الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية لما حكى تعالى عنهم بأنَّهم لما عصوا، سلَّط الله عليهم أقواماً قصدوهم بالقتل والنَّهب، فعند ذلك ظهر أنههم أطاعوا، فقال تعالى: إن أطاعوا، فقد أحسنوا إلى أنفسهم، وإن أصرُّوا على المعصية، فقد أساءوا إلى أنفسهم، وقد تقرَّر في العقول أن الإحسان إلى النَّفْس حسنٌ مطلوبٌ، وأن الإساءة إليها قبيحةٌ، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ . قوله تعالى: ﴿فَلَهَا﴾ : في اللام أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» أي: فعليها كقوله: [الطويل] 3380 - ... ... ... ... ... ... . ... فَخَرَّ صَرِيعاً لليَدَيْنِ وللْفَمِ أي: على اليدين. وحروف الإضافة يقوم بعضها مقام بعضٍ؛ كقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] أي: إليها. والثاني: أنها بمعنى «إلى» . قال الطبريُّ: «أي: فغليها ترجعُ الإساءة» . الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دون «على» للمقابلة في قوله: «لأنْفُسكُمْ» فأتى بها ازدواجاً. وهذه اللام يجوز أن تتعلق بفعل مقدرٍ كما تقدَّم في قول الطبريِّ، وإمَّا بمحذوف على أناه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فلها الإساءةُ لا لغيرها. قال الواحدي: «لا بُدَّ في الآية من إضمارٍ؛ والتقدير: وقلنا:» إنْ أحسَنْتُم، أحسنتم لأنفُسِكُمْ» والمعنى: إنْ أحْسَنْتُمْ بفعل الطاعات، فقد أحسنتم إلى أنفسكم من حيث إن تفعلوا تلك الطاعة يفتح الله عليكم أبواب الخيرات والبركات وإن أسأتم بفعل المحرَّمات، أسأتم إلى أنفسكم من حيث إنَّ شُؤم تلك المعاصي يفتحُ الله عليكم أبواب العقوبة. قال أهل المعاني: «هذه الآيةُ تدلُّ على أن رحمة الله تعالى غالبةٌ على غضبه؛ بدليل أنَّه لما حكى عنهم الإحسان، أعاده مرتين؛ فقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ ولما حكى عنهم الإساءة، اقتصر على ذكرها مرة واحدة، فقال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولولا أن جانب الرحمة غالبٌ، وإلاَّ لما كان ذلك» . قوله: «فإذا جَاءَ وعدُ الآخِرةِ» ، اي: المرَّة الآخرة، فحذفت» المرَّةُ «للدلالة عليها، وجواب الشرطِ محذوفٌ، تقديره: بَعَثْناهُم، ليَسًوءوا وُجُوهَكمْ، وإنما حسُن هذا الحذف لدلالة ما تقدَّم عليه من قوله: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ [الإسراء: 5] والمرةُ الآخرة هي إقدامهم على قتل زكريا ويحيى - عليهما الصلاة والسلام - وقصدهم قتل عيسى حين رفع. قال الواحديُّ:» فبعث الله عليهم بختنصَّر البابليَّ المجوسيَّ، فسبى بني إسرائيل، وقتل، وخرَّب بيت المقدس، وسلَّط عليهم الفرس والرُّوم: خردوش وطيطوس؛ حتَّى قتلوهم، وسبَوْهُم، ونَفوهُمْ عن ديارهم» . قال ابن الخطيب: «والتواريخُ تشهد أنَّ يختنصر كان قبل بعث عيسى وزكريَّا بسنين متطاولةٍ، ومعلوم أنَّ الملك الذي انتقم من اليهود بسبب هؤلاء ملكٌ من الرُّوم، يقال له: قُسطَنْطِينُ» . قوله: ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ متعلق بالجواب المقدر. يقال: سَاءَهُ يَسُوءهُ، أي: أحْزَنَهُ وإنما عزا الإساءة إلى الوجوه؛ لأنَّ آثار الأعراض الفسانيَّة الحاصلة في القلب إنَّما تظهر على الوجه، فإن حصل الفرح في القلب ظهرت النُّضرة والإشراق والإسفار في الوجه، وإن حصل الحزن والخوف في القلب ظهر الكلوح والغبرة والسَّواد في الوجه، فلهذا عزيت الإساءة غلى الوجوه في هذه الآية، ونظير هذا المعنى في القرآن كثيرٌ. وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «لِيَسًوءَ» بالياء المفتوحة وهمزة مفتوحة آخراً. والفاعل: إما الله تعالى، وإمَّا الوعد، وإمَّا البعثُ، وإمَّا النَّفيرُ، والكسائي بنون العظمة، أي: لِنَسُوء نحنُ، وهو موافقٌ لما قبله من قوله ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ﴾ و «وَدَدْنَا» و «أمْدَدْنَا» وما بعده من قوله: «عُدْنَا» و «جَعَلْنَا» وقرأ الباقون «لِيَسًوءُوا» مسنداً إلى ضمير الجمع العائد على العباد أو أولي البأسِ، أو على النَّفير؛ لأنه اسم جمعٍ، وهو موافقٌ لما بعده من قوله ﴿وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ﴾ وفي عود الضمير على النفير نظر؛ لأن النفير المذكور من المخاطبين، فكيف يوصف ذلك النفير بأنه يسوءُ وجوههم؟ اللهم إلا أن يريد هذا القائلُ أنه عائدٌ على لفظه، دون معناه؛ من بابِ «عِندِي دِرْهمٌ ونِصْفهُ» . وقرأ أبيٌّ «لِنَسُوءَنْ» بلام الأمر ونون التوكيد الخفيفة ونون العظمة، وهذا جواب ل «إذا» ولكن على حذف الفاء، أي: فَلِنَسُوءَنْ، ودخلت لامُ الأمر على فعل المتكلِّم؛ كقوله تعالى ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: 12] . وقرأ ابنُ أبي طالبٍ «لَيسُوءَنَّ» و «لَنَسُوءَنَّ» بالياء والنون التي للعظمة، ونون التوكيد الشديدة، واللام التي للقسم، وفي مصحف أبيِّ «لِيَسُوءُ» بضم الهمزة من غير واوٍ، وهذه القراءة تشبه أن تكون على لغةِ من يجتزئُ عن الواو بالضمة؛ كقوله: [الوافر] 3381 - فَلوْ أنَّ الأطبَّا كَانُ حَوْلِي..... ... ... ... ... ... يريد: «كَانُوا حَوْلِي» وقول الآخر: [الكامل] 3382 - ... ... ... ... ... ... ... . ..... . . إذَا مَا النَّاسُ جَاعُ وأجْدَبُوا يريد «جَاعُوا» ، فكذا هذه القراءة، أي: لِيَسُوءوا، كما في القراءةِ الشهيرة، فحذف الواو. وقرئ «لِيُسِيءَ» بضمِّ الياء وكسر السين وياء بعدها، أي: ليُقَبِّحَ الله وجوهكم، أو ليقبِّح الوعد، أو البعث. وفي مصحف أنس «وَجْهَكُمْ» بالإفراد؛ كقوله: [الوافر] 3383 - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكمُ تَعِفُّوا..... ... ... ... ... ... ... . . وكقوله: [الرجز] 3384 - ... ... ... ... ... ... ... ..... في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقَدْ شَجِينَا وكقوله: 3385 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... وأمَّا جِلدُهَا فَصَلِيبُ قوله: «وليَْخُلوا» من جعل الأولى لام «كَيْ» كانت هذه أيضاً لام «كَيْ» معطوفة عليها، عطف علة على أخرى، ومن جعلها لام أمرٍ كأبيٍّ، أو لام قسم؛ كعلي بن أبي طالب، فاللام في «لِيدْخُلوا» تحتمل وجهين: الأمر والتعليل، و «كَمَا دَخلُوهُ» نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالٌ من ضميره، كما يقول سيبويه، أي: دخولاً كما دخلوه، و «أوَّل مرَّةٍ» ظرف زمانٍ، وتقدَّم الكلام عليها في براءة. والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه. قوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾ التتبير الهلاك، يقال: تبر الشيء تبراً وتباراً وتبرية إذا هلك، وتبَّرهُ: أهلكه، وكلُّ شيء جعلته مكسَّراً مفتَّتا، فقد تبَّرتهُ، ومنه قيل: تب رالزجاج، وتبر الذَّهب لمكسره، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: 139] ، وقوله: ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ [نوح: 28] وقوله: «ما عَلَوْا» يجوز في «ما» أن تكون مفعولاً بها، أي: ليهلكوا الذي عَلوْهُ، أي: غلبوا عليه وظفروا وقيل: لِيهْدمُوه: كقوله: [الطويل] 3386 - ومَا النَّاسُ إلاَّ عَامِلانِ، فعَاملٌ ... يُتَبِّرُ مَا يَبْنِي وآخَرُ رَافِعُ ويحتمل: «ويُتَبِّرُوا ما داموا غالبين» أي: ما دام سلطانهم جارياً على بني إسرائيل، وعلى هذا تكون ظرفية، أي: مدَّة استعلائهم، وهذا يحوجُ إلى حذف مفعولٍ، اللهم إلا أنْ يكون القصدُ مجردَ ذِكْرِ الفعل؛ نحو: هو يعطي ويمنع. وقوله: «تَتْبيراً» ذكر للمصدر على معنى تحقيق الخبر، وإزالة الشكِّ في صدقه كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: 164] أي حقًّا، والمعنى ليُدمِّرُوا ويخرّبوا ما غلبوا عليه. ثم قال: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ والمعنى: لعلَّ ربَّكم أن يرحمكم، ويعفُوَ عَنْكُم يا بني إسرائيل بعد انتقامهِ منكم بردِّ الدَّولة إليكم. ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ أي: إن عدتم إلى المعصية، عدنا إلى العقوبة، قال القفال: «وإنَّما حملنا هذه الآية على عذاب الدنيا؛ لقوله تعالى في سورة الأعراف خبراً عن بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب﴾ [الأعراف: 167] ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ أي وإنهم قد عادوا إلى فعل ما لا ينبغي، وهو التكذيب بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكتمان ما ورد في التوراة والإنجيل، فعاد الله عليهم بالتعذيب على أيدي العرب، فجرى على بني النضير، وقريظة وبني قينقاع، ويهود خيبر ما جرى من القتل والجلاء، ثم الباقون منهم مقهورون بالجزية، لا ملك لهم ولا سلطان. ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ . يجوز أن تكون» حصيراً «بمعنى فاعل، أي: حاصرة لهم، محيطة بهم، وعلى هذا: فكان ينبغي أن تؤنَّث بالتاء كجبيرة. وأجيب: بأنها على النَّسب، أي ذات حصرٍ؛ كقوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18] ، أي ذات انفطارٍ، وقيل: الحصيرُ: الحبسُ، قال لبيد: [الكامل] 3387 - ومَقامَةٍ غُلْبٍ الرِّجالِ كَأنَّهم ... جِنٌّ لَدى بَابِ الحَصِير قِيَام وقال أبو البقاء:» لم يؤنثه؛ لأنَّ فعيلاً بمعنى فاعلٍ» وهذا منه سهوٌ؛ لأنه يؤدِّي إلى أن تكون الصفةُ التي على فعيلٍ، إذا كانت بمعنى فاعل، جاز حذف التاء منها، وليس كذلك لما تقدَّم من أن فعيلاً بمعنى فاعل يلزمُ تأنيثه، وبمعنى مفعول يجب تذكيره، وما جاء شاذًّا من النوعين يؤوَّلُ. وقيل: إنما لم يؤنَّث لأنّ تأنيث «جهنَّم» مجازيٌّ. وقيل: لأنها في معنى السِّجْن والمحبس، وقيل: لأنها بمعنى فراشٍ. ويجوز أن تكون بمعنى مفعول أي: جعلناها موضعاً محصوراً لهم، والمعنى: أنَّ عذاب الدنيا، وإن كان شديداً إلا أنه قد يتفلَّت بعض النَّاس عنه، والذي يقع فيه يتخلَّص عنه إمَّا بالموت، أو بطريق آخر، وأما عذاب الآخرة، فإنَّه يكون محيطاً به، لا رجاء في الخلاص منه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.