الباحث القرآني

قال شهابُ الدِّين: «الزمخشريُّ لم يجعل النَّصب لأجل العطفِ على محلِّه إنَّما جعله بوصول الفعل إليهما لاتِّحادِ الفاعل، كما صرح به فيما تقدَّم آنفاص، وإنما جعل العطف لأجل التشريك في العلَّة لا غير، يعني: أنهما علَّتان، كما أنَّ» لتُبيِّنَ «علة، ولئن سلمنا أنه نصب عطفاً على المحل، فلا يضر ذلك، وقوله:» لأنَّ محله ليس نصباً» ممنوع، وهذا ما لا خلاف فيه من أن محل الجار، والمجرور النصب؛ لأنه فضلة، إلا أن تقوم مقام مرفوع، ألا ترى إلى تخريجهم قوله: «وأرْجُلكُمْ» في قراءة النصب على العطف على محل «برءُوسِكمْ» ، ويجيزون: مررت بزيد وعمرو على خلاف في ذلك بالنسبة إلى القياس، وعدمه لا في أصل المسالة، وهذا بحقُ حسنٌ» . فصل قال الكلبيُّ: وصف القرآن بكونه هدى، ورحمة لقوم يؤمنون، يدل على أنَّه ليس كذلك في حق الكلِّ، لقوله في أوَّل البقرة: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] ، وإنَّما خص المؤمنين بالذ1كر؛ لأنهم هم المنتفعون به، كقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45] ؛ لأنَّ المنتفع بالإنذار هؤلاء القوم فقط. قوله تعالى: ﴿والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ الآية اعلم أنَّ المقصود الأعظم من هذا القرآن العظيم تقرير أصول اربعة: الإلهيَّات، والنبوات، والمعاد، وإثبات القضاء والقدر، والمقصود الأعظم من هذه الأصول الأربعة: تقرير الإلهيَّات، فلهذا السَّبب كلَّما امتد الكلام في فصل من الفصول، عاد إلى تقرير الإلهيَّات، فههنا لمَّا امتد الكلام في وعيد الكفار، عاد إلى تقرير الإلهيَّات، فقال: ﴿والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ وقد تقدَّم تقرير هذه الدَّلائلِ. وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع إنصاف وتدبُّر؛ والمراد: سماع القلوب لا سماع الآذان. والنوع الثاني من الدَّلائلِ: الاشتدلالُ بعجائب أحوالِ الحيواناتِ. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ﴾ والعِبرةُ: العِظةُ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي «نُسْقِيكمْ» بضمِّ النون هنا، وفي المؤمنين، والباقون بفتح النون فيهما. وهذه الجملة يجوز أن تكون مفسِّرة للعبرة، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: نسقيكم من بين فرثٍ، ودم لبناً خالصاً، ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ، [مضمر] ، والجملة جواب لذلك السؤال، أي: هي، أي: العبرة نسقيكم، ويكون كقوله: «تَسْمعُ بالمُعيْديِّ خَيرٌ مِنْ أن تَراهُ» . واختلف النَّاس: هل سَقَى، وأسْقَى لغتان بمعنى واحدٍ، أم بينهما فرقٌ؟ . خلافٌ مشهورٌ، فقيل: هما بمعنى واحد، وأنشد جمعاً بين اللغتين فقال: [الوافر] 3333 - سَقَى قَومِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْراً والقَبائِلَ من هِلال دعى للجميع بالسقي، والخصب، و «نُمَيْراً» هو المفعول الثاني، أي: ما نميراً، وللداعي لأرض بالسقيا وغيرها: أسقى فقط. وقال الأزهري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: العرب تقول لكلِّ ما كان من بطُونِ الأنعام، ومن السَّماء، أو نهر يجري أسقيته، أي: جعلته شرباً له، وجعلت له منه مسقى، فإذا كان للمنفعة قالوا: «سَقَى» ، ولم يقولوا: «أسْقَى» . وقال الفارسيُّ: «سقيْتهُ حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً جَعَلتهُ لَهُ شرباً» . وقيل: سقاهُ إذا ناوله الإناء؛ ليشرب منه، ولا يقال من هذا أسقاه. وقرأ أبو رجاء «يُسْقِيكُمْ» بضمِّ الياء من أسفل، وفي فاعله وجهان: أحدهما: هو الله - تعالى -. والثاني: أنه ضمير النَّعم المدلول عليه بالأنعام، أي: نعماً يجعل لكم سقياه. وقرئ: «تَسْقِيكُمْ» بفتح التاء من فوق. قال ابن عطيَّة: وهي ضعيفةز قال أبو حيَّان: «وضعفها عنده - والله أعلم - أنه أنَّث في:» نُسقِيكُم» وذكر في قوله: «ممَّا في بطُونهِ» ، ولا ضعف من هذه الجهة؛ لأنَّ التَّذكير، والتَّأنيث باعتبارين» . قال شهابُ الدِّين: وضعفها عنده من حيث المعنى، وهو أنَّ المقصود الامتنان على الخلقِ، فنسبة السقي إلى الله هو الملائمُ لا نسبته إلى الأنعام. قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ يجوز أن تكون «مِنْ» للتبعيض، وأن تكون لابتداء الغاية وعاد الضمير ها هنا على الأنعام مفرداً مذكراً. قال الزمخشريُّ: ذكر سيبويه الأنعام في باب ما لا ينصرف في الأسماء المفردة الواردة على أفعال، كقولهم «ثَوْب أسْمَال» ، ولذلك رجع الضمير إليه مفرداً، وأمَّا ﴿فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: 21] في سورة المؤمنين، فلأنَّ معناه الجمع، ويجوز أن يقال في «الأنعام» وجهان: أحدهما: أن يكون جمع تكسير: «نَعَم» كأجْبَال في جَبَل. وأن يكون اسماً مفرداً مقتضياً لمعنى الجمعِ، فإذا ذكر، فكما يذكر «نَعَم» في قوله: [الرجز] 3334 - في كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ يَحْوُونَهُ ... يُلْقِحهُ قَومٌ ويَنتِجُونَهُ وإذا أنَّث ففيه وجهان: أنه تكسير نعم، وأنه في معنى الجمع. قال أبو حيَّان: أمَّا ما ذكرهُ عن سيبويه، ففي كتابه في هذا الباب، ما كان على مثال مفاعل، ومفاعيل ما نصُّه: «وأمَّا أجمال، وفلوس فإنَّها تنصرف، وما أشبهها؛ لأنها ضارعت الواحد، ألا ترى أنك تقول: أقْوَال، وأقَاوِيل، وأعْرَاب، وأعَارِيب، وأيْدٍ، وأيَادٍ فهذه الأحرف تخرج إلى مثال: مفَاعِل، ومفَاعِيل كما يخرج إليه الواحد، إذا كسر الجمع، وأما مفاعل، ومفاعيل، فلا يكسر؛ فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا البناء؛ لأنَّ هذا البناء هو الغاية فلما ضارعت الواحد صرفت» . ثمَّ قال: وكذلك الفعول لو كسرت مثل الفلوس؛ لأن يجمع جمعاً لأخرجته إلى فَعائِل كما تقول: جَدُود، وجَدائِد، ورَكُوب، ورَكائِب، وركاب. ولو فعلت ذلك بمفاعل، ومفاعيل، لم يجاوز هذا البناء، ويقوي ذلك أنَّ بعض العرب تقول: «أُتي» للواحد فيضم الألف، وأمَّا أفعال؛ فقد تقع للواحد، من العرب من يقول: «هو الأنعامُ» ، قال - الله عزَّ وجلَّ -: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ . وقال أبو الخطَّاب: سمعت من العرب من يقول: هذا ثوب أكياش. قال: والذي ذكره سيبويه: هو الفرق بين مفاعل ومفاعيل، وبين أفعال وفُعول وإن كان الجميع أبنية للجمع من حيث إنَّ مفاعل، ومفَاعِيل لا يجمعان، وأفعالٌ وفعولٌ قد يخرجان إلى بناء شبه مفاعل، أو مفاعيل فلما كانا قد يخرجان إلى ذلك انصرفا، ولم ينصرف «مفاعل» و «مفاعيل» لشبه ذينك بالمفرد من حيث إنه يمكن جمعها وامتناع هذين من الجمع، ثمَّ قوي شبههما بالمفرد بأن بعض العرب يقول في «أَتى» «أُتى» بضم الهمزة، يعني أنه قد جاء نادراً فعول، من غير المصدر للمفرد، وبأن بعض العرب قد يوقع أفعالاً للمفرد من حيث أفرد الضمير فيقول: هو الأنعامُ، وإنَّما ذلك على سبيل المجاز؛ لأنَّ الأنعام في معنى النعم والنَّعَم يفرد؛ كحما قال الشاعر: [الوافر] 3335 - تَركْنَا الخَيْلَ والنَّعََ المفدَّى ... وقُلْنَا للنِّساءِ بها: أقِيمِي ولذلك قال سيبويه: طوأمَّا أفعال فقد يقع للواحد «فقوله:» قد يقع للواحد» دليلٌ على أنه ليس ذلك بالوضع، فقول الزمخشريُّ: «إنَّه ذكره في الأسماءِ المفردةِ على أفعال» تحريف في اللفظ، وفهم عن سيبويه ما لم يرده، ويدلُّ على ما قلناه: أنَّ سيبويه حين ذكر أبنية الأسماء المفردة نص على أنَّ أفعالاً ليس من أبنيتها. قال سيبويه في باب ما لحقته الزِّيادة من بنات الثلاثة: «وليس في الكلام أفعيل، ولا أفْعَول، ولا أُفْعَال، ولا أفْعِيل، ولا أفعالُ إلا أن تكسِّر عليه اسماً للجمع» ، قال: «فهذا نصٌّ منه على أنَّ أفعالاً لا يكون في الأسماء المفردة» . قال شهاب الدِّين: الَّذي ذكره الزمخشريَّ، وهو ظاهر عبارة سيبويه، وهو كافٍ في تسويغ عودِ الضمير مفرداً، وإن كان أفعالاً قد يقع موقع الواحد مجازاً، فإنَّ ذلك ليس بصائرٍ فيما نحن بصدده، ولم يحرِّف لفظه، ولم يفهم عنه غير مراده لما ذكرناه من هذا المعنى الذي قصده. وقيل: إنَّما ذكر الضمير؛ لنه يعود على البعض، وهو الإناثُ؛ لأنَّ الذُّكور لا ألبان لها، والعبرة إنَّما هي في بعض الانعام. وقال الكسائي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أي في بطون ما ذُكِر» . قال المبرِّد: وهذا سائغ في القرآن، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: 11، 12] اي: هذا الشيء الطَّالع، ولا يكون هذا إلاَّ في التَّأنيث المجازي. ولا يجوز: جاريتك ذهب، وغلامك ذهبت، وعلى هذا خرج قوله: [الرجز] 3336 - فِيهَا خَطوطٌ من سَوادٍ وبَلقْ ... كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوليعُ البَهَقْ أي: كأن المذكور. وقيل: جمع التكسير فيما لا يعقل يعامل معاملة الجماعة، ومعاملة الجمع. ففي هذه السورة اعتبر معنى الجمع، وفي سورة المؤمنين، اعتبر معنى الجماعة، ومن الأوَّل قول الشَّاعر: [الرجز] 3337 - مِثْلُ الفِراخِ نُتفَتْ حَواصِلُه ... وقيل: لأنه يسدُّ مسدَّ الواحد يُفهم الجمع فإنه يسد مسده نعم، ونعم يفهم الجمع؛ ومثله قول الشاعر: [الرجز] 3338 - وطَابَ ألبَانُ اللِّقاحِ وبَرَد ... لأنه يسد مسدَّها «لبن» . ومثله قولهم هو أحسن الفتيان، وأجمله أي: أحسن فتى إلاَّ أنَّ هذا لا ينقاس عند سيبويه وأتباعه. وذكر أبو البقاء ستَّة أوجهٍ تقدم منها في غضون ما ذكر خمسة، والسادس: أنه يعود على الفحل؛ لأنَّ اللبن يكون من طرق الفحلِ الناقة، فأصل اللَّبن من الفحل. قال: «وهذا ضعيف؛ لأنَّ اللبن، وإن نسب إلى الفحل، فقد جمع البطون وليس في فحل الأنعام إلاَّ واحداً، ولا للواحد بطون، فإن قيل: أراد الجنس، فقد ذكر» . يعني أنه قد تقدَّم أنَّ التَّذكير باعتبار جنس الأنعام، فلا حاجة إلى تقدير عوده على فحلٍ المراد به الجنس، وهذا القول نقله مكي عن إسماعيل القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ - ولم يعقبه بنكير. قال القرطبي: واستنبط القاضي إسماعيل من عود هذا الضمير أن لبن الفحل يقبل التَّحريم. وقال: إنَّما جيءَ به مذكَّراً؛ لأنَّه راجع إلى ذكر النِّعم؛ لأنَّ اللَّبن للذَّكرِ محسوب ولذلك قضى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأنَّ اللبن محرِّمٌ حين أنكرته عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في حديث: «أفْلحَ أخي أبِي القعيس فلِلمَرْأةِ السَّقيُ وللرَّجُلِ اللِّقاحُ» . أحدها: أنَّه متعلق بالسّقي على أنَّها لابتداء الاية، فإن جعلنا ما قبلها كذلك، تعين أن يكون مجرورها بدلاً من مجرور «من» الأولى، لئلا يتعلَّق عاملان متَّحدان لفظاً ومعنى [بمعمول] واحد، وهو ممتنع إلا في بدل الاشتمال؛ لأنَّ المكان مشتملٌ على ما حلَّ فيه، وإن جعلتها للتَّبعيض هان الأمر. الثاني: أنَّها في محل نصبٍ على الحالِ من «لَبناً» ، إذ لو تأخَّرت، لكانت مع مجرورها نعتاً. قال الزمخشريُّ: «وإنَّما قدِّم؛ لأنه موضع العِبرة، فهو قمنٌ بالتَّقدم» . الثالث: أنَّها مع مجرورها حالٌ من الضمير الموصول قبلها. والفَرْثُ: فضالة ما يبقى من العلفِ في الكرشِ، وكثيفُ ما يبقى من الأكل في الأمعاء، ويقال: فرث كبده، أي: فتَّتها، وأفرث فلانٌ فلاناً؛ أونقعه في بليَّة يجرى مجرى الفرث. روى الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنه قال: «إذا استقرَّ العلف في الكرش، صار أسفله فرثاً، وأعلاه دماً، وأوسطه لبناً، فيجري الدَّمُ في العروقِ واللبن في الضَّرع، ويبقى الفرث كما هو» . قوله: «لَبَناً» هو المفعول الثاني للسَّقي. وقرئ: «سَيِّغاً» بتشديد الياءِ، بزنة «سَيِّد» وتصريفه كتصريفه. وخفف عيسى بن عمر، نحو «مَيْتٍ» ، و «هَيْنٍ» ، ولا يجوز أن يكون فعلاً، إذ كان يجب أن يكون سوغاً كقول. ومعنى: «سَائغاً للشَّاربينَ» ، أي هنيئاً يجري بسهولة في الحلق، وقيل: إنه لم [يشرق] أحدٌ باللَّبن قطُّ. فصل قال ابن الخطيب: اللَّبنُ والدَّم لا يتولدان ألبتَّة في الكرشِ، والدَّليلُ عليه الحسُّ، فإنَّ هذه الحيوانات تذبحُ ذبحاً متوالياً، وما رأى أحدٌ في كرشها لا دماً، ولا لبناً، ولو كان تولد الدَّم، واللَّبن في الكرش؛ لوجب أن يشاهد ذلك في بعض الأحوال، والشيء الذي دلَّت المشاهدة على فساده؛ لم يجز المصير إليه، بل الحق أنَّ الحيوان إذا تناول الغذاء، ووصل ذلك العلف إلى معدته إن ك ان إنساناً، وإلى كرشه إن كان من الأنعام وغيرها، فإذا طبخ، وحصل الهضمُ الأول فيه، فما كان منه صافياً انجذب إلى الكبد، وما كان كثيفاً، نزل إلى الأمعاء، ثمَّ ذلك الذي يحصل منه في الكبد ينطبخ فيها، ويصير دماً، وذلك هو الهضم الثاني، ويكون ذلك الدم مخلوطاً بالصَّفراءِ، والسَّوداء، وزيادة المادة المائية، أمَّا الصفراء، فتذهب إلى المرارة، والسَّوداءُ إلى الطحالِ، والماء إلى الكلية، ومنها إلى المثانة، وأما ذلك الدم فإنه يدخل في الأوردة، وهي العروقُ النابتة من الكبدِ، وهناك يحصل الهضمُ الثالث، وبين الكبد، وبين الضَّرع عروق كثيرة، فينصبُّ الدَّم من تلك العروق إلى الضَّرع والضرع لحمٌ غدديٌّ رخو أبيض، فيقلب الله - تعالى - الدم عند إصبابه إلى ذلك اللَّحم الغددي الرَّخو الأبيض، من صورة الدَّم إلى صورة اللَّبن فهذا هو القول الصحيح في كيفية تولد اللبن. فإن قيل: هذه المعاني حاصلةٌ في الحيوان الذَّكر، فلم لم يحصل منه اللَّبنُ؟ قلنا: الحكمة الإلهيَّة قد اقتضت تدبير كلِّ شيءٍ على الوجه اللائق به الموافق لمصلحته، فمزاج الذَّكر من كلِّ حيوان يجب أن يكون حاراً يابساً، ومزاج الأنثى يجب أن يكون بارداً رطباً، والحكمة فيه أنَّ الولد إنَّما يتكوَّن في داخل بدن الأنثى؛ فوجب أن يكون بدن الأنثى مختصاً بمزيد الرطوبات لوجهين: الأول: أنَّ الولد إنما يتولَّد من الرطوبات، فوجب أن يحصل في بدن الأنثى رطوبات كثيرة لتصير مادة لتولد الولد. والثاني: أنَّ الولد إذا كبر، وجب أن يكون بدن الأم قابلاً للتَّمدد؛ حتى يتسع لذلك الولد، فإذا كانت الرُّطوبات غالبة على بدنِ الأم، كان بدنها قابلاً للتَّمدد؛ فيتسع للولد، فثبت بما ذكرنا أنه - تعالى - خصَّ بدن الأنثى من كل حيوانٍ بمزيد الرُّطجوبات لهذه الحكمة، ثم إنَّ تلك الرطوبات التي كانت تصير مادة لازدياد بدن الجنين حين كان في رحم الأم، فعند انفصال الجنين، تنصب إلى الثَّدي، والضرع، ليصير مادَّة لغذاءِ ذلك الطفل الصَّغير، فظهر أنَّ السبب الذي لأجله يتولَّد اللَّبن من الدَّم في حق الأنثى غير حاصل في حق الذَّكر، فظهر الفرقُ. وقد تقدَّم ما نقل عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في أنَّ الفرث يكون في أسفل الكرش، والدم يكون في أعلاه، واللبن يكون في الوسطِ، وبيَّنَّا أنَّ هذا القول على خلاف الحس والتجربة. واعلم أنَّ حدوث اللَّبن في الثدي، واتِّصافه بالصِّفات الموافقة لتغذية الطفل مشتمل على حكم عجيبة، يشهد صريح العقل بأنَّها لا تحصل إلاَّ بتدبير الفاعل الحكيمِ والمدبر الرحيم، وبيانه من وجوه: الأول: أنه - تعالى - خلق في أسفل المعدة منفذاً يخرج منه ثقل الغذاءِ فإذا تناول الإنسان غذاء، أو شربة رقيقة؛ انطبق ذلك المنفذُ انطباقاً كليًّا، لا يخرج منه شيء من ذلك المأكول، والمشروب إلى أن يكمل انهضامه في المعدة، وينجذب ما صفا منه إلى الكبد، ويبقى الثقل هناك، فحينئذ ينفتح ذلك المنفذ، وينزل منه ذلك الثقل، وهذا من العجائب التي لا يمكن حصولها إلا بتدبير الفاعل الحكيم؛ لأنه متى كانت الحاجة إلى خروج ذلك الجسم من المعدة انفتح فحصل الانطباق تارة، والانفتاح أخرى، بحسب الحاجة، وتقدير المنفعة ممَّا لا يتأتَّى إلا بتدبير الفاعل الحكيم. الثاني: أنه - تعالى - أودع في الكبدة قوةً، تجذب الأجزاء اللطيفة الحاصلة في ذلك المأكول، والمشروب، ولا تجذب الأجزاء الكثيفة، وخلق في الأمعاءِ قوَّة تجذب تلك الأجزاء الكثيفة التي هي الثقل، ولا تجذب الأشياء اللطيفة ألبتَّة، ولو كان الأمر بالعكس، لاختلفت مصلحة البدن، ولفسد نظامُ هذا التركيب. الثالث: أنه - سبحانه وتعالى - أودع في الكبد قوَّة هاضمة طابخة، حتَّى إنَّ تلك الأجزاء اللطيفة؛ تنطبخُ في الكبد، وتنقلب دماً، ثمَّ إنه - تعالى - أودع في المرارة قوَّة جاذبة للصَّفراء، وفي الطحال قوَّة جاذبة للسَّوداء، وفي الكلية قوة جاذبة لزيادة المائيَّة، حتى يبقى الدم الصَّافي الموافق لتغذية البدن، وتخصيص كلِّ واحد من هذه الأعضاء بتلك القوَّة الحاصلة، لا يمكن إلا بتدبير الحكيم العليم. الرابع: أنَّ في الوقت الذي يكون الجنين في رحم الأم ينصب من ذلك الدم نصيب وافر إليه حتى يصير مادة تنمي أعضاء ذلك الولد، وازدياده، فإذا انفصل ذلك الجنين عن الرَّحم ينصب ذلك النَّصيب إلى جانب الثَّدي ليتولد منه اللبن الذي يكون غذاء له، فإذا كبر ذلك الولد لم ينصب ذلك النَّصيب لا إلى الرَّحم، ولا إلى الثدي، بل ينصبُّ على مجموع بدن المتغذي، فانصبابُ ذلك الدَّم في كلِّ وقتٍ إلى عضوٍ آخر انصباباً موافقاً للمصلحة، والحكمة لا يتأتَّى إلاَّ بتدبير الفاعل المختار الحكيم. الخامس: أنَّ عند تولد اللَّبن في الضرع أحدث - تعالى - في حلمة الثَّدي ثُقوباً صغيرة ومسامًّا ضيِّقة، ولما كانت هذه المسامُّ ضيِّقة جدًّا، فحينئذ لا يخرج منها إلا ما كان في غاية الصَّفاء، واللَّطافة، وأمَّا الأجزاء الكثيفة فإنَّه لا يمكنها الخروج من تلك المنافذ الضيِّقة فتبقى في الدَّاخل، والحكمة في إحداث تلك الثُّقوب الصَّغيرة والمنافذ الضيِّقة في رأسِ الحلمة؛ لكي تكون كالمصفاة، فكل ما كان لطيفاً خرج، وما كان كثيفاً؛ احتبس في الدَّاخلِ، فبهذا الطريق يصير ذلك اللَّبن خالصاً موافقاً لبدن الصَّبي «سَائِغاً للشَّاربين» . السادس: أنه - تعلى - ألهم ذلك الصبي إلى المص؛ فإنَّ الأم إذا ألقت حلمة الثَّدي في فم الصبي، فذلك الصبيُّ في الحال يأخذ في المص، ولولا أنَّ الفاعل المختار الرحيم قد ألهم ذلك الطفل الصغير ذلك العمل المخصوص، وإلا لم يحصل تخليق ذلك اللبن في الثَّدي. السابع: أنَّا بيَّنا أنه - تعالى - إنَّما خلق اللَّبن من فضلة الدَّم، وإنما خلق الدَّم من الغذاء الذي يتناوله الحيوان، فالشَّاة لمَّا تناولت العشب، وتولَّد منه الدم، وتولَّد اللبن من بعض أجزاء ذلك الدَّم، ثمَّ إنّ اللبن حصلت فيه أجزاء ثلاثة على طبائع متضادة، فما فيه من الدهن يكون حاراً رطباً، وما فيه من المائيَّة يكون بارداً رطباً، وما كان فيه من الجبنية يكون بارداً يابساً، وهذه الطبائع ما كانت حاصلة في العشب الذي تناولته الشَّاة، فظهر بهذين أنَّ هذه الأجسام لا تزال تنقلب من صفة غلى صفة، ومن حالة إلى حالة، مع أنَّه لا يناسب بعضه بعضاً، ولا يشاكل بعضه بعضاً، وعند ذلك فإنَّ هذه الأحوال إنما تحدث بتدبير فاعل مختار حكيم رحيم، يدبِّر أحوال هذا العالم على وفق مصالح العبادِ. قال المحققون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: اعتبار حدوث اللَّبن كما يدلُّ على وجود الصَّانع المختار، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر؛ لأنَّ العشب الذي يأكله الحيوان إنَّما يتولد من الماء والأرض، فخالق العالم دبَّر تدبيراً آخر، فقلب ذلك العشب دماً، ثم دبَّر تدبيراً آخر فقلب ذلك الدَّم لبناً خالصاً، ثمَّ أحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن، وهذا الاستقرار يجل على أنه - تعالى - قادرٌ على تقليب هذه الأجسام من صفة إلى صفة، ومن حالة غلى حالة، وإذا كان كذلك، لم يمتنع أيضاً أن يكون قادراً على قلب أجزاء ابدان الموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك، فبهذا الاعتبار يدلُّ من هذا الوجه على أنَّ البعث والقيامة أمرٌ ممكنٌ غير ممتنع. قوله: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه متعلق بمحذوف، فقدَّره الزمخشري: ونسقيكم من ثمرات النَّخيل والأعناب، أي: من عصيرها؛ وحذف لدلالة «نُسْقِيكُمْ» قبله عليه قال: «وتتَّخِذون بيان وكشف عن كيفية الإسقاء» . وقدَّره ابو البقاء: خلق لكم أو جعل لكم وما قدَّره الزمخشري أليقُ. لا يقال: لا حاجة إلى تقدير نسقيكم، بل قوله: «ومِنْ ثَمراتِ» عطف على قوله: «ممَّا في بُطونهِ» فيكون عطف بعض متعلقات الفعل الأوّل على بعض؛ كما تقول: سَقيْتُ زيْداً من اللَّبنِ ومن العسَلِ، فلا يحتاج إلى تقدير فعل قَبْل قولك: من العسل. لا يقال ذلك؛ لن «نُسْقِيكُمْ» الملفوظ به وقع تفسير ل «عِبْرَة» الأنعام، فلا يليق تعلُّق هذا به؛ لأنه ليس من العبرة المتعلِّقة بالأنعام. قال أبو حيان: وقيل: متعلق ب «نُسْقِيكُمْ» فيكون معطوفاً على ممَّا في بُطونهِ «أو: ب» نسقيكم «محذوفة دلَّ عليها» نُسْقِيكُمْ «انتهى. ولم يعقبه تنكير، وفيه ما تقدَّم. الثاني: أنه متعلق ب «تتَّخذُونَ» ، و «مِنْهُ» تكرير للظرف توكيداً؛ نحو: زيْدٌ في الدَّار فيها، قاله الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - وعلى هذا فالهاء في «مِنْهُ» فيها ستَّة أوجه: أحدها: أنها تعود على المضاف المحذوف الذي هو العصير؛ كما رجع في قوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] إلى الأهل المحذوف. الثاني: أنها تعود على معنى الثمرات؛ لأنها بمعنى الثَّمر. الثالث: أنها تعود على النَّخيل. الرابع: أنها تعود على الجنس. الخامس: أنها تعود على البعض. السادس: أنها تعود على المذكور. الوجه الثالث من الأوجه الأول: أنه معطوف على قوله: «فِي الأنعَام» فيكون في المعنى خبراً عن اسم إنَّ في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً﴾ التقدير: وإن لكم في الأنعام ومن ثمرات النخيل لعبرة، ويكون قوله: «تَتَّخِذُون» بياناً وتفسيراً للعبرة، كما وقع «نُسْقِيكُمْ» تفسيراً لها أيضاً. الرابع: أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، فقدَّره الطبري: ومن ثمرات النَّخيل والأعناب ما تتَّخذون. قال أبو حيان: «وهو لا يجوز على مذهب البصريِّين» . قال شهاب الدين: وفيه نظر؛ لأنَّ له أن يقول: ليست «ما» هذه موصولة، بل نكرة موصوفة، وجاز حذف الموصوف والصِّفة جملة؛ لأنَّ في الكلام «مِنْ» ، ومتى كان في الكلام «مِنْ» اطرد الحذف، نحو: «مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقَامَ» ؛ ولهذا نظَّره مكيٌّ بقوله - تعالى -: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: 164] ، أي: إلاَّ من له مقام معلوم، قال: فحذفت «مَنْ» لدلالة «مِنْ» عليها في قوله: «ومَا منَّا إلاَّ لهُ» . ولمَّا قدَّر الزمخشري الموصوف، قدره: «ثمر تتَّخذون منه» ؛ ونظَّره بقول الشاعر: [الرجز] 3339 - يَرْمِي بكفَّي كان مِنْ أرْمَى البَشرْ ... تقديره: بكفَّي رجلٍ، إلا أنَّ الحذف في البيت شاذٌّ؛ لعدم «مِنْ» . ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه؛ قال: «وقيل: هو صفة لمحذوفٍ تقديره: شيئاً تتخذون منه بالنصب، أي: وإن من ثمرات النَّخيل وإن شئت» شيءٌ» - بالرفع - على الابتداء، و «مِنْ ثمراتِ» خبره» . قال الواحدي: «و» الأعْنابِ» عطف على الثَّمرات لا على «النَّخيل» ؛ لنَّه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب، والعنب نفسه ثمرة وليس له ثمرة أخرى» . والسَّكرُ: بفتحتين فيه أقوال: أحدها: أنه من أسماء الخمر؛ كقول الشاعر: [البسيط] 3340 - بِئْسَ الصُّحَاةُ وبِئْسَ الشَّرْبُ شَرْبُهُم ... إذَا جَرَى فِيهِمُ المُزَّاءُ والسَّكرُ الثاني: أنه في الأصل مصدر، ثم سمِّي به الخمر، يقال: سَكرَ يَسْكَرُ سُكْراً وسَكَراً؛ نحو: رَشِد يَرشَدُ رُشْداً ورَشَداً؛ قال الشاعر: [الوافر] 3341 - وجَاءُونَا بِهمْ سَكَرٌ عَليْنَا ... فأجْلَى اليَومُ والسَّكرانُ صَاحِي قاله الزمخشري. الثالث: أنه اسم للخلِّ بلغة الحبشة؛ قاله ابن عبَّاس. الرابع: أنه اسم للعصير ما دام حلواً؛ كأنَّه سمِّي بذلك لمىله لذلك لو ترك. الخامس: أنه اسم للطعم، قاله ابو عبيدةح وأنشد: [الرجز} 3342 - جَعَلتُ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرَا ... أي: تنقلتُ بأعراضهم. وقيل في البيت بأنه من الخمر، وأنه إذا انتهك أعراض النَّاس كان يخمر بها. وقال الضحاك والنَّخعي ومن يبيحُ شرب النبيذ: السَّكر هو النبيذ؛ وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتدَّ، والمطبوخ من العصير. ومن حرَّمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا الإحلال. قوله: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ يجوز أن يكون من عطف المتغايرات، وهو الظاهر؛ كما قال المفسرون: إنه كالزَّبيب والخلِّ والدِّبس ونحو ذلك وأن يكون من عطف الصِّفات بعضها على بعضٍ، أي: تتَّخذون منه ما يجمع بين السَّكر والرِّزق الحسن؛ كقوله: [المتقارب] 3343 - ... - إلى المَلِكِ القَرْمِ وابنِ الهُمام ... ... ... ... ... ... . ... فصل ذهب ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد إلى أن السَّكر الخمر، والرزق الحسن الخلُّ والربُّ والتَّمر والزَّبيب. قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر؛ لأن هذه السورة مكية، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة. قال بعضهم: ولا حاجة إلى التزام النَّسخ؛ لأنه - تعالى - ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع، وخاطب المشركين بها؛ لأنها من أشربتهم، فهي منفعة في حقِّهم. ثم إنه - تعالى - نبَّه في هذه الآية أيضاً على تحريمها؛ لأنه ميَّز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر، فوجب أنَّ السَّكر لا يكون رزقاً حسناً؛ وهو حسن بحسب الشَّهوة، فوجب أن يقال: بأن الرجوع عن كونه حسناً بحسب الشَّريعة، وإنَّما يكون كذلك إذا كانت محرَّمة. ثم إنه - تعالى - لمَّا ذكر هذه الوجوه الَّتي هي دلائل على التَّوحيد من وجه، وتعديد للنِّعم العظيمة من وجه آخر - قال - جل ذكره -: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: من كان عاقلاً، علم بالضرورة أن هذه الأحوال لا يقدر عليها إلا الله تعالى -، فيحتجُّ بأصولها على وجود الإله القادر الحكيم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.