الباحث القرآني

في النظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى لمَّا قرَّر الإلهيَّات والمعاد، والنبوة، أردفها بذكر الآية بالطَّاعات، وأشرفُ الطَّاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا أمر بها. وثانيها: أنه تعالى، لمَّا قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] . أمره تعالى بالإقبال على عبادته؛ لكي ينصره الله، فكأنَّه قيل: لا تبالِ بسعيهم في إخراجك من بلدك، ولا تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله، والدوام على الصلاة؛ فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرَّهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك عالياً على أديانهم. نظيره قوله تعالى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 97 - 99] . وثالثها: أنَّ اليهود، لمَّا قالوا له: اذهب إلى الشَّام، فإنه مسكن الأنبياء، وعزم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الذَّهاب إليه، فكأنَّه قيل له: المعبودُ واحدٌ في كلِّ البلاد، وما النصر والقوَّة والدولة إلا بتأييده ونصرته، فدوام على الصَّلوات، وارجع إلى مقرِّك ومسكنك، فقل: ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: 80] في تقرير دينك، وإظهار شريعتك. قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ﴾ : في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «بَعْدَ» أي: بعد دلوكِ الشمسِ، ومثله قولُ متمِّم بن نويرة: [الطويل] 3448 - فَلمَّا تَفرَّقْنَا كأنِّي ومَالِكاً ... لطُولِ اجتِماعٍ لمْ نَبِتْ لَيْلةً مَعَا ومثله قولهم: «كَتبْتُه لثلاثٍ خَلوْنَ» . والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك، قال الواحديُّ: «لأنَّها إنَّما تجبُ بزوالِ الشَّمسِ» . والدُّلُوك: مصدر دلكتِ الشمس، وفيه ثلاثة أقوالٍ: أشهرها: أنه الزَّوالُ، وهو نصفُ النَّهار. وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن عمر، وجابر، وعطاء، وقتادة، ومجاهدٍ، والحسنِ، وأكثر التَّابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. روى الواحديُّ في «البسيط» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: طَعِمَ عندي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، ثم خرجوا حين زالتِ الشمس؛ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا حين دلكت الشَّمسُ» . ورُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «أتَانِي جِبْريلُ صلوات الله عليه لدُلوكِ الشَّمسِ، حينَ زَالتِ الشَّمْسُ؛ فصّلَّى بِي الظُّهْرَ» . وقال أهل اللغة: الدُّلوكُ في كلام العرب: الزَّوال، ولذلك قيل للشمس، إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها، إذا أفلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، قاله الأزهريُّ. وقال القفال: أصلُ الدُّلُوك: الميل؛ يقال: مالتِ الشمس للزَّوال، ويقال: مالت للغُروب. وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المراد من الدلوك ها هنا الزَّوال عن كبد السماء، لأنَّه تعالى علَّق إقامة الصلاة بالدُّلوك، والدُّلوك عبارة عن الميل والزَّوال؛ فوجب أن يقال: إنه أوَّل ما حصل الميل والزَّوال، تعلق به هذا الحكم. وقال الأزهريُّ: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النَّهار؛ لأنَّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلِّها؛ فدلوك الشمس يتناول صلاة الظُّهر والعصر إلى غسق الليل، ثم قال: «وقُرْآن الفَجْرِ» وعلى هذا التقدير: يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر إذا حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات، وهي المغرب والعشاء والفجر، وحمل كلام الله - تعالى - على ما يكون أكثر فائدة أولى، وأيضاً، فالقائلون به أكثر. القول الثاني: أنَّ الدُّلُوك: هو الغروب، وهو قول ابن مسعود، وبه قال إبراهيم النخعيُّ، ومقاتل بن حيَّان، والضحاك والسديُّ، وهو اختيار الفراء واحتج له بقول الشاعر: [الرجز] 3449 - هَذا مُقامُ قَدمَيْ رَباحِ ... ذبَّبَ حتَّى دَلكَتْ بِرَاحِ أي: غربت براحِ، وهي الشمسُ، وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمَّة: [الطويل] 3450 - مَصابِيحُ ليسَتْ باللَّواتِي تقُودهَا ... نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالكِ أي: الغاربات. وهذا استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الدُّلوك عبارة عن الميل والتغيُّر، وهو حاصل في الغروب، فكان الغروب نوعاً من أنواع الدُّلوك، فكان وقوعُ لفظ الدُّلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزَّوال، كما أنَّ وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس. القول الثالث: أنه من الزَّوال إلى الغروب، قال الزمخشريُّ: «واشتقاقه من الدَّلكِ» لأنَّ الإنسانَ يدلكُ عينه عند النَّظر إليها «وهذا يفهم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقًّا من المصدرِ؛ واستدلُّوا بهذا على أنَّ الدُّلُوك هو الغروب، قالوا: وهذا إنما يصحُّ في الوقت الذي يمكن النَّظر إليها، أما عند كونها في وسط السَّماء، ففي ذلك الوقت لا يمكن النَّظر إليها، فثبت أن الدلوك هو الغروب. والجواب: أنَّ الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السَّماءِ أتمُّ، فالذي ذكرتم يدلُّ على أنَّ الدُّلوك عبارةٌ عن الزَّوال من وسط السَّماء؛ بطريق الأولى. وقال الراغب: «دُلوكُ الشمسِ: ميلها للغروب، وهو من قولهم: دَلكْتُ الشَّمسَ: دفعتها بالرَّاح، ومنه: دَلكتُ الشيء في الرَّاحةِ، ودلكتُ الرَّجلَ: ماطلته، والدَّلوكُ: ما دلكته من طيبٍ، والدَّليكُ: طعامٌ يتَّخذُ من زبدٍ وتمرٍ» . قوله: ﴿إلى غَسَقِ الليل﴾ في هذا الجارُ وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ ب» أقِمْ «فهي لانتهاءِ غاية الإقامة، وكذلك اللام في» لِدُلوكِ» متعلقة به أيضاً. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من «الصَّلاة» أي: أقمها ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء، وفيه نظر: من حيث إنه قدَّر المتعلق كوناً مقيداً، إلا أن يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. والغسقُ: دخول أوَّل الليل، قاله ابن شميلٍ، وأنشد: [الرجز] 3451 - إنَّ هذا اللَّيلَ قد غَسقَا ... واشْتكيتُ الهَمَّ والأرقَا وقيل: هو سواد الليل، وظلمتهُ، وأصله من السَّيلان: غسقتِ العينُ، أي: سال دمعُها، فكأنَّ الظُّلمَة تنصبُّ على العالم، وتسيلُ عليهم؛ قال: [البسيط] 34352 - ظَلَّتْ تَجودُ يَداهَا وهي لاهِيَةٌ ... حتَّى إذَا هَجَمَ الإظلامُ والغَسقُ ويقال: غَسقتِ العينُ: امتلأتْ دمعاً، وغسق الجرحُ: امتلأ دماً؛ فكأنَّ الظُّلمةَ ملأتِ الوجود. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: الغَسقُ: بُدُوُّ اللُّيْل وقال قتادة: وقتُ صلاة المغرب. وقال مجاهدٌ: غروب الشَّمس. والغاسقُ في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3] قيل: المراد به: القمر، إذا كسف، واسودَّ. قال - صلوات الله وسلامه عليه - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حين رأتْ كسوف القمر: «اسْتعِيذِي مِنْ شرِّ الغَاسقِ إذَا وَقبَ» . وقيل: اللَّيل، والغساقُ، بالتخفيف، والتشديد: ما يسيلُ من صديد أهل النار، ويقال: غَسقَ اللَّيلُ، وأغسقَ، وظَلمَ، وأظْلمَ، ودَجَى، وغَبشَ، وأغْبشَ، نقله الفراءُ. * فصل في معنى الغسق قال الأزهريُّ: غسق الليل عندي: غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة، واشتدادها، يقال: غسقتِ العين، إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: إذا امتلأت دماً. قال: لأنَّا إذا حملنا الشَّفق على هذا المعنى، دخلت الصَّلوات الأربعة فيه، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أوَّل الظُّلمة، لم يدخل فيه الظهر والعصر؛ فوجب أن يكون الأولى أولى. واعلم أنَّه يتفرَّع على هذين الوجهين بحثٌ حسنٌ؛ فإن فسَّرنا الغسق بظهور أوَّل الظلمة، كان الغسق عبارة عن أوَّل المغرب، وعلى هذا: يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقاتٍ: وقت الزَّوال، ووقت أوَّل المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال: وقتاً للظُّهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوَّل وقت المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكن هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، إلا أنَّه دلَّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذرٍ لا يجوز؛ فوجب أن يكون الجمع جائزاً مع العذر. وإذا فسَّرنا الغسق بالتراكم، فنقول: الظلمة المتراكمة، إنَّما تحصل عند غيبوبة الشَّفق الأبيض، وكلمة «إلى» لانتهاءِ الغاية، والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية؛ فوجب إقامةُ الصلوات كلِّها قبل غيبوبة الشَّفق الأبيض، وهذا إنَّما يصحُّ إذا قلنا: إنَّها تجبُ عند غيبوبة الشَّفق الأحمر. قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه عطف على «الصَّلاة» أي: وأقم قرآن الفجرِ، والمراد به صلاة الصبح، عبَّر عنها ببعض أركانهاز والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجرِ، كذا قدَّره الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريِّين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. الثالث: انه منصوب بإضمار فعلٍ، أي: كثِّر قرآن، أو الزم قرآن الفجرِ. * فصل في دلالة الآية دلَّت هذه الآية على أمور: منها: أنَّ الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة﴾ . ومنها: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر، والتقدير: وأقم الفجرِ. ومنها: أنه علَّق القراءة بحصول الفجر، وفي أوَّل طلوعه، إلاَّ أنَّ الإجماع على أنَّ هذا الوجور غير حاصل؛ فوجب أن يبقى على النَّدب؛ لأنَّ الوجوب عبارةٌ عن رجحانٍ مانعٍ من التَّرك، فإذا منع مانع من تحقُّق الوجوب، وجب أن يرتفع المنع من التَّرك، وأن يبقى أصل الرُّجحان؛ حتَّى تنقل مخالفة الدليل؛ فثبت أنَّ هذه الآية تقتضي أنَّ إقامة الفجر في أوَّل الوقت أفضل؛ وهذا يدلُّ على أن التغليس أفضل من التَّنوير. ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات؛ لأنَّ المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ الحثُّ على طول القراءة في هذه الصلاة؛ لأن التخصيص بالذِّكر يدلُّ على أنه أكملُ من غيره. ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ . ومعناه: أنَّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصُّبح خلف الإمام، تنزلُ ملائكة النَّهارعليهم، وهم في الصَّلاة؛ قبل أن تعرج ملائكة اللَّيل، وإذا فرغ الإمام من الصلاة، عرجت ملائكة الليل، ومكثت ملائكة النَّهار، ثمَّ إن ملائكة الليل إذا صعدت، قالت: يا ربِّ، إنَّا تركنا عبادك يصلُّون لك، وتقول ملائكة النَّهارِ: ربَّنا، أتينا عبادك يصلُّون لك، فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا أنِّي قد غفرت لهم. وهذا يدل على أنَّ التغليس أفضل من التنوير، لأنَّ الإنسان، إذا شرع فيها من [أوَّل] الصُّبح، ففي ذلك الوقت: الظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثمَّ إذا امتدَّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة، وتكثيرها، زالت الظلمة، وظهر الضوء، وحضرت ملائكةُ النهار، وأمَّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التَّنوير، فهناك لم يبق أحدٌ من ملائكة الليل؛ فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله جلَّ ذكره: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾ . يدلُّ على أنَّ التغليس أفضلُ. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «تَهجَّد» أي: تهجَّد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوفٍ، تقديره: وقم قومة من الليل، أو: واسهر من الليل، ذكرهما الحوفيُّ، وقال الزمخشريُّ: «وعليك بعض الليل، فتهجَّد به» فإن كان أراد تفسير المعنى، فقريبٌ، وإن أراد تفسير الإعراب، فلا يصحُّ؛ لأنَّ المغرى به لا يكون حرفاً، وعله «مِنْ» بمعنى «بعضٍ» لا يقتضي اسميَّتها؛ بدليل أنَّ واو «مََ» ليست اسماً بإجماع، وإن كانت بمعنى اسمٍ صريحٍ وهو «مَعَ» . والضمير في «به» : الظاهر: عوده على القرآن؛ من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقُم وقتاً من الليل، فتهجَّد بذلك الوقت، فتكونُ الباء بمعنى «في» . قوله «نَافِلةً» فيها أوجه: أحدها: أنها مصدرٌ، أي: تنفَّل نافلة لك على الصَّلوات المفروضة. والثاني: أنها منصوبة ب «تهجَّد» لأنه في معنى «تنفَّل» فكأنه قيل: تنفَّل نافلة، والنَّافلةُ، مصدر؛ كالعاقبة، والعافية. الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلةٍ، قاله أبو البقاء، وتكون حالاً من الهاء في «به» إذا جعلتها عائدة على القرآن، لا على وقتٍ مقدر. الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قولِ الحوفيِّ، فإنه قال: «ويجوز أن ينتصب» نَافلةً «بتهجَّد، إذا ذهبت بذلك إلى معنى: صلِّ به نافلة، أي: صلِّ نافلة لك» . والتهَجُّدُ: ترك الهجود، وهو النُّومُ، «وتفَعَّل» يأتي للسَّلب، نحو: تحرَّج، وتأثَّم، وفي الحديث: «كَان يتحَنَّثُ بغارِ حراءٍ» وفي الهجود خلافٌ بين أهل اللغة، فقيل: هو النَّومُ؛ قال: [الطويل] 3453 - وبَرْك هُجودٍ قد أثَارتْ مَخافتِي..... ... ... ... ... ... وقال الآخر: [الطويل] 3454 - ألا طَرقَتْنَا والرِّفاقُ هُجودُ..... ... ... ... ... ... . . وقال آخر: [الوافر] 3455 - ألا زَارتْ وأهْلُ منًى هجودُ ... وليْتَ خَيالهَا بِمِنًى يَعودُ فَهجودٌ: نيامٌ، جمع «هاجدٍ» كساجد، وسجُودٍ، وقيل: الهجود: مشتركٌ بين النَّائم والمصلِّي، قال ابن الأعرابي: «تهجَّد: صلَّى من الليل، وتهجد: نام» وهو قول أبي عبيدة والليث - رحمهما الله تعالى -. قال الواحديُّ: الهُجودُ في اللغة: النومُ، وهو كثيرٌ في الشِّعر. يقال: أهجدتُّه وهجدتُّه، أي: أنَمْتهُ ومنه قول لبيد [الرمل] 3456 - قَالَ: هَجِّدْنَا فَقدْ طَالَ السُّرَى..... ... ... ... ... ... . كأنه قال: نوِّمنا؛ فقد طال السُّرى؛ حتى غلب علينا النَّوم، وقال الأزهري: المعروف في كلام العرب: أنَّ الهاجد هو النَّائم، ثم رأينا في الشَّرع أنَّ من قام إلى الصَّلاة من النَّوم يسمَّى هاجداً أي متهجِّداً؛ فيحمل هذا على أنَّه سمِّي متهجّداً؛ لإلقائه الهُجُود عن نفسه؛ كما ياقل للعابد: «مُتحَنِّثٌ» ؛ لإلقائه الحنث عن نفسه، وروي أن الحجَّاج بن عمرو المازنيَّ قال: أيَحسبُ أحدكم، إذا قام من اللَّيلِ، فصلَّى حتَّى يصبح أنَّه قد تهجَّد، إنَّما التهجُّد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كتنت صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دائماً عليه. والنافلةُ في اللغة: الزيادة على الأصل، وقد تقدَّم في الأنفال، وفي تفسير كونها زيادة ها هنا قولان مبنيَّان على أنَّ صلاة الليل، هل كانت واجبة على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم لا؟ . فقيل: إنَّها واجبة عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [المزمل: 1، 2] ثم نسخت، فصارت نافلة، أي: تطوُّعاً وزيادة على الفرائض. وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها نافلة وجهاً حسناً، قالا: إنَّ الله قد غفر للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر، فكلُّ طاعةٍ يأتي بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سوى المكتوبةِ لا تؤثر في كفَّارة الذنب، بل تؤثر في زيادة الدَّرجاتِ، وكثرة الثَّواب؛ فكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب، فلهذا سمِّي نافلة؛ بخلاف الأمة؛ فإنَّ لهم ذنوباً محتاجة إلى التكفير، فهذه الطاعة يحتاجون إليها؛ لتكفير السَّيئات عنهم؛ فثبت أنَّ هذه الطاعات إنَّما تكون زوائد ونوافل في حقِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا في حقِّ غيره، فلهذا قال: «نَافلةً لكَ» ، فهذا معنى يخصِّصهُ. وأمَّا من قال: إنَّ صلاة الليل كانت واجبة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: معنى كونها نافلة له على التخصيص، يعني: أنَّها فريضةٌ لك، زائدة على الصَّلوات الخمس، خصِّصت بها من دون أمَّتك؛ ويدلُّ على هذا القولِ قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ والأمر للوجوب، ويرد هنا قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ] ، لأنَّه لو كان المراد الوجوب، لاقل: «نَافِلةً عليك» . واعلم أنَّ قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل وَقُرْآنَ الفجر﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصًّا بالرسول - صلوات الله عليه وسلامه - إلا أنَّه في المعنى عامٌّ في حقِّ الأمَّة؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ بيَّن أن الأمر بالتهجد يختصُّ بالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - والأمر بالصَّلوات الخمس غير مخصوصٍ بالرسول - صلوات عليه - وإلاَّ لم يكن لتقييد المر بالتهجُّد بهذا القيد فائدةٌ. قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ في نصب «مقاماً» أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، أي: يبعثك في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى «يَبْعثكَ» ؛ لأنه في معنى «يُقِيمكَ» ؛ يقال: أقيم من قبره، وبعث منه، بمعنًى، فهو نحو: قعد جلوساً. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاماً. و «عَسَى» على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعيَّن فيها أن تكون التامة؛ فتكون مسندة إلى «أنْ» وما في حيِّزها؛ إذ لو كانت ناقصة على أن يكون «أنْ يَبْعثكَ» خبراً مقدَّماً، و «ربُّكَ» اسماً مؤخراً؛ لزمَ من ذلك محذورٌ: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإنَّ «مَقاماً» على الأوجه الثلاثة الأول: منصوبٌ ب «يَبْعثكَ» ، وهو صلة ل «أنْ» ، فإذا جعلت «ربُّكَ» اسمها، كان أجنبيًّا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلاً، لم يكن أجنبيًّا، فلا يبالي بالفصل به. وأمَّا على الوجه الرابع: فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير؛ لعدم المحذور؛ لأنَّ «مقاماً» معمولٌ لغير الصلة. وقوله: «محموداً» في انتصابه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال من قوله: يَبْعثكَ، أي: يبعثك محموداً. والثاني: أن يكون نعتاً للمقام. * فصل في معنى «عسى» من الله اتفق المفسرون على أنَّ كلمة «عسى» من الله واجبٌ. قال أهل المعاني: لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء، ثم حرمه، كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يطمع واحداً في شيء، ثم لا يعطيه. وفي تفسير المقام المحمود أربعة أقوالٍ: الأول: أنه الشَّفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة؛ كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في هذه الآية: «هو المقام الذي أشفعُ لأمَّتِي فيه» . قال ابن الخطيب: واللفظ مشعر به؛ لأنَّ الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامدٌ، والحمد، إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحموج يجب أن يكون مقاماً أنعم فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون تبليغ الدِّين، وتعليم الشرائع؛ لأنَّ ذلك كان حاصلاً في الحال، وقوله: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ تطميعٌ، وتطميع الإنسان في الشيء الذي حصل له وعده محالٌ؛ فوجب أن يكون ذلك الإنعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً يصل منه بعد ذلك إلى النَّاس، وما ذاك إلاَّ شفاعته عند الله تعالى. وأيضاً: التنكيرُ في قوله: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ يدل على أنه يحصل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ذلك المقامِ حمدٌ بالغٌ عظيمٌ كاملٌ، ومن المعلوم أنَّ حمد الإنسان على سعيه في التخليص من العذاب أعظم من حمده في السَّعي في زيادة الثَّواب؛ لأنَّه لا حاجة به إليها؛ لأنَّ حاجة الإنسان في رفع الآلام العظيمة عن النَّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ هو الشَّفاعة في إسقاط العقاب؛ على ما هو مذهب أهل السنة. ولمَّا ثبت أن لفظ الآية مشعرٌ بهذا المعنى إشعاراً قويًّا، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى، وجب حمل اللفظ عليه، ومما يؤكِّد ذلك الدعاء المشهور عنه في إجابة المؤذِّن: «وابعثه المقام المحمود الذي وعدته» . واتَّفق النَّاس على أنَّ المراد منه الشَّفاعة. والقول الثاني: قال حذيفة: يجمع الناس في صعيدٍ، فلا تتكلَّم نفسٌ، فأوَّل من يتكلَّم محمدٌ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقول: لَبَّيكَ، وسَعْديْكَ، والشَّرُّ ليس إليك، والمهديُّ من هَديْتَ، والعَبْدُ بين يَديْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ، لا مَنْجَى ولا مَلْجَأ مِنْكَ إلاَّ إليكَ، تَباركتَ، وتَعاليْتَ، سُبحانَكَ ربَّ البيتِ» . قال: فهذا هو المراد من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ . والقول الأول أولى؛ لأنَّ سعيه في الشَّفاعة يفيد إقدام الناس على حمده، فيصير محموداً، وأمَّا ذكر هذا الدعاء، فلا يفيد إلا الثواب، أمَّا الحمد، فلا. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنَّه تعالى يحمده على هذا القول؟ . فالجواب: أنَّ الحمد في اللغة: مختصٌّ بالثناءِ المذكور ف يمقابلة الإنعام بلفظٍ، فإن ورد لفظ «الحمد» في غير هذا المعنى، فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقامٌ تحمد عاقبته، وهذا ضعيفٌ؛ لما ذكرنا. القول الرابع: قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: روي عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: يقعدُ الله محمداً على العرشِ، وعن مجاهد أنَّه قال: يجلسه معه على العرشِ. قال الواحدي: وهذا قولٌ رذلٌ موحشٌ فظيعٌ، ونص الكتاب يفسد هذا التفسير من وجوه: الأول: أن البعث ضدُّ الإجلاس، يقال: بعثتُ النَّاقة، وبعث الله الميت، أي: أقامه من قبله، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضدِّ بالضدِّ؛ وهو فاسدٌ. والثاني: أنه تعالى، لو كان جالساً على العرشِ، بحيث يجلس عنده محمد - صلوات الله وسلامه عليه - لكان محدوداً متناهياً، ومن كان كذلك، فهو محدثٌ. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ ولم يقل: مقعداً، والمقام: موضع القيام، لا موضع القعود. الرابع: أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزازٍ؛ لأن هؤلاء الحمقاء يقولون: إنَّ أهل الجنة كلهم يجلسون معه ويرونه، وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكلِّ المؤمنين، لم يكن في تخصيص محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك مزيد شرفٍ ومرتبةٍ. الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلاناً، فهم منه أنَّه أرسله لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم أنه أجلسه مع نفسه؛ فثبت أن هذا القول كلام رذلٌ، لا يميل إليه إلاَّ قليل العقل، عديم الدِّين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.