الباحث القرآني

ثم قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآية النَّبأ: الخبر، والجمع الانباء؛ قال الشاعر: [الوافر] 3196 - ألَمْ يَأتِيكَ والأنْبَاءُ تَنْمِي..... ... ... ... ... ... ... ... . قال أبو مسلم: «يحتمل أن يكون خطاباً من موسى صلوات الله وسلامه عليه [لقومه، يخوفهم بمثل هلاك من تقدمهم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعال على لسان موسى عليه السلام] لقومه: يذكرهم أمر القرون الأولى؛ ليعتبروا بأحوال المتقدمين. روي عن عبد الله ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنه قرأ هذه الآية ثمَّ قال:» كَذبَ النَّسَّابُونَ» . وعن عبد الله بن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال: بين إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وبين عدنان ثلاثون [أباً] لا يعلمهم إلا الله وكان مالك ابن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يكره أن يسنب الإنسانت [نفسه أباً أباً] إلى آدم صلوات الله وسلامه عليه وكذلك في حق النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لايعلم أولئك الآباء أحد إلا الله تعالى، ونظيره: قوله تعالى ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] وقوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78] وكان صلوات الله وسلامه عليه في نسبه لا يجاوز معد بن عدنان. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «تَعلَّمُوا من أنْسَابِكُم ما تصلُونَ بِه أرحَامَكُمْ وتعلمُوا مِنَ النُّجُوم ما تَسْتدِلُّونَ بِهِ على الطَّريقِ» . وقيل: المراد بقولهم: «لا يَعْلمُهمْ» أي: عددهم، وأعمارهم، وكيفياتهم. وقال عروة بن الزبير: «ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان، وإسماعيل» . قوله: «قَوم نُوحٍ» بدل، أو عطف. قوله: ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾ » يجوز أن يكون عطفاً من الموصول الأول، أو على المبدل منه، وأن يكون مبتدأ خبره: ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ ، ﴿جَآءَتْهُمْ﴾ خبر آخر وعلى ما تقدم يكون: ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ حالاً من «الَّذينَ» أو من الضمير في: «مِنْ بعْدِهمْ» لوقوعه صلة» . وهذا عَنَى أبو البقاءِ بقوله: حال من الضمير في: «مِنْ بَعْدهِمْ» ولا يريد به الضمير المجرور؛ لأنَّ مذهبه منع الحال من المضاف، وإن كان بعضهم جوزه في صورة وجوز أيضاً هو والزمخشري: «والجملة من قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ اعتراض» . ورد عليه أبو حيان: بأن الاعتراض إنما يكون بين جزءين، أحدهما يطلب الآخر. ولذلك لما أعرب الزمخشريُّ: «والَّذينَ» مبتدأ، و «لا يَعْلمُهُمْ» خبره، قال: «والجملة من المبتدأ، والخبر اعتراض» ، واعترضه أبو حيَّان أيضاً بما تقدَّم. ويمكنُ أن يجاب عنه في الموضعين: بأن الزمخشري يمكن أن يعتقد أن: «جَاءَتْهُم» حال مما تقدَّم، فيكون الاعتراض واقعاً بين الحال وصاحبها، وهو كلامٌ صحيحٌ. قوله تعالى: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ يجوز أن تكون الضمائر للكفار، أي: فردّ الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ، لقوله: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: 119] قاله أبو عباس، وابن مسعود، والقاضي. قال القرطبيُّ: وهذا أصح الأقوال، قال الشاعر: [الرجز] 3197 - لَوْ أنَّ سَلْمَى أبْصرَتْ تَخَدُّدِي ... ودِقَّةً في عَظْمِ سَاقِي ويَدِي وبُعْدَ أهْلِي وجَفَاءَ عُوَّدِي ... عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بأطْرافِ اليَدِ وقد مضى هذا المعنى في آل عمران [119] ف «في» على بابها من الظرفية، أي: فردُّوا أيديهم على أفواههم ضحكاً، واستهزاء، ف «فِي» بمعنى «عَلَى» وأشاروا إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كَفرنا، ف «عَنْ» بمعنى «إلى» ويوجوز أني كون المرفوع للكفار، والأحزان للرسل صلوات الله وسلامه عليهم على أن يراد بالأيدي: النّعم، أي: ردوا نعم الرسل وهي مصالحهم في أفواه الرسل؛ لأنهم إذا كذبوها كأنهم رجعوا بها من حيث جاءت على سبيل المثال، ويجوز أن يراد المعنى، والمراد بالأيدي: الجوارح، ويجوز أن يكون الأولان للكفَّار، والأخير للرسل، فرد الكفار أيديهم في أفواههم أي في أفواه الرسل، أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسُّكوت، أو وضعوها على أفواههم يمنعونهم بذلك من الكلامِ. وقيل: «في» هنا بمعنى الباء. قال الفراء: «قد وجدنا من العرب من يجعل» في «موضع الباء، يقال: أدخلتُ بالجنَّة، أدخلت في الجنَّة» وأنشد: [الطويل] 3198 - وأرْغَبُ فِيهَا عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطهِ ... ولكنَّنِي عَنْ سِنْبِسٍ لسْتُ أرْغَبُ أي: أرغب بها. وقال أبو عبيد رَحِمَهُ اللَّهُ: هذا ضرب مثل يقوله العربُ: رد يده إلى فيه إذا ترك ما أمره به. ورد عليه: بأن من حفظ حجَّة على من لم يحفظ. وقال أبو مسلم: المراد باليدِ: ما نطقت به الرُّسل من الحجج؛ لأنَّ إسماع الحجَّة إنعام عظيم، والإنعام يسمى يداً، يقال لفلان عندي، يد إذا أولاه معروفاً وقد يذكر اليد والمراد منها صفقة البيع والعقد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: 10] فالبينات التي ذكرها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقرَّرها لهم نعم وأياد، وأيضاً: العهود التي أتوابها مع القوم أيادي. وجمع اليد في القلة: أيْدِي، وفي الكثرة أيَادي. وإذا ثبت أنَّ بيانات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وعهودهم يصح تسميتها بالأيدي والنصائح، والعهود إنَّما تظهر من الفمِ، فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع ردًّا في الأفواه. ونقل محمد بن جرير عن بعضهم: أنَّ معنى قوله تعالى: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: سكتوا عن الجواب، يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب: ردَّ يدهُ في فيه، إذ لم يجبه، ثمَّ زيف هذا الوجه وقال: إنَّهم أجابوا بالتَّكذيب وقالوا: إنَّا بما أرسلتم به كافرون وقالوا: «إنَّا كَفرْنَا بِمَا أرْسِلْتُم بِهِ» قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ قرأ طلحة: «تَدعُونَّا» بإدغام نون الرفع في نون الضمير كما يدغم في نون الوقاية، والمعنى: في شكِّ مريب موقع في الريبة أي: ذي ريبة من أرابه، والريبة: لقلق النفس، وألاّ [تطمئن] إلى الأمر. فإن قيل: لما ذكروا أنهم قالوا: إنَّا كافرون برسالتكم، وإن لم ندع هذا الجزم واليقين، فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم وعلى هذا التقدير فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ﴾ الآية لما قالوا للرُّسلِ: وإنا لفي شك، قالت لهم رسلهم وهل تشكون في الله، وهو فاطر السموات، والأرض وفاطر أنفسنا، وأرواحنا، وأرزاقنا إنَّا لا ندعوكم إلا لعبادة هذا الإله المنعم، ولا نمنعكم إلا من عبادة غيره، وهذه المعاني يشهد لها العقل بصحتها، فكيف قلتم: وإنَّا لفي شكٍّ؟ . قوله: ﴿أَفِي الله شَكٌّ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، وفي «شكٌّ» وجهان: أظهرهما: أنه فاعل بالجار قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره الجار، والأولى أولى؛ بل كان ينبغي أن يتعين؛ لأنه يلزم من الثاني الفصب لبين الصفة، والموصوف بأجنبيّ، وهو المبتدأ وهذا بخلاف الأوَّل، فإ، الفاصل ليس أجنبيًّا، إذ هو فاعله، والفاعل كالجزء من رافعه. ويدلُّ على ذلك تجوزيهم: «مَا رَأيْتُ رجلاً أحْسنَ في عَيْنهِ الكُحْلُ مِنهُ في عَيْنِ زيْدٍ» بنصب «أحْسَنَ» صفة ورفع «الكُحْلُ» فاعلاً ب «أفعل» ولم يضر الفصل به بين «أفْعَلَ» وبين «مِنْ» لكونه كالخبر من رافعه ولم يجيزوا رفع: أحْسَن «خبراً مقدماً، و» الكُحْلُ «مبتدأ مؤخر لئلا يلزم الفصل بين» أفعل «وبين» من «بأجنبي. ووجه الاستشهاد في هذه المسألة: أنَّهم جعلوا المبتدأ أجنبيًّا بخلاف الفاعل ولهذه المسألة موضع غير هذا. وقرأ العامة» فاطِرِ «بالجر وفيه وجهان: النعت والبدلية. قال أبو البقاء وفيه نظر؛ لأنَّ الإبدال بالمشتقات يقلّ ولو جعله عطف بيان كان أسهل. قال الزمخشريُّ: «أدخلت همزة الإنكار على الظرف؛ لأنَّ الكلام ليس في الشكِّ إنَّما هو في المشكوك فيه، وأنَّه لا يحتمل الشَّك لظهور الأدلَّة، وشهادته عليه» . قوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ﴾ اللام متعلقة بالدُّعاءِ، أي: لأجل غفران ذنوبكم؛ كقوله: [المتقارب] 3199 - دَعَوْتُ لمَّا نَابَنِي مِسْوراً ... فَلبَّى فَلَبَّيْ يدي مِسْورِ ويجوز أن تكون اللام معدية كقولك: «دعوتك لزيد» ، وقوله: «إذا تدعون إلى الإيمان» ، والتقدير: يدعوكم إلى غفران ذنوبكم. لما استفهم بعمنى نفي ما اعتقدوه، أردفعه بالدلائل الدالة على وجود الصانع المختار، فقال: «فاطر السموات والأرض» : أي خالق السماوات والأرض «يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم» أي: ذنوبكم و «من» صلة، وقيل: «من» تبعيضية، وقيل: بمعنى البدل، أي: بدل عقوبة ذنوبكم كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة﴾ [التوبة: 38] وسيأتي الكلام على هذه الوجوه. ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ إلى حين استيفاء أجلكم، ولا يعالجكم بالعذاب، قال بعض العلماء: إن الفطرة شاهدة بوجود الصانع المختار قبل الوقوف على الدلائل، وذلك من وجوه: الأول: قال بعضش العقلاء: إن من لطم وجه سبي لطمة، فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى وجود التكليف، وعلى وجود دار الجزاء، وعلى وجود النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. أما دلالتهم على وجود الصانع؛ فإن الصبي العاقل إذا لطم يصيح ويقول من ذا الذي لطمني؟ وما ذاك إلا أن فطرته شاهدة بأن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها موجب أن يكون حدوثها لأجل فعل فاعلها، فلما شهدت فطرته الأصلية بافتقار ذلك الحادث الحقير إلى الفاعل، فبأن تشهد جميع حوادث العالم بالافتقار إلى الفاعل أولى. وأما دلالتها على وجود التكليف؛ فبأن الصبي يصيح ويقول: ضربني ذلك الضارب، وهذا يدل على أن فطرته شهدت بأن الأفعال الإنسانية داخلة تحت الأمر والنهي، ومندرجة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق ليفعل ما اشتهى. وأما دلالتها على وجود الجزاء فهو: أن ذلك الصبي يطلب بطبعة الجزاء على تلك اللَّطمة ولا يتركه، فلما شهدت فطرته الأصلية بوجوب الجزاء على ذلك العمل القليل، فبأن تشهد على وجوب الجزاء على جميع العباد والأعمال أولى. وأما دلالتها على وجوب النبوة للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فإنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم مقدار العقوبة الواجبة في تلك الجناية، كم هي؟ ولا معنى للنبي إلا الإنسان الذي قدر هذه وبين هذه الأحكام؛ فثبت أن فطرة العقل حاكمة بأن الإنسان لا بد له من هذه الأربعة. الوجه الثاني: في أنَّ الإقرار بوجود الصَّانع بديهي: وهو أنَّ الفطرة شاهدة بأن حدوث دار بنقوش عجيبة، وتركيبات لطفية موافقة للحكمة، والمصلحة تستحيلُ إلاَّ من نقاش عالم، وبانٍ حكيمٍ، ومعلوم أنَّ آثار الحكمة ف يالعالم العلوي، والسفلي أكثر من الآثار الموجودة في تلك الدار المختصرة، فلمَّا شهدت الفطرة الأصليَّة بافتقار النَّقش إلى النَّقاش، والبناء إلى البَاني، فبأن تشهد بافتقار كل هذا العالم إلى الفاعل المختار الحكيم أولى. الوجه الثالث: أنَّ الإنسان إذا وقع في محنة شديدة، فإنه بأصل فطرته، وخلقته يتضرَّع إلى من يخصله منها، وما ذاك إلاَّ شهادة فطرته بالافتقار إلى الصَّانع القادرم المدبر. الرابع: أن الموجود إمَّا أن يكون غنيًّا عن المؤثر، أو لا يكون، فإن كان غنياً عن المؤثر فهو الموجود الواجب لذاته؛ لأنه لا معنى للواجب لذاته إلاَّ الموجود الذي لا حاجة له إلى غيره، وإن لم يكن غنيًّا عن المؤثر فهو محتاج، والمحتاجُ لا بد له من المحتاج إليه، وذلك هو الصَّانع المختار. الوجه الخامس: أن الاعتراف بوجودو الصانع المختار المكلف وبوجود المعاد أحوط فوجب المصير إليه، أما كون الإقرار بوجود الصَّانع أحوط لأنه لو لم يكن موجوداً فلا ضرر في الإقرار بوجوده، وإن كان موجوداً ففي إنكاره أعظم المضار. وأمَّا كون الإقرار بكونه فاعلاً مختاراً أحوط، فلأنهن إن لم يكن موجوداً فلا خير في الإقرار بكمونه مختاراً. أمَّا لو كان موجوداً ففي إنكار كونه مختاراً أعظم المضار. وأما كان كون الإقرار بكونه مكلفاً لعباده أحوط، فلأنه لو لم يكلف أحداً من عبيده شيئاً فلا ضرر في اعقاد أنه كلف العباد ففي إنكار التكاليف أعظم المضار. وأمَّا كون الإقرار [بوجود] المعاد أحوط؛ فلأنه إن كان الحق أن لا معاد؛ فلا ضرر في الإقرار بوجود المعاد فإنه لا يفوت إلا هذه اللذات الجمسانية، وهني منقضية فانينة، فإن كان الحق وجوب المعاد ففي إنكاره أعظم المضار، فظهر أن الإقرار بهذه المقامات أحوط فوجب المضير إليه، لأن بديهة العقل حاكمة بوجوب دفع الضرر عن النَّفس بقدر الإمكان، والله أعلم. فصل لما استدلْ بكونه فاطر السموات والأرض وصف نفسه بكمال الرحمة والكرم، والجود من وجهين: الأول: قوله: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ . قال الزمخشريًُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «لو قال قائل: ما معنى التعبيض في قوله تعالى: ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ » ؟ . ثم أجاب: فقال ما جاء هكذا إلاَّ في خطاب الكفار، كقوله تعالى ﴿واتقوه وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: 3، 4] ، و ﴿ياقومنآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: 31] وقال في الخطاب للمؤمنين: ﴿هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10] إلى أن قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12] قال: والاستقراء يدلُّ على صحَّة ما ذكرناه. ثم قال: وكان ذلك للتَّفرقة بين الخطابين لئلا يسوَّى بين الفريقين في المعاد. وقيل: أريد به: يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بنيهم وبين العباد من المظالم. وقال الواحدي: قال أبو عبيدة: «مِنْ» زائدة، وأنكر سيبويه زيادتها وإذا قلنا: ليست بزائدة، ففيها وجهان: أحدهما: أنه ذكر البعض هنا، وأراد الجمع توسعاً. والثاني: أن «مِنْ» ههنا للبدل، أي: لتكون المغفرة بدلاً من الذُّنوبِ فدخلت «مِنْ» لتضمن المغفرة معنى إبدالها م الذُّنوبِ. وقال القاضي: ذكر الأصم أنَّ كلمة «مِنْ» ههنا تفيد التبعيض، أي: أنكم إذا [تبتم] يغفر لكم الذُّنوب التي هي من الكبائر، وأمَّا التي تكون من الصغائر، فلا حاجة إلى غفرانها؛ لأنها في أنفسها مغفورة. قال القاضي: وقد أبعد في هذا التأويل؛ لأنَّ الكفار صغائرهم، ككبائرهم لا تغفر إلا بالتَّوبة، وإنما تكون الصَّغائر مغفورة من الموحدين من حيث يزيد ثوابهم على عقابهم فأمَّا من لا ثواب له أصلاً، فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرة، فلا يغفر له له شيء، ثم قال: وفيه وجه آخر: وهو أنَّ الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته، وإيمانه؛ فلا يغفر له شيء من ذنوبه، فلا تكون المغفرة إلا لما ذكره وتاب عنه. فصل قال ابن الخطيب: دجلت الآية على أنه تعالى يغفر الذنوب من غير توبة في حق المؤمن، لأنه قال ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ وعد بغفران الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة؛ فوجب أن يغفر بعض الذنوب مطلقاً من غير التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه تعالى لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان؛ فوجب أن يكون البعض الذي يغفر من غير التوبة ما عدا الكفر من الذنوب. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن كلمة «مِنْ صلة على ما قاله أبو عبيدة أو نقول: المراد منه تمييز خطاب المؤمن عن الكافر على ما قاله الزمخشريُّ، أو نقول: المراد تخصيص الغفران بالكبائر على ما قاله الأصم، أو نقول: المراد منه الذنوب التي ذكرها الكافر عند إسلامه، كما قاله القاضي. فنقول هذه الوجوه بأسرها ضعيفة، أمَّا كونها صلة فمعناه الحكم على كلمة من كلام الله عزَّ وجلَّ بأنَّها عبثٌ والعاقل لا يجوز له المصير إليه من غير ضرورة. وأما قوله الواحدي: المراد من كلمة» مِنْ «ههنا الكل فهو عين ما قاله أبو عبيدة؛ لأن حاصه أنَّ قوله تعالى جل ذكره ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: يغفر لكم ذنوبكم، وهذا عينُ ما نقله عن أبي عبيدة، وحكى عن سيبويه إنكاره. وأما قوله: المراد منه إبدال السيئة بالحسنة، فليس في اللغة أنَّ كلمة» مِنْ «تفيد الإبدال. وأما قول الزمخشري: المراد تمييز خطاب المؤمنين من خطاب الكافرين بمزيد التشريف فهو من باب الطاعات، لأن هذا التعبيض إن حصل، فلا حاجة إلى ذكر هذا الجةاب وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسداً. وأما قول الأصم، فقد سبق بطلانه. وأمَّا قول القاضي: فجوابه أنَّ الكافر إذا أسلم؛ غُفِرَت ذُنوبُه بأسرها، لقوله عليه السلام:» التّائِبُ مِنَ الذنبِ كَمنْ لا ذَنْبَ لَهُ» . وقال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فثبت أنَّ جميع ما ذكروه من التأويلات ضعيف ساقط، بل المراد ما ذكرناه هو أنَّه يغفر بعض ذنوبه من غير توبةٍ؛ بشرط أن يأتي بالإيمان، فبأن تحصل هذه الحال للمؤمن أولى. قال تعالى: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ . قيل: المعنى: إن آمنتم، أخر الله موتكم إلى أجل مسمى، وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال. وقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يمنعكم في الدُّنيا باللذات إلى الموت. فِإن قيل: أليس قال: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] . فكيف قال هنا: ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؟ . قلنا: تقدَّم الكلام في هذه المسألة في قوله: ﴿ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى﴾ [الأنعام: 2] في الأنعام. ولما ذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام هذا الكلام للكفار قالوا: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ وهذا الكلام يشتمل على ثلاثة أنواع من الشبه: الأولى: أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية فيتمنع أن يبلغ التفاوت بين تلك الأشخاص إلى هذا الحد وهو أن الواحد منهم رسولاً من الله تعالى مطلعاً على الغيب، مخالطاً لزمرة الملائكة، والباقون غافلون عن هذه الأحوال أيضاً كانوا يقولون: إن كنت قد فارقتنا في هذه الأحوال العالية الإلهية الشريفة وجب أيضاً أن تفارقنا في الأحوال الخسيسة، وهي الحاجة إلى ألاكل، والشرب، والحديث والوقاع، وهذه الشبهة هي المراد من قولهم ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ : أي في الصورة ولستم ملائكة، وإنَّما تريدنون بقولكم أن تصدُّونا عمَّا كان يعبد آباؤنا. وهذه الشبهة الثانية: وهي التمسك بالتقليد، وهي أنهم وجدوا آباءهم وعلماءهم مطبقين على عبادة الأوثان. قالوا: ويبعد أن أولئك القدماء على كثرتهم وقوة خاطرهم لم يعرفوا بطلان هذا الدين. الشبهة الثالثة: قالوا: المعجز لا يدلُّ على الصدق؛ لأن الذي جاء به أؤلئك الرسل طعنوا فيه وزعموا أنَّها أمور متعادة ليست من باب المعجزات الخارجية عن قوَّة البشر؛ فلذلك قالوا: «فأتُونَا بسُلْطانٍ مُبِينٍ» أي: بحجة بينة على صحَّة دعواكم. قوله «تُرِيدُونَ» يجوز أن يكون صفة ثانية ل «بَشرٌ» وحمل على معناه، لأنه بمنزلة القوم والرهط، كقوله: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: 6] وأن يكون مستأنفاً. وقوله: «أنْ تَصدُّونَا» العامة على تخفيف النون، وقرأ طلحة بتشديدها كما شدد: «تدعونّا» وفيها تخريجان: أحدهما: ما تقدَّم في نظيرتها على أن تكون هي المخففة لا النَّاصبة، واسمها ضمير الشأن، وشذّ عدم الفصل بينها، وبين الجملة الفعلية. والثاني: أنَّها ناصبة، ولكن أهلمت حملاً على «مَا» المصدرية كقراء: ﴿أَن يُتِمَّ﴾ [البقرة: 233] . برفع «يُتِمُّ» وقد تقدَّم القول فيه. قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ الآية لما حكمة عن الكفَّارم طعنهم في النُّبوة حكى عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جابهم فقالوا: ﴿إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ سلموا أنَّ الأمر كذكل لكنهم بيَّنوا أن التماثل في البشرية لا يمننع من اختصاص بعض البشرِ بمنصب النبوة؛ لأنَّ هذا المنصب يمُنُّ الله به على من يشاء من عباده، وإذا كان كذلك سقطت شبهتكم. وأمَّا الجواب عن شبهة التقليد وهي قولهم: إطباقُ السلف لذلك الدين يدل على كونه حقًّا، فجوابه عين الجواب المذكور، وهو أنَّه لا يبعدُ أ، يظهر الرَّجل الواحد مالم يظهر للخلق الكثير؛ لأن التمييز بين الحق، والباطل، والصدق، والكذب عطية من الله وفضل منه؛ فلا يبعد أن يخص عبده بهذه العطية، ويحرم الجمع العظيم منها. وأما الجواب عن الشهبة الثالثة وهي قولهم: إنا لا نرضى بهذه المعجزات التي أتيتم بها، وإنما نريد معجزات قاهرة أوقى منها، فأجابوا عنها بقولهم: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي: أنَّ المعجزة التي أتينا بها حجة قاطعة قوية ودليل تام، وأمَّا الأشياء التي تطلبتموها، فأمور زائدة والحكم فيه لله تعالى فإن أظهرها فله الفضل، وإن لم يظهرها فله العدل، ولا يحكم بعد ظهور قدر الكفاية. قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ﴾ يجوز أن يكون خبر: «كَانَ» «لَنَا» ، و: «إنْ نَأيِتَكُمْ» أسمها، أي: وما كان لنا إتيانكم بسورة، و ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ حالٌ، ويجوز أن يكون الخبر ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، و «لَنا» تبين. والظاهر أنَّ الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لما أجابوا عن شبهاتهم بهذا الجواب أخذ القوم التَّخويف، والوعيد فعند ذلك قال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا نخاف من تخويفكم بعد أن تولكنا على الله: ﴿وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ . قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله﴾ كقوله سبحانه: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله﴾ [البقرة: 246] . والمعنى: ما لنا أن لا نتوكل على الله، وقد عرفنا أنه لاينال شيء إلا بقضائه وقدره: ﴿على مَآ آذَيْتُمُونَا﴾ بين لنا الرشد وبصرنا النجاة. قوله: «ولنَصْبِرنَّ، جواب قسم، وقوله: ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ يجوز أن تكون» مَا «مصدرية، وهو الأرجح لعدم الحاجة إلى رابط ادعي حذفه على غير قياس. والثاني: أنها موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدرج؛ إذ الأصل: آذيتمونا به، ثم حذف الباء فوصل الفعل إليه بنفسه وقرأ الحسن رَحِمَهُ اللَّهُ: بكسر لام الأمر في «فَليتَوكَّل» وهو الأصل. والمراد بهذا التوكل على الله في دفع شر الكفار فلا يلزم التكرار وقيل: الأول لاستحداث التوكل، والثاني طلب دوامه. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ﴾ الآية لما حكى عن الأنبياء صلوات لله وسلامه عليهم توكلهم على الله في دفع شرور أعدائهم حكى عن الكفار أنهم بالغوا في السفاهة وقالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ أي لا بد من أحد الأمرين. قوله: «لنخرنكم» جواب قسم مقدر، كقوله: «ولنصبرن» وقوله: «أو لتعدن» في «أوْ» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها على بابها من كونها لأحد الشيئين. والثاني: أنها بمعنى: «حتَّى» . والثالث: أنها بمعنى «إلاَّّ» كقولهم: لألزمَنَّكَ أوْ تَقْضِينِي حَقِّي. والقولان: الأخيران مردودان، إذ لا يصح تركيب «حتَّى» ولا تركيب «إلاَّ» مع قوله «لتَعُودُن» بخلاف المثال المتقدم، والعود هنا يحتمل أن يكون على بابه أي: لترجعن و «في ملَّتنا» متعلق به، وأن يكون بمعنى الصيرورة، فيكون الجار في محل نصب خبراً لها. فإن قيل: هذا يوهم أنهم كانوا على ملتهم في أول الأمر حتى يعودا فيها. فالجواب من وجوه: أحدها: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنَّما نشئوا في تلك البلاد؛ وكانوا من تلك القبائل وفي أول الأمر ما ظهروا المخالفة مع الكفار، بل كانوا ساكتين إلى حين الوحي فظن القوم أنهم كانوا على ملتهم لسكوتهم، فلهذا قالوا: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ . وثانيها: أن هذا الكلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين. وثالثها: قال الزمخشريُّ: «لعَوْدُ هنا بمعنى الصِّيرورة كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون:» صَارَ «ولكن عاد: ما عدت أراه، وعاد لا يكلمني ما عاد لفلان مالٍ» . ورابعها: أن الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أنَّ المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم، فغلبوا في الخطاب الجماعة، ولا بأس أن يقال: إنهم قبل ذلك الوقت كانوا على دين أولئك الكفار. وخامسها: لعل أولئك الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كانوا قبل إرسالهم على ملَّة من الملل، ثم إنه تعالى نسخه تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي تلك الأقوام على تلك الشريعة المنسوخة مصرين عليها، وعلى هذا التقدير، فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يعودوا إلى تلك الملّة. ولما ذكر الكفَّار هذا الكلام أو حى الله عزَّ وجلَّ أليهم ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾ . قوله: «لنُهْلِكنَّ» جوب قسم مضمر، وذلك القسم وجوابه فيه وجهان: أحدهما: أنه على إضمار القول، أي: قال لنهلكن. والثاني: أنه أجرى الإيحاء مجرى القول؛ لأنه ضرب منه. وقرأ أبو حيوة «ليُهْلِكنَّ» و «ليُسْكِننَّكُمْ» بياء الغيبة مناسبة لقوله: «ربُّهُمْ» والمراد بالأرض: أرض الظالمين، وديارهم، وأموالهم وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ أذَى جَارهُ ورَّثُه اللهُ دارهُ» وهذه الآية تدلُّ على أن من يتوكل على الله في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه. قوله: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ «ذلِكَ» مبتدأ، وهو مشار به إلى توريث الأرض، ولمَنْ خَافَ «هو الخبر، و» مَقامِي» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم، وهو بعيد؛ إذ الأسماء لا تقحم. الثاني: أنه مصدر مضاف للفاعل. قال الفراء: «مَقامِي» مصدر مضاف لفاعله أي: مقامي عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان. قال الزجاج: «مكان وقوفه بين يدي الحساب، كقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [الرحمن: 46] فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كقولك: نَدِمْتُ على ضَربِكَ، أي: على ضَرْبِي أيَّاك، و» خَافَ وعِيدِ» أي: عقابي، أثبت الياء هنا، وفي «ق» في موضعين: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرسل فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: 14] ، ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45] وصلاً، وحذفها وقفاً ورش، والباقون وصلاً ووقفاً» . فصل في تفسير المقام وجوه: الأول: موقفي وهو موقف الحساب؛ لأنَّه الذي يقف فيه العباد يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: 10] . الثاني: أن المقام مصدر كالقيام، يقال: قَامَ قِيَاماً، ومقَاماً، أي: لمن خاف مقامي، أي: مقام العباد عندي، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. الثالث: لمن خاف مقامي، أي: لمن خافني، وذكر المقام هنا، كقولك سلامٌ على المَجْلسِ الفُلاني، والمراد: السَّلام على فلان. قوله: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ قال الواحدي: الوعيد اسمٌ من أوْعَد إيعَاداً وهو التَّهديد. قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب. وهذا الآية تدلُّ على أنَّ الخوف من الله تعالى غير الخوف من عيده؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. قوله : {واستفتحوا
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.