الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ . قال صاحبُ «ديوان الأدبِ» الحِجْر: بكسر الحاء المهملة، وتسكين الجيم له ستَّة معانٍ: فالحِجْر: منازل ثمود، وهو المذكور هاهنا، والحِجْرُ: الأنثى من الخيل. والحِجْرُ: الكعهبة. والحِجْرُ: لغة في الحجرِ، هو واحد الحجور في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23] والحِجْرِ: العَقْلُ، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5] ، والحِجْرُ: الحرامُ في قوله تعالى: ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: 53] أي: حراماً محرماً. فصل قال «المُرْسلينَ» ، وإنَّما كذبوا صالحاً وحده؛ لأنَّ من كذَّب نبيًّا؛ فقد كذَّب الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ملأنهم على دين واحد ولا يجوز التَّفرييقُ بينهم. وقيل: كذَّبُوا صالحاً، وقيل: كذَّبوا صالحاً ومن تقدمه من النَّبيين أيضاً، والله تعالى أعلم. قال المفسرون: والحِجْرُ: اسم وادٍ كان يسكنه ثمود قوم صالحٍ، وهو بين المدينة، والشام، والمراد ب «المُرْسلينَ» صالحٌ وحده. قال ابن الخطيب: «ولعلَّ القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل» . ﴿وَآتَيْنَاهُمْ﴾ يعني النَّاقة، وولدها، والبئر، والآيات في النَّاقة: خروجها من الصَّخرة، وعظم خلقها، وظهور نتاجها عند خروجها، وقُرب ولادتها، وغزارة لبنها، وأضاف الإيتاء إليهم، وإن كانت النَّاقة آية صالحٍ؛ لأنَّها آيات رسولهم، فكانوا عنها معضرين؛ فذلك يدلُّ على أنَّ النَّظر، والاستدلال واجب، وأنَّ التقليد مذموم. ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾ تقدَّم كيفيَّة النَّحت في الأعراف: [74] ، وقرأ الحسن، وأبو حيوة: بفتح الحاءِ. «ءَامِنينَ» من عذاب الله. وقيل: آمنين من الخرابِ، ووقوع السَّقف عليهم. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، أي: صيحة العذاب «مُصْبِحينَ» ، أي وقت الصُّبح. قوله: «فَمَا أغْنَى» يجوز أني تكون نافية، أو استفهامية فيها [معنى] التعجب، وقوله: «مَا كَانُوا» يجوز أن تكون «مَا» مصدرية، أي: كسبهم، أو موصوفة، أو بمعنى «الَّذي» ، وةالعائد محذوف، أي: شيء يكسبونه، أو الذي يكسبونه. فصل وروى البخاري عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا نزل الحجر في غزوة تبوك، أمرهم ألاَّ يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقال واحدٌ: عَجَنَّا، وأسْتقَيْنَا، فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يهريقوا ذلك الماء، وا، يطرحوا ذلك العجين» ، وفي رواية: «وأ، ْ يَعْلِفُوا الإبل العجِين» . وفي هذا دليل على كراهة دخول تلك المواضع، وعلى كراهةِ دخول مقابر الكفار، وعلى تحريم الانتفاع بالماء المسخوط عليه؛ لأنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمرهم بإهراقه وطرح العجين، وهكذا حكم الماء النَّجسِ، ويدلُّ على أنَّ ما لا يجوز استعماله من الطعام، والشراب، يجز أن يعلفه البهائم. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ الآية. لما ذكر أهلاك الكفَّار، فكأنه قيل: كيف يليق الإهلاك بالرحيم؟ . فأجاب: بأني ما خلقت الخلق إلا ليشتغلوا بعبادي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] فإذا تركوها، وأعرضوا عنها؛ وجب في الحكمة إهلاكهم، وتظهير وجه الأرض منهم. وهذا النَّظم حسنٌ، إلا أنَّه إنما يستقيمُ على قوله المعتزلة، وفي النظم وجه آخر: وهو أنه تعالى إنَّما هذه القصَّة تسلية لنبيِّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأن يصبره على سفاهة قومه، فإنه إذا سمع [أنَّ] الأمم السَّالفة كانوا يعاملون بمثل هذه المعاملات؛ سهُل تحمُّل تلك السَّفاهات على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم: إنَّه تعالى لما بيَّن أنه أنزل العذاب على الأمم السَّالفة، قال لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ السَّاعةَ لآتيِةٌ» ، وإنَّ الله لينتقم لك من أعدائك، ويجازيهم، وإيَّاك، فإنه ما خلق السماوات، والأرض، وما بينهما إلا بالحق، والعدل والإنصاف، فكيف يليق بحكمته إهمال أمرك؟ . ثم إنَّه تعالى لما صبَّره على أذى قومه، رغَّبة بعد ذلك في الصَّفح عنهم، فقال: ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ . قوله:: إلاَّ بالحقِّ «نعت لمصدر محذوف، أي: ملتسبة بالحقِّ. قال المفسِّرون: هذه الآية منسوخة بآية القتال، وهو بعيد؛ لأنَّ المقصود من ذلك أن يظهر الخلق الحسن، والعفوا، والصفح، فكيف يصير منسوخاً؟ . ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم﴾ ، أي خلق الخلق مع اختلاف طبائعهم، وتفاوت أحوالهم، مع علمه بكونهم كذلك وإذا كان كذلك، فإنَّما خلقهم مع هذا التَّفاوت، ومع العلم بذلك التَّفاوت، أمَّا على قول أهل السنة فلمخض مشيئته، وإرادته، وعلى قول المعتزلة: لأجل المصلحة، والحكمة. وقرأ زيد بن علي، والجحدري:» إنَّ ربَّك هُو الخَالِقُ» ، وكذا هي في مصحف أبيّ وعثمان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.