الباحث القرآني

- تعالى -: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ لما بين كمال القدرة والعلم، عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع المختار، فقال: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ . قرأ حمزة والكسائي: «إمَّهاتِكُمْ» بكسر الهمزة، والباقون بضمِّها، وأصل « أمَّهاتِكُم» : إمَّاتكُم، إلا أنه زيدت الهاء فيه كما زيدت في «أراق» فقيل: أهراق، وشذَّت زيادتها في الواحدة في قوله: [الرجز] 3350 - أمَّهَتِي خِندِفُ واليَاسُ أبِي ... والجملة من قوله: ﴿لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ حالٌ من مفعول «أخْرَجَكُمْ» غير عالمين و «شَيْئاً» إمَّا مصدر، أي: شيئاً من العلم، وإمَّا مفعول به والعلم هنا العرفان، وتقدَّم الكلام في «أمَّهَاتِكُمْ» في النِّساء. فصل خلق الإنسان في مبدأ الفطرة خالياً عن معرفة الأشياء. ثم قال تعالى -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ والمعنى: أن النَّفس الإنسانية ك انت في أول الخلقةِ خالية عن المعارف والعلوم ثم إن الله تعالى أعطاها هذه الحواس؛ لتستفيد بها المعارف والعلوم، وتحقيق الكلام فيه أن يقال: التَّصوُّرات والتَّصديقات إمَّا أن تكون كسبيَّة أو بديهيَّة؛ والكسبيَّة لا يمكن حصولها إلا بواسطة تركيبات البديهيَّات، فلا بد من سبق العلوم البديهيَّة. فإن قيل: هذه العلوم البديهية إمَّا أن يقال: كانت حاصلة منذ خلقنا، أو ما كانت حاصلة؛ ولأول باطل؛ لأنا بالضرورة نعلمُ أنَّا حين كنَّا جنيناً في رحم الأمِّ ما كنَّا نعرفُ ن النَّفي والإثبات لا يجتمعان، وما كنَّا نعرف أن الكلَّ أعظم من الجزء. وأما القسم الثاني: فإنه يقتضي أن هذه العلوم البديهية حصلت في نفوسنا بعد أنَّها ما كانت حاصلة، وحينئذٍ لا يمكن حصولها إلا بكسب وطلب، وكلُّ ما كان كسباً فهو مسبوق بعلوم أخرى إلى غير نهاية، وذلك محال. فالجواب: أن هذه العلوم البديهيَّة ما كانت حاصلة في نفوسنا أولاً، ثم إنها حدثت، وحصلت، أما قوله: فيلزم أن تكون كسبية، فهذه المقدمة ممنوعة، بل نقول: إنها إنما حدثت في نفوسنا بعد عدمها، بواسطة إعانة الحواسِّ التي هي السَّمع والبصر، فإن النفس كانت في مبدأ الخلقة خالية عن جميع العلوم، إلا أنه تعالى خلق السمع والبصر فإذا أبصر الطفل شيئاً أو سمعه مرة بعد أخرى، ارتسم في خياله ماهيَّة ذلك المبصر والمسموع؛ وكذلك القول في سائر الحواسِّ، فيصير حصول الحواسِّ سبباً لحضور ماهيَّات المحسوسات في النَّفس والعقل. ثم إنَّ تلك الماهيَّات على قسمين: أحدهما: ما يكون حضوره مزجباً تاماً في جرم الذِّهن، بإسناد بعضها إلى بعض بالنَّفي أو الإثبات، مثل أنه إذا حضر في الذِّهن أن الواحد ما هو؟ وأن نصف الاثنين ما هو؟ كان حضور هذين التَّصوُّرين في الذهن علَّة تامة في جرم الذِّهن؛ بأنَّ الواحد محكوم عليه بأنَّه نصلف الاثنين، وهذا القسم هو العلوم البديهيَّة. والقسم الثاني: ما لا يكون كذلك، وهو العلوم النَّظريَّة؛ مثل أنَّه إذا حضر في الذِّهن بأنَّ الجسمَ ما هو؟ والمحدث ما هو؟ فإن مجرَّد هذين التصوُّرين في الذِّهْن لا يكفي في جزم الذهن بأنَّ الجسم محدث، بل لا بدَّ فيه من [دليل] منفصل وعلوم سابقة. والحاصل أن العلوم الكسبيَّة إنما يمكن اكتسابها بواسطة العلوم البديهيَّة، وحدوث العلوم البديهيَّة إنما تكون عند حدوث تصوُّر موضوعاتها، وتصوُّر محمولاتها، وحدوث التَّصورات إنَّما كان بسبب إعانة هذه الحواس على إحداثها؛ فظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النُّفُوس والعقول هو أنَّه - تعالى - أعطى هذه الحواس. فلهذا قال - تعالى -: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ ليصير حصول هذه الحواس سبباً لانتقال نفوسكم من الجهل إلى العلم بالطَّريق المذكور. وقال المفسرون: «وجَعلَ لَكُمُ السَّمْعَ» لتسمعوا مواعظ الله تعالى، «والأبْصَارَ» لتبصروا دلائل [آلاء] الله، «والأفْئِدةَ» لتعقلوا عظمة الله. و «الأفْئِدَة» جمع فُؤادِ؛ نحو: أغْرِبة وغُراب، قال الزجاج: ولم يجمع «فُؤاد» على أكثر العددِ، وما قيل: «فِئْدَان» كما قيل: «غُرَاب وغِرْبَان» . ولعلَّ الفؤاد إنَّما جُمِع على جمع القلَّة؛ تنبيهاً على أنَّ السَّمع والبصر كثيران، وأن الفؤاد قليلٌ؛ لأن الفؤاد إنَّما خلق للمعارف الحقيقيَّة، والعلوم اليقينيَّة، وأكثر الخلق ليسوا كذلك، بل يكونوا مشغولين بالأفعال البهيميَّة والصِّفات السبعية، فكأن فؤادهم ليس بفؤادٍ؛ فلهذا جمع جمع القلَّة قاله ابن الخطيب. وقال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى -: «إنَّه من الجموع التي استعملت للقلَّة والكثرة، ولم يسمع فيها غير القلَّة، نحو:» شُسُوع «، فإنَّها للكثرة، وتستعمل في القلَّة، ولم يسمع غير شسوع. كذا قال وفيه نظر فقد سمع فيهم» أشساع «فكان ينبغي أن يقال: غلب» شسوع «. فإن قيل: قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ ، عطف على قوله:» أخْرَجَكُم «وهذا يقتضي أن يكون جعل السَّمع والبصر متأخِّراً عن الإخراج من البطن؛ وليس كذلك. فالجواب: أنَّ حرف الواو لا يوجب التَّرتيب، وأيضاً إذا حملنا السمع على الإسماع والبصر على الرؤية، زال السؤال، هذا إذا جعلنا قوله - تعالى -:» وجَعلَ «معطوفاً على» أخْرَجَكُم «فيكون داخلاً فيما أخبر به عن المبتدأ ويجوز أن يكون مستأنفاً. فصل قيل: معنى الكلام: لا تعلمون شيئاً ممَّا أخذ عليكم من الميثاق في أصلاب آبائكم، وقيل: لا تعلمون شيئاً ممَّا قضى عليكم به من السَّعادة والشقاوة، وقيل: لا تعلمون شيئاً، أي: من منافعكم. قال البغوي - رَحِمَهُ اللَّهُ -:» تمَّ الكلام عند قوله - تعالى -: ﴿لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ ثمَّ ابتدأ فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة﴾ ؛ لأنَّ الله - تعالى - جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمَّهات، وإنَّما أعطاهم العلم بعد الخروج» . وسيأتي الكلام في حكمة ذكره السمع بلفظ المصدر، والأبصار والأفئدة بلفظ الاسم في سورة السَّجدة إن شاء الله - تعالى -. وقوله - تعالى -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع﴾ ، أي لتسمعوا به الأمر والنهي، «والأبْصَارَ» أي: لتبصروا بها آثار منفعة الله، «والأفْئِدةَ» لتصلوا بها إلى معرفته - سبحانه وتعالى - وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ، أي: نِعَمه. قوله - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مُسَخَّرَاتٍ﴾ الآية هذا دليلٌ آخر على كمال قدرة الله وحكمته. قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: «ألَمْ تَروْا» بالتاء من فوق، والباقون: بالياء على الحكاية لمن تقدَّم ذكره من الكفَّار. قوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ يجوز أن تكون الجملة حالاً من الضمير المستتر في «مُسخَّراتٍ» ، ويجوز أن تكون حالاً من الطير، ويجوز أن تكون مستأنفة. ومعنى «مُسخَّراتٍ» : مذللات، «في جوِّ السَّماءِ» وهو الهواءُ بين السَّماء والأرض؛ قال: [الطويل] 3351 - فَلسْتُ لإنْسيٍّ ولكِنْ لمَلأكٍ ... تَنزَّلَ من جوِّ السَّماءِ يَصُوبُ وقيل: الجوُّ ما يلي الأرض في سمت العلوِّ واللوح والسُّكاك أبعد منه. قال كعب الأحبار - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: إنَّ الطير يرتفع اثنا عشر ميلاً ولا يرتفع فوق هذا، وفوق الجوِّ السُّكاك، وفوق السُّكاك السماء، و ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله﴾ تعالى، أي: في حال القبض، والبسط، والاسطفاف ينزلهم كيف يعتبرونها في وحدانيَّته. ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خصَّ هذه الآيات بالمؤمنين؛ لأنَّهم هم المنتفعون بها. فصل جسد الطائر جسم ثقيل، يمتنع بقاؤه في الجوِّ معلَّقاً بلا علاقة ولا دعامة، فوجب أن يكون الممسك له في الجوِّ هو الله - تعالى -، والظاهر أن إبقاءه في الجوِّ فعله باختياره، وهذا يدلُّ على أنَّ فعل العبد خلق الله - تعالى -. قال القاضي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنَّما أضاف - تعالى - هذا الإمساك إلى نفسه؛ لأنه - تعالى - هو الذي أعطى الآلات التي يمكن الطير بها من تلك الأفعال، فلما كان - تعالى جلَّ ذكره - هو المسبب لذلك، صحَّت هذه الإضافة. والجواب: هذا تركٌ للظاهر من غير دليل. قوله - تعالى -: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ الآية وهذا نوعٌ آخر من دلائل التوحيد. قوله: «سَكَناً» يجوز أن يكون مفعولاً أولاً، على أنَّ الجعل تصيير والمفعول الثاني أحد الجارين قبله، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلقِ فيتعدَّى لواحدٍ، وإنَّما وحد السكن؛ لأنه بمعنى ما يسكنون فيه، قاله أبو البقاء. وقد يقال: إنه في الأصل مصدر، وإليه ذهب ابن عطية، فتوحيده واضح إلا أن أبا حيَّان منع كون مصدراً ولم يذكر وجه المنع، وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة: إن السكن «فَعْل» بمعنى «مَفْعُول» : كالقَبْضِ والنقْضِ بمعنى المَنْقُوض والمَقْبُوض؛ وأنشد الفراء فقال: [البسيط] 3352 - جَاءَ الشِّتاءُ ولمَّا أتَّخِذْ سَكَناً ... يَا وَيْحَ نَفْسِي مِنْ حَفْرِ القَرامِيصِ والسَّكنُ: ما سكنتَ إليه وما سَكنْتَ فيه، قال الزمخشري: «السَّكن ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلفٍ» . واعلم أنَّ البيوت الَّتي يسكن فيها الإنسان على قسمين: أحدهما: البيوت المتَّخذة من الحجر والمدر، وهي المرادة من قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ وهذا القسم لا يمكن نقله بل الإنسان ينتقل إليه. والثاني: البيوت المتَّخذة من القباب والخيام والفساطيط، وهي المرادة بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ وهذا القسم يمكن نقله مع الإنسان. قوله: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو بفتح العين، والباقون بإسكانها، وهما لغتان كالنَّهْر والنَّهَر. وزعم بعضهم أن الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق؛ كالشَّعْر والشعَر «. والظَّعنُ مصدر ظعن، أي: ارتحل، والظَّعينةُ: الهوجد فيه المرأة وإلا فهو محمل، ثم كثر حتى قيل للمرأة: ظعينة. فصل والمعنى: جعل لكم من جلودِ الأنعام بيوتاً، يعني: الخِيَام، والقِبَاب والأخبية، والفَساطِيط من الأنطاع والأدم:،» تَسْتَخِفُّونَها «أي: يخف عليكم حملها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ رحلتكم في سفركم، والظَّعْنُ: سير [البادية] لنجعة أو لحضور ماء أو طلب مرتع، والظَّعْنُ أيضاً: الهَوْدَج؛ قال: [الهزج] 3353 - ألاَ هَلْ هَاجكَ الأظْعَانُ إذ بَانُوا ... وإذْ جَادتْ بِوشْكِ البَيْنِ غِرْبَانُ ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلدكم لا يثقل عليكم في الحالتين، و» مِنْ» راجعة إلى الحالتين ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ يعني: أصواف الضَّأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، وذكر الأصواف والأوبار ولم يذكر القطن والكتاب؛ لأنهما لم يكونا ببلاد العرب. قوله: «أثَاثاً» فيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب عطفاً على» بُيُوتًا «أي: وجعل لكم من أصوافها أثاثاً، وعلى هذا يكون قد عطف مجروراً على مجرورٍ، ومنصوباً على منصوب، ولا فصل هنا بين حرف العطف والمعطوف حينئذ. وقال أبو البقاء - رَحِمَهُ اللَّهُ -:» وقد فصل بينه وبين حرف العطف بالجار والمجرور، وهو قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ وهو ليس بفصل مستقبح كما زعم في الإيضاح؛ لأنَّ الجارَّ والمجرور مفعول، وتقديم مفعول على مفعول قياس «. وفيه نظر؛ لأنه عطف مجروراً على مثله، ومنصوباً على مثله. والثاني: أنه منصوب على الحال، ويكون قد عطف مجروراً على مثله تقديره: وجعل لكم من جلود الأنعام، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها بيوتاً حال كونها أثاثاً، ففصل لالمفعول بين المتعاطفين، وليس المعنى على هذا، إنما هو على الأول. والأثاث: متاع البيت إذا كان كثيراً، وأصله: مِنْ أثَّ الشعرُ والنَّباتُ؛ إذا كشفا وتكاثرا؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 3354 - وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسْودَ فَاحمٍ ... أثِيثٍ كَقِنْوِ النَّخلَةِ المُتعَثْكِلِ ونساءٌ أثائِثُ، أي: كثيرات اللحم كأنّ عليهن أثاثاً، وفلان كثر أثاثهُ. وقال الزمخشري: الأثاث ما جدَّ من فرش البيت، والخُرثيُّ: ما قدم منها؛ وأنشد: [البسيط] 3355 - تَقادمَ العَهْدُ من أمِّ الوليدِ بِنَا ... دَهْراً وصَارَ أثَاثُ البيتِ خُرثِيَّا وهل له واحدٌ من لفظه؟ فقال الفراء: لا، وقال أبو زيد: واحده أثاثة وجمعه في القلَّة: أثثة؛ ك» بَتَات» و «أبتَّة» ، وقال أبو حيَّان: وفي الكثير على أثث، وفيه نظر؛ لأن «فعالاً» المضعَّف يلزم جمعة على أفعلة في القلَّة والكثرة، ولا يجمع على «فُعُل» إلا في لفظتين شذَّتا، وهما: عُيُن وحُجُج جمع عيَّان وحجَّاج، وقد نص النحاة على منع القياس عليهما، فلا يجوز: زمام وزُمُم بل أزمَّة وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظهما؛ كقوله: [الوافر] 3356 - ... ... ... ... ... ... ... وألْفَى قَوْلهَا كَذِباً ومَيْنَا وقوله: [الطويل] 3357 - ... ... ... ... ... ... ... وهِنْدٌ أتَى من دُونِهَا النَّأيُ والبُعْدُ وقيل: متاعاً: بلاغاً ينتفعون به، «إلى حين» يعني: الموت، وقيل: إلى حين البِلَى. قوله - تعالى -: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾ الآية فالإنسانُ إما أن يكون مقيماً أو مسافراً، والمسافر إمَّا أن يكون غنيًّا يستصحب معه الخيام أو لا. فالقسم الأول أشار إليه بقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً﴾ ، وأشار إلى القسم الثاني بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً﴾ وأشار إلى القسم الثالث بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾ فإن المسافر إذا لم يكن له خيمة يستظل بها، فإنَّه لا بد وأن يستظلَّ إما بجدار أو شجرٍ أو بالغمامِ؛ كما قال - سبحانه -: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام﴾ [الأعراف: 160] . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ جمع «كِنّ» ؛ وهو ما حفظ من الرِّيحِ والمطرِ، وهو في الجبل: الغار، وقيل: كلُّ شيءٍ وقَى شيْئاً، ويقال: اسْتكن وأكَنّ، إذا صار في كنٍّ. واعلم أبلاد العرب شديدة الحرِّ، وحاجتهم إلى الظلِّ ودفع الحرِّ شديدة؛ فلهذا ذكر الله - تعالى - هذه المعاني في معرض النِّعمة العظيمة، وذكر الجبال ولم يذكر السهول وما جعل لهم من السهول أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب جبال، كما قال - تعالى -: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ ؛ لأنَّهم كانوا أصحاب وبر وشعر، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: 43] وما أنزل من الثلج أكثر لكنهم كانوا لا يعرفون الثَّلج. وقال ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ وما يَقِي من البرد أكثر؛ لأنهم كانوا أصحاب حرٍّ. ولمَّا ذكر الله - تعالى - أمر المسكن، ذكر بعده أمر الملبُوسِ؛ فقال - جل ذكره -: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ والسَّرابيل: القُمص واحدها سربال. قال الزجاج - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «كل ما لبسته فهو سِرْبال، من قميصٍ أو دِرْعٍ أو جَوشنٍ أو غيره» ؛ وذلك لأن الله - تعالى - جعل السَّرابيل قسمين: أحدهما: ما يقي الحرَّ والبرد. والثاني: ما يتقى به من البأسِ والحروب. فإن قيل: لم ذكر الحرَّ ولم يذكر البرد؟ . فالجواب من وجوه: أحدها: قال عطاء الخراساني: المخاطبون بهذا الكلام هم العرب، وبلادهم حارَّة [يابسة] ، فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحرَّ أشدَّ من حاجتهم إلى ما يدفع البرد: كما قال - سبحانه وتعالى - ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ﴾ وسائر أنواع الثياب أشرف، إلا أنه - تعالى - ذكر هذا النَّوع؛ لأن عادتهم بلبسها أكثر. والثاني: قال المبرِّد: ذكر أحد الضِّدَّين تنبيه على الآخر؛ كقوله: [الطويل] 3358 - كَأنَّ الحَصَى من خَلْفِهَا وأمَامِهَا ... إذَا حَذفَتْهُ رجْلُهَا خَذفُ أعْسَرَا لمَّا ثبت في العلوم العقليَّة أن العلم بأحد الضِّدين يستلزم العلم بالضدِّ الآخر، فإنَّ الإنسان إذا خطر بباله الحر، خطر بباله البرد أيضاً وكذا القول في النُّور والظلمة، والسَّواد والبياض. الثالث: قال الزجاج: «وما وقَى من الحرِّ وقى من البرد، فكان ذكر أحدهما مغنياً عن الآخر» . فإن قيل: هذا بالضدِّ أولى؛ لأن دفع الحرِّ يكفي فيه السَّرابيل التي هي القُمص دون تكلُّف زيادة، أما البرد فإنَّه لا يندفع إلا بزيادة تكلُّف. فالجواب: أن القميص الواحد لمَّا كان دافعاً للحر، كانت السَّرابيل التي هي الجمع دافعة للبرد. قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ﴾ ، أي: مثل ذلك الإتمام السابق، ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في المستقبل. وقرأ ابنُ عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: «تَتِمُّ» بفتح التاء الأولى، «نِعْمَتُهُ» بالرفع على الفاعلية، وقرأ أيضاً: «نِعَمَهُ» جمع نعمة مضافة لضمير الله - تعالى -، وقرأ أيضاً: «لعلكم تَسْلَمُونَ» بفتح التاء واللام مضارع سَلِمَ من السلامة، وهو مناسب لقوله: «تَقِيكُم بَأسكُمْ» ؛ فإنَّ المراد به الدُّروع الملبوسة في الحبب، أو تؤمنوا فتسلموا من عذاب الله. قوله: «فإنْ تَولَّوا» يجوز أن يكون ماضياً، ويكون التفاتاً من الخطاب المتقدِّم، وأن يكون مضارعاً، ولأصل: تتولَّوا، قحذف نحو: «تَنزَّلُ وتَذَّكرُونَ» ولا التفات على هذا، بل هو جارٍ على الخطاب السَّابق. ومعنى الكلام: فإن أعرضوا، فلا يلحقك في ذلك عتب ولا تقصير، وليس عليك إلاَّ ما فعلت من التَّبليغ التَّام. قوله: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ هو جواب الشَّرط، وفي الحقيقة جواب لشرط محذوف، أي: فأنت معذور، وأتى ذلك على إقامة السَّبب مقام المسبب؛ وذلك لأن تبليغه سبب في عذره، فأقيم السَّبب مقام المسبب، ثمَّ ذمَّهم بأنهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وذلك نهاية في كفران النِّعمة، وجيء ب طثُمَّ «هنا للدَّلالة أن إنكارهم أمر مستبعد بعد حصول المعرفة؛ لأنَّ من عرف النِّعمة حقُّه أن يعترف لا أن ينكر، وفي المراد بالنِّعمة وجوه: قال القاضي: هي جميع ما ذكر الله تعالى في الآيات المتقدِّمة، ومعنى إنكارهم: أنهم ما أفردوه - تعالى - بالشُّكر والعبادة، بل شكروا غيره وقالوا: إنما حصلت هذه النعمة بشفاعة الأصنام. وقيل: المراد بالنِّعمة هنا: نُبوَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عرفوا أنَّها حق ثمَّ أنكروها، ونبوته نعمة عظيمة؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] . وقيل: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ ، أي: لا يستعملونها في طلب رضوان الله، ثم قال جل ذكره: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ . فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ مع أنَّهم كلهم كافرون؟ . فالجواب من وجوه: الأول: إنما قال - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ ؛ لأنه كان فيهم من لم تقم عليه الحجَّة؛ كالصَّبي وناقص العقل، فأراد بالأكثر؛ البالغين الأصحاء. والثاني: أن المراد بالكافر: الجاحد المعاند، فقال: «وأكْثَرهُم» ؛ لأنه كان فيهم من لم يكن معانداً، بل جاهلاً بصدق الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ولم يظهر له كونه نبيًّا حقًّا من عند الله. الثالث: ذكر الأكثر وأراد الجميع؛ لأن أكثر الشيء، يقوم مقام الكل؛ كقوله: ﴿الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: 25] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.