الباحث القرآني

لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ . روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا خَيْرَ في دينِ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بها» وفي رواية: «وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَدْ أمْسََ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية» . وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه. وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقامَ عمر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ. وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ ىية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية. قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1، 2] . ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] . وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك غدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] . ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52] . ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ : «إنْ» هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين طإن «النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى» ما «النافية، واللام بمعنى» إلاَّ «وضمِّن» يَفْتِنُونَكَ «معنى» يَصْرفُونكَ «فلهذا عدِّي ب» عَنْ «تقديره: ليصرفونك بفتتنتهم، و» لِتَفْترِي «متعلق بالفتنة. قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ﴾ » إذَنْ «حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و» لاتَّخذُوكَ «جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ» إذَنْ «تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ:» أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ «تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ» لاتَّخَذُوك «جوابٌ ل» لو «محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. * فصل في معنى الآية قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت» إنْ «و» اللام» للتأكيد، و «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار. يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. وقوله: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ يعني على الحق، بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً. قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئاً» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾ [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] . فإن قيل: قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف. فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. فإن قيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟ . قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عَزَّ وَجَلَّ عن حديث النفس. والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. فصل احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم. الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد. والجواب عن الأوَّل: أنَّ «كاد» معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: «كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً» لا يدلُّ على أنَّه ضربه. والجواب عن الثاني: أنَّ «لَوْلاَ» تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك مرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا. فقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان حصول ذلك التَّثْبِيت معانعاً من حصول ذلك الرُّكون. والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: 44 - 46] . وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . وقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 1] . * فصل في ألا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك. والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ملا كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.