الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى. فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه. ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر. قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» . واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة. واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه. وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي. عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين. وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ. ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ . فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] . قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل] 3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها. وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» . وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» . وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى. و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ. فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ. والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء. الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع. قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف. والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ. قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر] 3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين. والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة. قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا. وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط] 3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً. ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه. وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين. رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه. قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ. والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن. وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة. فصل قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين. وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم. وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس. وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون. قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» . قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد. فصل قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ. قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه. وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها. قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب. وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم. وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ. وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ. ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية. وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا. والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً. قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» . فصل ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي. قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم. وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» . قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم. قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة. قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» . وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ. قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه. قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة. فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ . فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا. وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر. وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ . وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس. ﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه. وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف. والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم. و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة. فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن. فالجواب من وجوه: الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد. والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه. وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] . وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة. فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث. وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله. قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال. ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» . ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك. والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم. و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم. ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية. فصل قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» . فصل قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» . وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه. وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» . قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين. وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي. وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ. وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ. وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم. وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] . وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ. وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال. قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً. قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» . وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ. وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم. قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» . وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» . فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] . فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة. وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم. وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» . وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم. قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب. فصل قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية. قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] . قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس. وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف. الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.