الباحث القرآني

قوله: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ الآية لما ذكر عذاب الكفار وبطلان أعمالهم ذكر هنا كيفية حجتهم عند تمسك أتباعهم، وكيفية افتضحاهم عندهم. و «بَرَزَ» معناه في اللغة: ظَهَرَ بَعْدَ الخفاءِ، ومنه يقال للمكانِ الواسع البرَازُ لظهوره. وقيل: في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] أي: ظاهرة لا يسترها شيء وامْرأةٌ بَرْزَةٌ: إذا كانت تعظهر للنَّاس، ويقال: فلانٌ برز على أقرانه، إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل إذا سبق أحدهما قيل: بَرَزَ عَليْهَا كأنَّهُ قد خرج من غُمارها. وورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال؛ لأنَّ كل ما أخبر الله عنه فهو حقٍّ وصدق، فصار كأنه قد حصل، ودخل في الوجود، كقوله تعالى: ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] . فصل البُرُوزُ في اللغة قد تقدَّم أنه بمعنى الظُّهور بعد الاستِتَارِ وهذا في حق الله محالٌ، فلا بد من التأويل، وهو من وجوه: الأول: أ، هم كانوا يستترون من الغير عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك يخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا عند الله تعالى وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية. والثاني: أنَّهم خرجوا من قبورهم، فبرزوا لحساب الله تعالى قالت الحكماءُ: إنَّ النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء، وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله تعالى. ثم حكى أن الضعفاء يقولون للرؤساء «إنّا كنا لكم تعباً» أي: إنما اتبعناكم لهاذ اليوم «فَهلْ أنتُم مُّغنُونَ» دافعون: ﴿عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ . و «تَبَعاً» يجوز أن يكون جمع تابع، كخَادِم وخَدَم، وغَائِب وغَيَب ونَافِر ونَفَر، وحَارِس وحَرَس، ورَاصِد ورَصَد. ويجوز أن يكون مصدراً، نحو: قَوْمٌ عَدْلٌ، ففيه التأويلات المشهورة. قوله: ﴿مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ في «مِنْ» و «مِنْ» [أربعة] أوجه: أحدها: أنَّ «مِنْ» الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، تقديره: مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب اله، قاله الزمشخريُّ. قال أبو حيان: هذا يقتضي التقديم في قوله: «مِنْ شيءٍ» علتى قوله: «من عذاب الله؛ لأنه جعل» من شيء «هو المبين بقوله:» من عذاب الله «و» من «التبيينية مقدم عليها ما تبينه ولا يتأخر. قال شهاب الدِّين: كلام الزمخشري صحيح من حيث المعنى؛ فإن» من عذاب الله «لو تأخر عن» شيء» كان صفة له، ومبيناً، فلما تقدم انقلب إعرابه من الصفة إلى الحال، وأما معناه وهو البيان فباق لم يتغير. الثاني: أن يكونا للتبعيض معاً، بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله؛ أي: بعض بعض عذاب الله، قاله الزمخشري. قال أبو حيان: وهذا يقتضى أن يكون بدلاً، فيكون بدل عام من خاص، وهذا لا يقال؛ فإن بعضيه الشيء مطلقة، فلا يكون لها بعض. قال شهاب الدين: لا نزاع أنه يقال: بعض البعض، وهي عبارة متداولة، وذلك البعض المتبعض هو كل لأبعاضه بعض لكله، وهذا كالجنس المتوسط، هو نوع لما فوقه، جنس لما تحته. الثالث: أن «مِنْ» في «مِنْ شَيءٍ» مزيدة، و «مِنْ» في «مِنْ عذابِ» فيها وجهان: أحدهما: أن تتعلق بمحذوف؛ لأنها في الأصل صفة ل «شيء» فلما تقدمت نصبت على الحال. والثاني: أنها تتعلق بنفس «مغنون» على أن يكون «من شيء» واقعاً موقع المصدر، أي: غناء، ويوضح هذا ما قاله أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى قال: و «من» زائدة أي شيئاً كائناً من عذاب الله سبحانه وتعالى، ويكون محمولاً على المعنى، تقديره: هل تمنعون عنا شيئاً؟ ويجوز أن يكون «شيء» واقعاً موقع المصدر، أي غناء، فيكون «من عذاب الله» متعلقاً ب «مغنون» ، و «من» في «من شيء» لاستغرق الجنس زائدة للتوكيد. فصل هذه التعبية يحتمل أن يكون المراد منها التعبية في الكفر، ويحتمل أن يكون المراد منها التعبية في أحوال الدنيا، فعند ذلك قال الذين استكبروا للضعفاء: «لو هدانا الله لهديناكم» قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم. قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال؛ لأن الله تعالى أضلهم فلم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى. قال الزمخشري: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ﴾ [المجادلة: 18] . واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب على أهل القيامة، فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخة، فلا يقبل. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف، فلطف بنا ربنا فهدانا إلى الإيمان لهديناكم إلى الإيمان. وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف؛ لأن ذلك قد فعله الله تعالى. وقيل: لو خلصنا الله من العذاب، وهدانا إلى طريق النجنة، لهديناكم؛ بدليل أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه. قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ﴾ إلى آخره فيه قولان: أحدهما: أنه من كلام المستكبرين. والثاني: أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معاً، وجاءت كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلاًّ من المعاني مستقل بنفسه كافٍ في الإخبار، وقد تقدَّم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة. والجَزَعُ: عدمُ احتمالِ الشدَّة، قال امرؤ القيس: [الطويل] 3206 - جَزِعْتُ ولَمْ أجْزَعْ مِنَ البيْنِ مَجْزَعاً ... وعَزَّيْتُ قلْباً بالكَواعِبش مُولعَا وقال الراغب: «أصل الجَزْعِ: نقطعُ الحَبْلِ، يقال: جَزعْتهُ فانْجَزعَ ومنه: جِزْعُ الوادي لمنقطعة، ولانقطاع اللون بتغيره. وقيل للخرز المتلون: جِزْع، واللحم المُجَزَّعُ: ما كان ذا لونين والبسرة المجزعة: أن تبلغ الأرطاب نصفها، والجَاذِعُ: خشبة تجعل في وسط لبيت فتلقى عليها رؤوس الخشب من الجانبين، وصور الجزعة لما حمل عليه من العبء أو لقطعه بطوله وسط البيت» . والجَزَع أخص من الحزن، فإن الجزع حزنٌ يصرف الإنسان عما هو بصدده. والمَحِيصُ: يكون مصدراً كالمَغِيب والمَشِيب، ويكون اسم مكان، كالمَبِيت والمَضِيق ويقال: حَاصَ عنه وحَاضَ بمعنى واحد، ويقال: خاض بالضاد المعجمة، وجصنا بها بالجيم. والمعنى: مالنا من ملجأ ولا مهرب. فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق﴾ . قوله: ﴿وَعْدَ الحق﴾ يجوز أن يكون من باب إضافة الموصوف الصفته، كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الحصيد﴾ [ق: 9] ومسجد الجامع، أي: الوعد الحق، وأن يراد ب «الحقِّ» صفة الباري تعالى، أي: وعدكم الله وعده الحق، وأن يراد ب «الحَقِّ» البعث، والجزاء على الأعمال، فتكون إضافة صريحة. وقيل: وعدكم الحق ثمَّ ذكر المصد تأكيداً، وفي الكلام إضمارٌ من وجهين: الأول: التقدير: أن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف لدلالة الحال على صدق ذلك الوعد؛ يقتضي مفعولاً ثانياً، وحذف للعلم به تقديره: ووعدتكم أن لا جنّة، ولا نار، ولا حشر، ولا حساب. فصل لما [ذكر] الله سبحانه وتعالى المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وأتباعه فقال: ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ قال المفسرون: إذا استقر أهلُ الجنَّة في الجنَّة، وأهل النَّار في النَّار أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه، فيقوم فيما بينهم خطيباً، فيقول: «إنَّ اللهَ وعدَكُمْ وعْدَ الحقِّ ووَعدتُّكُمْ فأخْلفَتُكُمْ» . وقيل: المراد من قوله تعالى: ﴿لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ أي: لما انقضت المحاسبة والمراد من الشيطان: إبليس لعنه الله! . قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: قدرة وتسلط، وقهر فأقهركم على الكفر والمعاصي. قوله: ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منطقع؛ لأنَّ دعاءه ليس من جنس السُّلطان، وهو الحجة البينة فهو كقولكم: ما تَحِيَّتُم إلاَّ الضرب. والثاني: أنه متصل؛ لأن القدرة على حمل الإنسان على الشر تارة تكون بالقهر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوسوسة في قلبه، فهو نوع من التسلُّط. وقرىء «فَلا يَلُومُونِي» بالياء من تحت الالتفات، كقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: 22] . ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على صرع الإنسان وتعويج أعضائه وجوارحه وإزالة عقله كما يقوله العوام. ومعنى الآية: ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة وأنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله؛ فكان من الواجب أن لا تغتروا بقولي، ولا تلتفتوا إليَّ، فملا رجحتم الوسوسة على الدلائل الظاهرة كان اللََّوم عليكم لا عليَّ. قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أشياء: أحدها: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله تعالى لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا تلوموا أنفسكم فإنَّ الله تعالى قضى عليكم بالكفر، وأجبركم عليه. والثاني: أن ظاهر هذه الآية يدلُّ على أنَّ الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان، ولا على تعويج أعضائه وإزالة عقله. والثالث: يدل على أنَّ الإنسان لا يجوز لومه، وذمه، وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم. وأجاب بعضهم عن هذه الوجوه: بأن هذا قول الشيطان، فلا يجوز التمسك به. وأجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا الوقل منه باطلاً لبينه الله تعالى وأظهر إنكاره، فلا فائدة من ذلك اليوم في ذكر الكلام الباطل، والقول الفاسد. ألا ترى أن قوله: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ كلام حق، وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ قول حق بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ [الحجر: 42] . قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: دلت هذه الآية على أنَّ الشيطان [الأصلي] هو النفس؛ لأن الشيطان بين أنَّه ما أتى إلاَّ بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم، والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتَّة، فدل على أنَّ الشيطان الأصلي هو النفس. فإن قيل: لِمَ قال الشيطان: «فَلا تَلُومونِي ولُومُوا أنْفُسكمْ» وهو ملوم بسبب وسوسته؟ . فالجواب: أراد لا تلوموني على فعلكم: «ولوموا أنفسكم» عليه؛ لأنكم عدلتم عما توجه من هداية الله تعالى لكم. قوله تعالى: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ العامَّة على فتح الياءِ؛ لأ، الياء المدغم فيها تفتح أبداً، لاسيما وقبلها كسرتان. وقرأ حمزة بكسرها، وهي لغة بني يربوع، وقد اضطربت أقوال النَّاسِ في هذه القراءة اضراباً شديداً، فمن مجترىء عليها، ملحن لقارئها، ومن مجوِّز لها من غير ضعف قال: إنَّها لغة بني يربوع، والأصل: بمُصرخينَ لي [فحذفت] النون للإضافة وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، ومن مجوِّز لها بضعف. قال حسين الجعفيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: سألت أبا عمرو عن كسر الياء؛ فأجازه وهذه الحكايةُ تحكى عنه بطرق كثيرة منها ما تقدَّم. ومنها: سألت أبا عمرو، قلت: إنَّ أصحاب النحو يلحنوننا فيها، فقال: هي جائزة عن القرآن، فوجته به عالماً، فسألته عن شيء قرأ به الأعمش، [واستقرأ] به: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بالجر، فقلا: هي جائزة، فلما أجازها وقرأ بها الأعمش أخذت بها. وقد أنكر أبو حاتم على أبي عمرو تحسينه لهذه القراءة، ولا التفات إليه؛ لأَنَّه علم من أعلام القرآن، واللغة، والنحو، واطلع على ما لم يطلع عليه من فوق السجستاني: [البسيط] 3207 - وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرنٍ ... لمْ يَسْتطِعْ صَوْلشةَ البُزْلِ القَناعِيسِ ثم ذكر العلماؤ في ذلك التوجيهات: منها: أن الكسر على أصل التقاء الساكنين، وذلك أنَّ ياء الإعراب ساكنة وياء المتكلم أصلها السُّكون، فلما التقيا كسرت؛ لالتقاء الساكنين. الثاني: أنها تشبه هاء الضمير في أنَّ كلاًّ منهما ضمير على حرف واحد و «هاء» الضمير توصل بواو إذا كانت مضمومة، وبياء إذا كانت مكسورة، وتكسر بعد الكسرة والياء ساكنة؛ فتكسر كما تكسر الهاء في: «عَليْهِ» ، وبنو يربوع يصلونها بياء كما يصل ابن كثير نحو « عليهي» بياء، فحمزة كسر هذه الياء من غير صلة، إذ أصله يقتضي عدمها. وزعم قطربٌ أنها لغة بني يربوع. قال: يزيدون على ياء الإضافة ياء؛ وأنشد: [الرجز] 3208 - مَاضٍ إذَا ما هَمَّ بالمُضِيِّ ... قَال لهَا: هَلْ لَكِ يَا تَفِيِّ وأنشده الفراء وقال: فإن يك ذلك صحيحاً، فهو مما يلتقي من السكانيني فنخفض الآخر منها. وقال أبو علي: قال الفرَّاءُ في كتاب التصريف له: زعم القاسم بن معنٍ أنه صواب، وكان ثقة بصيراً. وممن طعن عليها أبو إسحاق قال: هذه القرءاة عند جميع النحويين رديئةٌ مرذولة، ولا وجه لها إلا وجه ضعيف. وقال أبو جعفر: «صار هذا إدغاماً، ولا يجوز أن يحمل كتاب الله عزَّ وجلَّ على الشذوذ» . وقال الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: [الرجز] 3209 - قَال لهَا: هَلْ لكِ يَا تَافيِّ ... قالتْ لهُ: مَا أنْتَ بالمَرْضِيِّ وكأن قدر ياء الإضافة ساكنة، وقبلها ياء سكانة فحركها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح؛ لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف نحو: عَصَاي، فما بالها وقبلها ياء؟ . فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل. قلت: هذا قياس حسنٌ، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات. قال أبو حياان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: «أما قولهن: واستشهدوا لها ببيت مجهول، فقد ذكر غيره أنه للأغلب العجلي، وهي لغة باقية في أفواه كثير من النَّاس إلى اليوم، يقولون: ما فيِّ أفعلُ كذا بكسر الياء» . قال شهابُ الدِّين: الذي ذكره صاحب هذا الرجز هو الشيخ أو شامة قال ورأيته أنا في أوَّل ديوانه، وأول هذا الرجز: 3210 - أقْبَلَ فِي ثَوْبٍ مَعَافِريِّ ... عِنْدَ اختلاطِ اللَّيْلِ والعَشِيَّ ثم قال أبوة حيان: «وأما التقدير الذي ذكره فهو توجيه الفراء نقله عن الزجاج وأما قوله: في غضون كلامه حيثُ قبلها ألف، فلا أعلم» حيث «يضاف إلى الجملة المصدرة بالظرف، نحو:» قعد زيد حيث أمام عمرو بكر، فيحتاج هذا التركيب إلى سماع» . قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «إطلاق النحاة قولهم: إنها تضاف إلى الجمل كاف في هذا، ولا يحتاج تتبع كلَّ فرد فرد مع إطلاقهم القوانين الكلية» . ثم قال: وأما قوله: لأن ياء الإضافة إلى آخره، قد روي بسكون الياء بعد الألف، وقد قرأ بذلك القراء، نحو: ﴿وَمَحْيَايَ﴾ [الأنعام: 162] . قال شهاب الدين: مجيء السُّكون في هذه الياء لا يفيده ههنا، وإنَّما كان يفيده لو جاء بها مكسورة بعد الألف فإنهن محل البحث، وأنشد النحاة بيت الذبياني بالكسر والفتح، وهو قوله: [الطويل] 3211 - عَليَّ لِعمْرٍو نِعْمةٌ بَعْندَ نِعْمةٍ ... لِوالِدهِ ليْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ وقال الفراء في كتاب» المَعانِي «له:» وقد خفض الياء من «مصرخي» الأعمش ويحيى بن وثاب جميعاً حدّثني بذلك القاسم بن معنٍ عن الأعمش، ولعلها من وهنم القراء فِإنه قلَّ من سلم منهم من الوهم، ولعله ظن أنَّ الياء في ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافضة للفظ كله، والياء للمتكلم خارجة عن ذلك؟ قال: ومما [نرى] أنهم وهموا فيه قوله ﴿نُوَلِّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 115] بالجزم في الهاء «، ثمَّ ذكر غير ذلك. وقال أبوعبيدٍ: أمَّا الخفض فإنا نراه غلطاً؛ لأنَّهم ظنوا أنَّ الياء تكسر كل ما بعدها، وقد كان في القراء من يجعله لحناً، ولا أحبُّ أن أبلغ به هذا كله، ولكن وجه القراءة عندنا غيرها. وقال الأخفش:» ما سمعت بهذا من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين» . قال النحسا: فصار هذا إجماعاً، ولا يجوز، فقد تقدَّم ما حكاهُ النَّاس من أنها لغة ثابتة لبعض العرب. وقد انتدب لنصرة هذه القراءة أبو علي الفارسي قال في حجَّته: «وجه ذلك أن الياء ليست تخلو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما وكالكاف في» أكْرَمْتُكَ» وهذا لك، فكما أنَّ الهاء قد لحقها الزيادة في «هذال لهو، وضربهو» ، ولحق الكاف أيضاً الزيادة في قول من ق ل: «أعْطَاكهُ» و «أعْطَيْتكَهُ» فيما حكاهُ سيبويه وهما أختا الياء، ولحقت الياء الزيادةم في قول الشاعر: [الهزج] 3212 -، رَمَيْتِيهِ فأصْمَيْتِ ... ومَا أخْطَأتِ [في] الرَّميَه كذلك الحقوا الياء الزائدة من المد، فقالوا: فيِّ، ثمَّ حذفت الياء الزائدة على الياء كما حذفت الزيادة من الهاء في قول من قال: [الطويل] 3213 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... ... . . لَهْ أرِقَانِ وزعم أبو الحسن: أنَّها لغة» . ومراد أبي علي بالتنظير بالبيت في قوله: «له أرِقَانِ» حذف الصلة، واتفق أن في البيت أيضاً حذف الحركمة ولو مثل بنحو» عَليْهِ «و» فِيهِ» لكان أولى. ثمَّ قال الفارسي: كما حذفت الزيادة من الكاف فقيلك أعطيتكه، وأعطيتكيه كذلك حذفت الياء اللاحقة للياء كما حذفت من أختها، وأقرت الكسرة التي كانت تلي الياء المحذوفة فبقيت الياء على ما كانت عليه من الكسرِ. قال\: فإذا كانت الكسرة في الياء على هذه اللغةِ، وإن كان من غيرها أفشى منها، وعضده من القياس ما ذكرنا ما لم يجز. لقائل أن يقول: إنَّ القراءة بذلك لحن، [لاستقامة] ذلك في السَّماع والقياس، وما كان كذلك لا يكون لحناً، وهذا [التوجيه] يوضح التوجيه الثاني الذي تقدَّم ذكره، وأما التوجيه الأول فأوضحه الفراء أيضاً. قال الزجاج: «أجاز الفراء على وجه ضعيف الكسر؛ لأن أصل التقاء السكانين الكسر» . قال الفراء: «ألا ترى أنهم يقولون: مذُ اليوم، ومُذِ اليوم، والرفع في الذال هو الوجه؛ لأنه أصل حركة» مُذْ» والخفض جائز، فكذلك الياء من «مُصرخِيِّ» خفضت ولها أصل في النصب «. قال شهاب الدين: تشبيه الفراء المسألة ب» مُذُ اليَوْم «فيه نظر؛ لأن الحرف الأول صحيح لم يتوالى قبله كسر، بخلاف ما نحن فيه، وهذا هو الذي عناه الزمخشريُّ قوله المتقدم: فكأنَّها وقعت فبعد حرف صحيح، وقد اضطرب النقل عن الفراء في هذه المسألة كما ترى من [نقل] بعضهم عنه، التخطئة مرة [والتصويب] أخرى، ولعل الأمر كذلك فإنَّ العلماء يسألون فيجيبون مما يحضرهم حال السؤال، وهني مختلفة التوجيه. الثالث: أن الكسر للإتباع لما بعدها، وهو كسر الهمزة من» إنِّي «كقراءة» الحَمْدِ للهِ «وكقولهم: بِعِير وشِعِير، وشِهِيد، سكر أوائلها إتباعاً لما بعدها وهو ضعيف جدًّا. التوجيه الرابع: أنَّ المسوغ لهذا الكسر في الياء، وإن كان مستقلاً أنها لما أدغمت فيها التي قبلها قويت بالإدغام، فأشبهت الحروف الصحاح فاحتملت الكسر لأنه إنما يستثقل فيها إذا حذفت، وانكسر ما قبلها، ألا ترى أن حركات الإعراب تجري على المشدد، ما ذاك إلا إلحاقه بالحروف الصحاح. والمُصْرِخ: المُغِيثُ: يقال: استصرختُه فأصرخني، أي: فأغَاثِني فكأن همزة للسكت، أي: أزَالَ صُراخِي. والصَّارخُ: هو المُسْتَغِيثُ، قال: [الطويل] 3214 - فَلاَ تَجْزَعُوا إنِّي لَكُمْ غَيْرُ مُصْرِخٍ ... ولَيْسَ لَكُمْ عِنْدِي غَنَاءُ ولا نَصْر ويقال: صَرَخَ يَصْرخُ صَرْخاً وصرخة؛ قال: [البسيط] 3215 - كُنَّا إذَا مَا أتَانَا صَارِخٌ فَزِعٌ ... كَانَ الصُّرَاخُ لَهُ قرْعَ الظَّنَابِيبِ يريد: كان [الصراخ] ، فحذف المضاف، وأقام المصدر الثلاثي مقام المصدر الرباعي، نحو ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] . والصَّريخُ: القومُ المُسْتَرخُونَ، قال: [الكامل] 3216 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رأيْتهُمْ ... مَا بَيْنَ مُلْجمِ مُهرهِ أو سَافِعِ والصَّريخُ: أيضاً: المعينون، فهو من الأضداد، وهو محتملٌ أن يكون [وصفاً] على «فَعِيل» كالخليطِ، وأن يكو مصدراً في الأصل، قال «فَلا صَريخَ لَهُمْ» ، فهذا يحتمل، وأن يكون فعيلاً بمعنى المفعل، أي: فلا مُصْرِخَ لهم، أي: ناصر وتصرَّخَ تكلَّف الصُّراخ. قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ يجوز في «ما» وجهان: [أحدهما: أن يكون بمعنى الذي، ثمَّ في المراد بعد الموصول وجهان:] أحدهما: أنه الأصنام، تقديره: بالصَّنم الذي أشركتموني به، أي: بالصنم الذي «اطعتموني كما أطعتموه، كذا قال أبو البقاء، والعائد محذوف، فقدره أبو البقاء: بما أشركتموني به، ثم حذف يعني بعد حذف الجار، ووصول العفل إليه، ولا حاجة إلى تقديره مجروراً بالياء؛ لأن هذا الفعل متعدّ لواحد، نحو: شركتُ زيداً، فلما دخلت همزة الفعل أكسبته ثانياً، هو العائد، تقول: أشْرَكْتُ زيْداً عَمْراً، أي جعلتهُ شريكاً له. الثاني: أنه الباري تعالى، أي: بما أشركتموني به، أي: بالله تعالى. قال القرطبي: المعنى: أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، أي: أنَّ كفره كان قبل كفر أتباعه، وتكون» مَا «بمعنى» مَنْ «والكلام في العائد كما تقدَّم، إلا أن فيه إيقاع» مَا «على العاقل والمشهور أنَّها لغير العاقل. قال الزمخشري:» ونحو «مَا» هذه «مَا» في قوله: «سُبْحانَ مَا سخَّركُنَّ لنَا» ومعنى إشراكهم الشيطان بالله تعالى طاتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان «. قال أبو حيان:» ومن منع ذلك جعل سبحان هنا علماً على معنى التَّسبيح، كما جعل «برَّة» علماً للمبرة، و «ما» مصدرية ظرفية «، أي: فيكون على حذف مضاف أي: سبحان صاحب تسخيركن؛ لأن التسبيح لا يليقُ إلا بالله عزَّ وجلَّ. . الوجه الثاني: أن» ما «مصدرية، اي: بإشراككم إياي مع الله، لي الطاعة. قوله» مِنْ قَبْلُ «متعهلق ب» كَفرْتُ «على القول الأوَّل؛ أي كفرت من قبل حين أبَيْتُ السجود لآدم عليه السلام بالذي أشركتموني وهو الله سبحانه وتعالى، وب» أشْرَكْتُ «على الثاني، أي: كفرت اليوم بإشراككم إيَّاي من قبل هذا اليوم أي: في الدنيا، كقوله ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: 14] ، هذا قول الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ. وجوَّز أبو البقاء متعلقه ب» كَفرْتُ «وب» أشْرَكْتمُونِي «من غير ترتيب على كون:» مَا» مصدرية أوموصولة. فقال: و «مِنْ قَبْلُ» متعلق ب «أشْرَكْتمُونِي» ، أي: كفرت الآن بما أشركتموني من قبل. وقيل: هي متعلقة ب «كَفرْتُ» أي: كفرت من قبل إشراككم، فلا أنفعكم شيئاً. وقرأ ابو عمرو بإثبات الياء في «أشْرَكْتمُونِي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهنا تم كلام الشيطان. وقوله ﴿إِنَّ الظالمين﴾ من كلام الله تعالى، ويجوز أن يكون من كلام الشيطان. و «عَذابٌ» يجوز رفعه بالجار قبله على أنَّه الخبر، وعلى الابتداء وخبره الجار. قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية لما شرح حال الأشقياء شرح أحوال السُّعداءِ فقال، عزَّ وجلَّ ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ﴾ قرأ العامة «أدْخِلَ» ماضياً مبنياً للمفعول، والفاعل الله أو الملائكة. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: «أدخلُ» مضارعاً مستنداً للمتكلم وهو الله تعالى فمحل الموصول على الأولى رفع، وعلى الثانية نصبٌ. قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ في قراءة العامة يتعلق ب «أدْخِلَ» أي: أدخلوا بأمره، وتيسيره. ويجوز تعلقه بمحذوف على أنَّه حال، أي: ملتبسين بأمر ربهم. وجوز أبو البقاء ِأن يكون من تمام: «خَالِدينَ» يعني: أنه متعلق به، وليس بممتنع، وكذا على قراءة الشَّيخين. فقال الزمخشريُّ: فإن قلت: «فَبِمَ يتعلَّق في القراءةِ الأخرى، وقولك: وأدخل أنا بإذن ربهم كلام غير ملتئم؟ . قلت: الوجه في هذه القراءة أنَّه يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلام بإذنِ ربهم» . ورد عليه أبو حيَّان هذا بأنه لا يتقدم معمول المصدر عليه. وقد علقه غير الزمخشريِّ ب «أدْخِلَ» ، ولا تنافر في ذلك؛ لأنَّ كلَّ أحد يعلم أنَّ المتكلم في قوله: «وأدْخِلَ» أنه هو الله تعالى. وأحسن من هذين أن يتعلق بما بعده، أي: تحيتهم فيها سلامٌ بإن ربهم ورد في هذه القراءة بمحذوف على أنَّه حال كما تقدَّم تقديره. و «تَحِيَّتُهُمْ» مصدر مضاف لمفعوله، أي: يحييهم الله تعالى، أو ملائكته، ويجوزم أن يكون مضافاً لفاعله، أي: يحيى بعضهم بعضاً. ويعضد الأول ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23، 24] و ﴿فِيهَا﴾ متعلق به. فصل أعلم أنَّ الثَّواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فأشار بقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ إلى المنفعة الخالصة واشار بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى دوامها، وأشار إلى كونها مقرونة بالتعظيم بقوله ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بإذن الله وأمره، وبقوله عزَّ وجلَّ ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [يونس: 10] أي: أنهم يحيى بعضهم بعضاً بهذه الكلمة، أو الملائكة يحيونهم بها، كما قال تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23، 24] والرَّب الرحيم أيضاً يحييهم [بهذه الكلمة] ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] والسلام مشتقش من السلامة، أي: أنهم سلموا من آفات الدنيا آمنوا من أمرضها وأسقامها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.