَنأ أحَدا عَيْشٌ ولوْلاَ عِقابهُ ووَعِيدهُ وعَذابَهُ لاتَّكلَ كُلُّ أحدٍ» . فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد: لذو مغفرة لأهل الصَّغائر لأجل أنَّ عقوبتهم مكفرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون المراد إنَّ ربك لذو مغفرة إذا تابوا، وأنه تعالى إنَّما لا يعجل العقاب إمهالاً لهم في الإتيان بالتَّوبة، فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم، ويكون المراد من هذه المغفرة [تأخير العقاب] إلى الآخرة، بل نقول: يجب حمل اللفظ عليه؛ لأنَّ القوم طلبوا تعجيل العذاب، فجيب أن تحمل المغفرة على تأخير العذاب حتى ينطبق الجواب على السُّؤال. ثم يقال: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ إمهالهم بالتَّوبة، ولا يعجل بالعقوبة، فإن تابوا، فهو ذو مغفرة، وإن لم يتوبوا؛ فهو شديد العقاب؟ . فالجواب عن الأوَّل: أن تأخير العذاب لا يمسى مغفرة، وإلاَّ لوجب أن يقال: إن الكفار كلهم مغفور لهم؛ لأنَّ الله تعالى أخَّر عقابهم إلى الآخرة. وعن الثاني: أنَّ الله تمدَّح بهذا، التَّمدُّح إنما يصحل بالتفضيل، أما أداء الواجب، فلا تمدح فيه، وعندكم يجب غفران الصغائر. وعن الثالث: أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة؛ فسقطت الأسئلةُ. قوله: ﴿على ظُلْمِهِمْ﴾ حال من «النَّاسِ» والعامل فيها، قال أبو البقاءِ «مَغْفرةٍ» يعني: أنه هو العامل في صاحبها. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ الآية شلما بين تعالى أنَّهم طعنوا في النبوة بسبب طعنهم في الحشر والنشر ثم طعنوا في النبوَّة أيضاً بسبب طعنهم في صحَّة ما ينذرهم به من نزول العذابِ، بين أيضاً أنهم طعنوا في نبوَّته، وطلبوا منه المعجزة. والسَّببُ في كونهم أنكروا كون القرآن معجزة: أنهم قالوا هذا كتابٌ مثلُ سائر الكتب، وإتيان الإنسان بتصنيف معين لا يكون معجزاً، وإنَّما يكون المعجز مثل معجزات موسى. واعلم أنَّ من الناس من زعم أنَّهُ لم يظهر معجزة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سوى القرآن، قالوا: لأن هذا الكلام إنَّما يصحُّ إذا طعنوا في كونِ القرآنِ معجزاً ولم يظهر معجزاً غيره؛ لأنه لو ظهر معجزة مغيره لم يحسن أن يقال: ﴿لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ وهذا يدلُّ على أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ما كان له معجزة سوى القرآنِ. والجواب: عنه من وجهين: الأول: لعلََّ المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوها من حينين الجزع، ونبع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير الطعام القليل؛ فطلبوا منه معجزاتن قاهرة غير هذه، مثل: فلقِ البَحْرِ لموسى، وقلب العصا ثُعْبَاناً. فإن قيل: فما السبب في أنَّ الله منعهم، وما أعطاهم؟ . فالجواب: أن الله تعالى لما أظهر المعجزة الواحدة، فقد تَمَّ الغرض، فيكون طلب الثاني تحكماً، وظهور القرآن معجزةم، فما كان من ذلك حاجة إلى معجزات آخر. وأيضاً: فلعلَّه تعالى علم أنَّهم يصرُّون على العناد بعد ظهور المعجزة الملتمسة وكونهم يصيرون حينئذٍ يستوجبون عذاب الاستئصال، فلهذا السبب ما أعطاهم ملطوبهنم، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 23] فبيَّن أنَّه لم يعطهم مطلوبهم، لعلمه أنَّهم لا ينتفعون به. وأيضاً: ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له، وهو أنَّه كلَّما أتى بمعجزة جاء آخر، وطلب معجزة أخرى، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو باطلٌ. والوجه الثاني: لعلَّ الكفار قالا ذلك قبل مشاهدة سائر المعجزات. ثم قال: «إنَّما أنْتَ منذرٌ» مخوف. قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ هذا الكلام مستأنف مستقبل من مبتدأ، وخبر. والثاني: أنَّ «لكُلِّ قَوْمٍ» متعلقٌ «هَادٍ» ، و «هاد» نسق على «مُنْذِرٌ» ، أي: إنَّما أنت منذرٌ وهادٍ لكل قوم، وفي هذا الوجه الفصل بين حرف العطف، والمعطوف بالجار وفيه خلاف تقدم. ولما ذكر أبو حيان هذا الوجه، لم يذكر هذا الإشكال، ومن عادته ذكره ردًّا به على الزمخشري. الثالث: أنَّ «هادٍ» خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: إنَّما أنت منذرٌ، وهو لكلِّ قوم هادٍ، ف «لكُلِّ» متعلقٌ به أيضاً. ووقف ابن كثير على «هَادٍ» [الرعد: 33] [الزمر: 23، 36] و «واقٍ» حيث وقعا، وعلى «والٍ» ن و «باقٍ» [النحل: 96] [الرعد: 34، 37] في النحل بإثبات الياء، وحذفها الباقون. ونقل ابن مجاهد عنه: أنه يقف بالياء في جميع الياءات. ونقل عن ورش: أنَّه خير في الوقف بين الياء، وحذفها. والباب: هو كل منقوصٍ منونٍ غير منصرف، واتفق القراء على التوحيد في «هَادٍ» . فصل إذا جعلنا «ولكُلِّ قوم هادٍ» كلاماً مستأنفاً، فالمعنى: أنَّ الله تعالى خصَّ كلَّ قوم بنبيٍّ، ومعجزة تلائمهم، فَلمَّا كان الغالب في زمن موسى عليه السلام السحر؛ جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم، ولما كان الغلب في زمن عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ الطب، جعل معجزته ما كان من تلك الطريقة، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمة، والأبرص، ولما كان الغالبُ في زمان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الفصاحة، والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقاً بذلك الزمان، وهو فصاحة القرآن، فلمَّا لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع أنَّها أليق بطبائهم، فبأن لا يؤمنون بباقي المعجزات أولى، هذا تقرير القاضي، وبه ينتظم الكلام. وقيل: المعنى أنهم إذا جحدوا كون القرآن معجزة لا تضيق قلبك بسببه، و «إنَّما أنْتَ مُنذِرٌ» ، أي ما عليك إلاَّ الإنذار، وأمَّا الهداية فليست عغليك، فإنَّ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قادر على هدايتهم. والمعنى: إنَّ الهداية من الله. فصل قيل: المنذر، والهادي شيءٌ واحدٌ، والتقدير: إنَّما أنتَ مُنذِرٌ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ منذر على حدةٍ، ومعجزة كل واحد غير معجزة الآخر. وقيل: المنذر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والهادي: هو الله تعالى قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك. وقال عكرمة: الهادي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: أنت منذر، وأنت هاد لكل قوم، أي: داع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.