الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ الآية في تقرير النظم وجوه: الأول: أنه لما بيَّن في الآية الأولى: أنَّه المتكفِّل بأرزاق العباد؛ حيث قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الإسراء: 30] قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ . الثاني: أنه تعالى، لمَّا علم كيفية البرِّ بالوالدين في الآية المتقدمة، علم في هذه الآية كيفية البرِّ بالأولاد، ولهذا قيل: إنَّ الأبرار إنما سمُّوا بذلك؛ لأنهم برُّوا الآباء والأبناء؛ فوجب برُّ الآباء مكافأة على ما صدر منهم من أنواع البرِّ؛ ووجب برُّ الأولاد، لأنَّهم في غاية الضعف والاحتياج ولا كافل لهم غير الوالدين. الثالث: أنَّ امتناع الأولاد من برِّ الآباء يوجب خراب العالم؛ لأنَّ الآباء، إذا علموا ذلك، قلت رغبتهم في تربية الأولاد؛ فيلزم خراب العالم، وامتناع الآباء من البرِّ أيضاً كذلك. الرابع: أنَّ قتل الأولادِ، إن كان لخوفِ الفقر، فهو سوء الظنِّ بالله تعالى، وإن كان لأجل الغيرة على البناتِ فهو سعيٌ في تخريب العالم، فالأوَّل ضدُّ التعظيم لأمر الله تعالى، والثاني ضدُّ الشفقةِ على خلق الله، وكلاهما مذمومان. الخامس: أنَّ قرابة الأولاد قرابةُ الجزئيَّة والبعضيَّة، وهي من أعظم الموجبات للمحبَّة، فلو لم تحصل المحبَّة دلَّ ذلك على غلظٍ شديد في الرُّوح، وقسوة في القلب، وذلك من أعظم الأخلاق الذميمة، فرغَّب الله في الإحسان إلى الأولاد؛ إزالة لهذه الخصلة الذميمة. فصل قرأ العامة «تَقْتلُوا» بالتخفيف، وقرأ ابن وثاب والأعمش «تُقتِّلُوا» بالتشديد و «خِشْيَة» بكسر الخاء. قال المفسِّرون: إنَّ العرب كانوا يقتلون البنات؛ لعجز البنات عن الكسب، وقدرة البنين عليه؛ بسبب إقدامهم على النَّهب والغارة، وأيضاً: كانوا يخافون أن ينفر الأكفاء عنها، وعن الرغبة فيها، فيحتاجون إلى إنكاحها من غير الأكفاء، وفي ذلك عارٌ شديدٌ. واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ﴾ عامٌّ في الذكور والإناث، أي: أنَّ الموجب للشَّفقة والرحمة هو كونه ولداً، وهذا الوصف يشترك فيه الذكور والإناث، وأما ما يخاف من الفقر في البنات، فقد يخاف أيضاً في العاجز من البنين، ثم قال تعالى: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم﴾ أي أنَّ الأرزاق بيد الله، فكما يفتحُ أبواب الرِّزق على الرِّجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النِّساء. قوله تعالى: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ . قرأ ابن ذكوان: «خَطَأ» بفتح الخاء والطاء من غير مدٍّ، وابن كثيرٍ بكسرِ الخاءِ والمدِّ، ويلزم منه فتح الطاء، والباقون بكسر الخاء وسكون الطاء. فأمَّا قراءة ابن ذكوان، فخرَّجها الزجاج على وجهين: أحدهما: أن يكون اسم مصدر؛ من أخطأ يخطئ خطأً، أي: إخطاءً، إذا لم يصبْ. والثاني: أن يكون مصدر خطئ يَخطأ خطأ، إذا لم يصب أيضاً، وأنشد: [الكامل] 3412 - والنَّاسُ يَلحَوْنَ الأميرَ إذَا هُمُ ... خَطِئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرشِدُ والمعنى على هذين الوجهين: أنَّ قتلهم كان غير صوابٍ، واستبعد قوم هذه القراءة قالوا: لأنَّ الخطأ ما لم يتعمَّد، فلا يصحُّ معناه. وخفي عنهم: أنه يكون بمعنى أخطأ، أو أنه يقال: «خَطِئَ» إذا لم يصب. وأمَّا قراءة ابن كثير، فهي مصدر: خَاطَأ يُخاطِئُ خطاءً؛ مثل: قاتل يُقاتلُ قتالاً، قال أبو عليٍّ: «هي مصدر خَاطَأ يُخاطِئُ، وإن كنَّا لم نجد» خَاطَأ «ولكن وجدنا تخاطأ، وهو مطاوع» خَاطَأ «فدلَّنا عليه، ومنه قول الشاعر: [المتقارب] 3413 - تَخاطَأتِ النَّبلُ أحْشاءَهُ ... وأخَّرَ يَومِي فَلمْ يَعْجلِ وقال الآخر: [الطويل] 3414 - تَخاطَأهُ القنَّاصُ حتَّى وجَدتُهُ ... وخُرطُومهُ في مَنْقعِ المَاءِ رَاسِبُ فكأنَّ هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحقَّ والعدل» . وقد طعن قومٌ على هذه القراءة حتَّى قال أبو جعفرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «لا أعرفُ لهذه القراءة وجهاً» ولذلك جعلها أبو حاتمٍ غلطاً. قال شهاب الدين: قد عرفهُ غيرهما، ولله الحمد. وأما قراءة الباقين فواضحة؛ لأنَّها من قولهم: خَطِئَ يَخطَأ خِطئاً، كأثِمَ يَأثمُ إثماً، إذا تعمَّد الكذب. وقرأ الحسن: «خَطَاء» بفتح الخاء والمدِّ، وهو اسم مصدر «أخْطَأ» كالعطاءِ اسم للإعطاء. وقرأ أيضاً «خطَا» بالقصر، وأصله «خَطَأ» كقراءةِ ابن ذكوان، إلاَّ أنه سهَّل الهمزة بإبدالها ألفاً، فحذفت كعصا. وأبو رجاءٍ والزهريُّ كذلك، إلاَّ أنهما كسرا الخاء ك «زِنَى» وكلاهما من خَطِئ في الدين، وأخطأ في الرَّأي، وقد يقام كلٌّ منهما مقام الآخر. وقرأ ابن عامرٍ في رواية «خَطْئاً» بالفتح والسكون والهمز، مصدر «خَطِئ» بالكسر. قال المفسِّرون: معنى الكلِّ واحدٌ، أي: إثماً كبيراً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.