الباحث القرآني

قوله: ﴿ذِكْرُ﴾ : فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره: فيما يتلى عليكم ذكر. الثاني: أنه خبر محذوف المبتدأ، تقديره: أو هذا ذكر. الثالث: أنه خبر الحروف المقطَّعة، وهو قول يحيى بن زياد، قال أبو البقاء «وفيه بعدٌ؛ لأنَّ الخبر هو المبتدأ في المعنى، وليس في الحروف المقطَّعة ذكرُ الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها» . و «ذِكْرُ» مصدرٌ مضافٌ؛ قيل: إلى مفعوله، وهو الرحمة في نفسها مصدرٌ أيضاً مضافٌ إلى فاعله، و «عَبدَهُ» مفعولٌ به، والناصبُ له نفسُ الرحمةِ، ويكون فاعلُ الذِّكرِ غير مذكورٍ لفظاً، والتقدير: أن ذكر الله ورحمته عبدهُ، وقيل: بل «ذِكْرُ» مضافٌ إلى فاعله على الاتِّساع، ويكون «عبدهُ» منصوباً بنفس الذِكْر، والتقدير: أن ذكرت الرحمة عبدُه، فجعل الرحمة ذاكرةً له مجازاً. و «زكَرِيَّا» بدلٌ، أو عطفُ بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار «أعْنِي» . وقرأ يحيى بن يعمر - ونقلها الزمخشريّ عن الحسن - «ذَكَّرَ» فعلاً ماضياً مشدداً، و «رحمة» بالنصب على أنها مفعولٌ ثانٍ، قدمت على الأول، وهو «عَبْدُهُ» والفاعلُ: إما ضمير القرآن، أو ضمير الباري تعالى، والتقدير: أن ذكَّر القرآنُ المتلُوُّ - أو ذكَّر الله - عبده رحمتُه، أي: جعل العبد يذكرُ رحمته، ويجوز على المجازِ المتقدِّم أن «رحمةَ ربِّك» هو المفعول الأول، والمعنى: أنَّ الله جعل الرحمة ذاكرةً للعبد، وقيل: الأصلُ: ذكَّر برحمةِ، فلما انتزع الجارُّ نصب مجروره، ولا حاجة إليه. وقرأ الكلبيُّ «ذكر» بالتخفيف ماضياً «رَحْمَةَ» بالنصب على المفعول به، «عَبْدُهُ» بالرفع فاعلاً بالفعل قبله، «زَكريَّا» بالرفع على البيان، أو البدل، أو على إضمار مبتدأ، وهو نظيرُ إضمار الناصب في القراءة الأولى. وقرأ يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الدَّاني - «ذَكَّرْ» فعل أمرٍ، «رَحْمَةَ» و «عَبْدهُ» بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما تقدَّم من كون كلِّ واحدٍ، يجوز أن يكون المفعول الأول، أو الثاني، بالتأويلِ المتقدّم في جعل الرحمة ذاكرةً مجازاً. * فصل في تأويل هذه الحروف المقطعة قال ابنُ عباسٍ: هذه الحروف اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادةُ: اسمٌ من أسماء القرآن. وقيل: اسمٌ للسُّورة. وقيل: هو قسمٌ أقسم الله به ويروى عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله ﴿كهيعص﴾ قال: الكافُ من كريم وكبير، والماء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليهم، وعظيم، والصاد من صادق. وعن ابن عبَّاس أيضاً أنَّه حمل الياء على الكريم مرَّة، وعلى الحكيم أخرى. وعن ابن عباس في العين أنَّه من عزيز من عدل. قال ابنُ الخطيب: وهذه أقوالٌ ليست قويَِّة؛ لأنَّه لا يجوزُ من الله تعالى أن يودعَ كتابهُ ما لا تدلُّ عليه اللغةُ، لا بالحقيقةِ، ولا بالمجازِ، لأنَّا إن جوَّزنا ذلك، فتح علينا بابُ قول من يزعم أنَّ لكلِّ أولي من دلالته على الكريم، والكبير، أو على اسم آخر من أسماء الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أو الملائكة، أو الجنَّة، أو النَّار، فيكون حملها على بعضها دون البعض تَحَكُّماً. * فصل في المراد بقوله تعالى: ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يحتملُ أن يكون المراد من قوله ﴿رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ أنه عنى عبدهُ زكريَّا، ثم في كونه رحمة وجهان: أحدهما: أن يكون «رحْمة» على أمَّته؛ لأنَّه هداهُم إلى الإيمان والطَّاعة. والثاني: أن يكون رحمة على نبيِّنا محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وعلى أمَّته؛ لأنَّ الله تعالى، لمَّا شرع لمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طريقتهُ في الإخلاص والابتهال في جميع الأمور إلى الله تعالى، وصار ذلك لطفاً داعياً له، ولأمَّته إلى تلك الطريقة زكريَّا رحمة. ويحتمل أن يكون المرادُ أنَّ هذه السُّورة فيها ذكرُ الرحمة التي يرحمُ بها عبدُه زكريَّا. قوله: ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ . في ناصب إذ ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ «ذِكْرُ» ، ولم يذكُر الحوفيُّ غيره. والثاني: أنَّه «رَحْمَة» وقد ذكر الوجهين أبو البقاء. والثالث: أنَّه بدلٌ من «زكريَّا» بدل ُ اشتمالٍ؛ لأنَّ الوقت مشتملٌ عليه، وسيأتي مثلُ هذا عند قوله ﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ [مريم: 16] ونحوه. * فصل في أدب زكريا في دعائه راعى سُنَّة الله في إخفاء دعوته؛ لأنَّ الجهر والإخفاء عند الله سيَّان، وكان الإخفاء أولى؛ لأنَّه أبعد عن الرِّياء، وأدخلُ في الإخلاص. وقيل: أخفاه؛ لئلاَّ يلامُ على طلبِ الولدِ في زمان الشيخوخة وقيل: أسرَّهُ من مواليه الذين خافهم. وقيل: خِفْتُ صوتهُ؛ لضعفه، وهرمه، كما جاء في صفةِ الشَّيْخ: صوتهُ خفاتٌ، وسمعهُ تارات. فإن قيل: من شرط النِّداء الجهر، فكيف الجمع بين كونه نداء وخفيًّ؟ . فالجوابُ من وجهين: الأول: أنَّه أتى بأقصى ما قدر عليه من رفع الصوت؛ إلا أنَّ صوته كان ضعيفاً؛ لنهايةِ ضعفه بسببِ الكبر، فكان نداءً؛ نظراً إلى القصد، خفيًّا نظراً إلى الواقع. الثاني: أنَّه دعاه في الصَّلاة؛ لأنَّ الله تعالى، أجابه في الصَّلاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الملاائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ [آل عمران: 39] فتكُون الإجابةُ في الصَّلاة تدلُّ على كون الدُّعاء في الصّلاة؛ فوجب أن يكون النداءُ فيها خفيًّا. وفي التفسير: «إذْ نَادَى» : دعا «ربَّه» في محرابِهِ. قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾ دعا سرًّا من قومه في جوف الليل. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ الآية. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ : لا محلَّ لهذه الجملةِ؛ لأنها تفسير لقوله «نَادَى ربَّهُ» وبيانٌ، ولذلك ترك العاطف بينهما؛ لشدَّة الوصل. قوله: «وهَنَ» العامَّةُ على فتحِ الهاء، وقرأ الأعمشُ بكسرها، وقُرئ بضمِّها، وهذه لغاتٌ في هذه اللفظة، ووحَّد العظم لإرادة الجنس؛ يعني: أنَّ هذا الجنسَ الذي هو عمودُ البدنِ، وأشدُّ ما فيه، وأصلبه، قد أصابه الوهنُ، ولو جمع، لكان قصداً آخر: وهو أنه لم يهن منه بعضُ عظامه، ولكن كلُّها، قاله الزمخشريُّ، وقيل: أطلقَ المفردُ، والمرادُ به الجمعُ؛ كقوله: [الطويل] 3577 - بِهَا جِيفَ الحَسْرَى فأمَّا عِظَامُهَا ... فبِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فصليبُ أي: جلودُها، ومثله: [الوافر] 3578 - كُلُوا في بعضِ بَطْنكمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكُم زمنٌ خَمِيصُ أي: بُطُونكُمْ. و «مِنِّي» حالٌ من «العَظْم» وفيه ردٌّ على من يقول: إنَّ الألف واللام تكونُ عوضاً من الضمير المضافِ إليه؛ لأنه قد جمع بينهما هنا، وإن كان الأصل: وهن عظمي، ومثله في الدَّلالةِ على ذلك ما «أنشد شاهداً على ما ذكرتُ: [الطويل] 3579 - رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رفيقةٌ ... بجَسِّ النَّدامَى بضَّةُ المُتَجَرِّدِ ومعنى ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ : ضعف، ورقَّ العظم من الكبر. فصل قال قتادة: اشتكى سُقُوط الأضراس. قوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ أي: ابْيَضَّ شعر الرَّأس شيباً. وفي نصب» شَيْباً «ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها - وهو المشهور -: أنه تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية؛ إذ الأصل: اشتعل شيبُ الرَّأسِ، قال الزمخشريُّ:» شبَّه الشَّيب بشُواظِ النَّار في بياضهِ، وانتشاره في الشَّعْر، وفُشُوِّه فيه، وأخذه منه كُلُّ مأخذٍ باشتعالِ النَّار، ثم أخرجه مخرج الاستعارةِ، ثم أسند الاشتعال إلى مكانِ الشِّعْر، ومنبته، وهو الرَّأسُ، وأخرج الشَّيب مُمَيَّزاً، ولم يَضفِ لها بالبلاغةِ «انتهى، وهذا من استعارة محسُوسٍ لمحسُوسٍ، ووجه الجمع: الانبسَاطُ والانتشَارُ. والثاني: أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْرِ، فإنَّ» اشْتَعَلَ الرَّأسُ «معناه» شَابَ» . الثالث: أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحالِ، شاَئِباً، أو ذا شيب. وأدغم السِّين في الشِّين أبو عمرٍ. وقوله: «بِدُعائِكَ» فيه وجهان: أحدهما: أنَّ المصدر مضافٌ لمفعوله، أي: بُدعائي إيَّاك. والمعنى: عوَّدتني الإجابة فيما مضى، ولم تُخَيِّبْنِي. والثاني: أنه مضافٌ لفاعله، أي: لم أكن بدعائك لي إلى الإيمان شقيَّا، أي: لما دعوتني إلى الإيمان، آمنتُ، ولم أشق. قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي﴾ : العامَّةُ على» خِفْتُ «بكسر الخاء، وسكون الفاء، وهو ماضٍ مسندٌ لتاءِ المتكلِّم، و» الموالِي» مفعولٌ به؛ بمعنى: أنَّ مواليهُ كانُوا شِرَارَ بني إسرائيل، فخافهم على الدِّين، قاله الزمخشريٌُّ. قال أبو البقاء: «لا بُدَّ من حذفِ مضافٍ، أي: عدم الموالي، أو جَوْرَ الموالي» . وقال الزهريُّ كذلك، إلا انه سكَّن ياء» المَوالِي «وقد تقدّضمَ أنَّه قد تُقدَّر الفتحةُ في الياء، والواو، وعليه قراءة زيد بن عليٍّ ﴿تُطْعِمُونَ أَهالِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] . وتقدَّم إيضاحُ هذا. وقرأ عثمانُ بنُ عفَّان، وزيدُ بن ثابت، وابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن العاص، ويحيى بنُ يعمر، وعليُّ بنُ الحسبن في آخرين:» خَفَّتِ» بفتحِ الخاءِ، والفاءِ مشددةً، وتاء تأنيثٍ، كُسرتْ؛ لالتقاءِ السَّاكنين، و «المَوالِي» فاعلٌ به؛ بمعنى: دَرَجُوا، وانقرضُوا بالموتِ. قوله: «مِنْ وَرَائِي» هذا متعلِّقٌ في قراءة الجمهور بما تضمَّنَهُ الموالي من معنى الفعلِ، أي: الذين يلون الأمْرَ بعدي، ولا يتعلَّق ب «خَفَّتِ» بالتشديد، فيتعلَّق يُرَادَ ب «وَرَائِي» معنى: خَلْفِي، وبَعْدِي، وأمَّا في قراءةِ «خَفَّتِْ» بالتشديد، فيتعلَّق الظَّرْفُ بنفس الفعل، ويكونُ «وَرَائِي» بمعنى قُدَّامي، والمعنى: أنهم خفُّوا قدَّامهُ، ودرجُوا، ولم يبق منهم من به تقوٍّ واعتضادٌ، ذكر هذين المعنيين الزمخشريُّ. والمَوالِي: بنُو العمِّ يدلُّ على ذلك تفسيرُ الشَّاعر لهم بذلك في قوله: [البسيط] 3580 - مَهْلاً، بَنِي عمِّنَا؛ مَهْلاً موالينَا ... لا تَنْبُشُوا بَيْننا ما كان مَدْفُوناً وقال آخر: [الوافر] 3581 - ومَوْلى قد دفعتُ الضَّيْمَ عَنْهُ ... وقَدْ أمْسَى بمنزلةِ المَضِيمِ وهو قولُ الأصمِّ. وقال مجاهدٌ: العَصَبَة. وقال أبو صالحٍ: الكلالة. وقال ابنُ عبَّاس والحسن والكلبيُّ: الورثة. وعن أبي مسلمٍ: المولى يرادُ به النَّاصرُ، وابن العمِّ، والممالك، والصَّاحب، وهو هنا من يقُوم بميراثه مقام الولد، والمختار، أنَّ المراد من الموالي الذين يخلفُون بعده، إما في السِّياسة، أو في المال، أو في القيام بأمر الدِّين؛ وهو يدلُّ على معنى القُرْبِ والدُّنوِّ، ويقالُ: وليته اليه ولْياً، أي: دَنَوتُ منهُ، وأوليْتُهُ إيَّاهُ، وكُل ممَّا يليكَ، وجلستُ ممَّا يليهِ، ومنهُ الوَلْيُ، وهو المطرُ الذي يلي الوسميَّ، والوليَّة: البرذعةُ [الَّتي] تلي ظهْر الدَّابَّة، ووليُّ اليتيم، ووليُّ القتيل؛ لأنَّ من تولَّى أمراً، فقد قرُبَ منه. وقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ [البقرة: 144] من قولهم: ولاه بركنه، أي جعله ما يليه، وأما ولَّى عنِّي، إذا أدبر، فهو من باب تثقيل الحشو للسلْب، وقولهم: فلان أولى من فلان، أي: أحق؛ أفعل التفضيل من الوالي أو الولي، كالأدنى، والأقرب من الدَّاني، والقريب، وفيه معنى القرب أيضاً؛ لأنَّ من كان أحقَّ بالشيء، كان أقرب إليه، والمولى: اسمٌ لموضعِ الولي، مالمرمى والمبنى: اسمٌ لموضعِ الرَّمي والبناءِ. والجمهورُ على «وَرَائِي» بالمدِّ، وقرأ ابنُ كثير - في رواية عنه - «وَرَايَ» بالقصر، ولا يبعدُ ذلك عنه، فإنه قد قصر ﴿شُرَكَايَ﴾ [النحل: 27] في النَّحل؛ كما تقدَّم، وسيأتي أنَّه قرأ ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ في العلق [الآية: 7] ؛ كأنه كان يُؤْثِرُ القصْر على المدِّ؛ لخفَّته، ولكنَّه عند البصريين لا يجوزُ سعةً. قوله: ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ أي: لا تَلِدُ، والعَقْرُ في البدن: الجُرح، وعقرتُ الفرس بالسَّيف، ضربتُ قوائِمهُ. قوله «مِنْ لدُنْكَ» يجوز أن يتعلق ب «هَب» ويجوزُ أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنَّه حال من «وليًّا» لأنه في الأصل صفةٌ للنكِرةِ، فقُدِّم عليها. ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ : قرأ أبو عمرو، والكسائيُّ بجزم الفعلين على أنَّهما جوابٌ للأمر؛ إذ تقديره: إن يهبْ، والباقون برفعهما؛ على انَّهما صفةٌ ل «وليًّا» . وقرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابنُ عبَّاسٍ، والحسن، ويحيى بن يعمر، والجحدريُّ، وقتادةُ في آخرين: «يَرِثُنِي» بياء الغيبة، والرَّفع، وأرثُ مسنداً لضمير المتكلِّم. * فصل فيما قرئ به من قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قال صاحب «اللَّوامح» : «في الكلام تقديم وتأخيرٌ؛ يرثُ نُبُوَّتِي، إنْ منُّ قبلهُ وأرِثُ مالهُ، إن مات قبلي» . ونُقِلَ هذا عن الحسن. وقرأ عليٌّ أيضاً، وابنُ عبَّاس، والجحدريُّ «يَرِثُني وارثٌ» جعلوه اسم فاعلٍٍ، أي: يَرثُنِي به وارثٌ، ويُسَمَّى هذا «التجريد» في علم البيان. وقرأ مجاهدٌ «أوَيْرِثٌ» وهو تصغيرُ «وارِثٍ» والأصل: «وُوَيْرِثٌ» بواوين، وجب قلبُ أولاهما همزة؛ لاجتماعهما متحركين أول كلمةٍ، ونحو «أوَيْصِلٍ» تصغير «واصلٍ» والواوُ الثانيةُ بدلٌ عن ألفِ «فاعلٍ» و «أوَيْرِثٌ» مصروفٌ؛ لا يقال: ينبغي أن يكون غير مصروفٍ؛ لأنَّ فيه علتين: الوصفيَّة، ووزن الفعل، فإنه بزنة «أبَيْطِر» مضارع «بَيْطَرَ» وهذا ممَّا يكون الاسم فيه منصرفاً في التكبير ممتنعاً في التصغير، لا يقالُ ذلك لأنه غلطٌ بيِّنٌ؛ لأنَّ «أوَيْرِثاً» وزنه فُويْعِلٌ، لا أفَيْعلٌ؛ بخلاف «أحَيْمِر» تصغير «أحْمَرَ» . وقرأ الزهريُّ: «وارثٌ» بكسر الواو، ويعنون بها الإمالة. قوله: «رَضِيًّا» مفعولٌ ثانٍ، وهو فعيلٌ بمعنى فاعلٍ، وأصله «رَضِيوٌ» لأنه من الرِّضوان. فصل معنى قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أعطني من أبناء. واعلم أنَّ زكريَّا - عليه السلام - قدَّم السؤال؛ لأمور ثلاثة: الأول: كونه ضعيفاً. والثاني: أن الله تعالى ما ردَّ دعاءه. والثالث: كونُ المطلُوب سبباً للمنفعة في الدِّين، ثم بعد ذلك صرَّح بالسُّؤال. أمَّا كونه ضعيفاً، فالضَّعيف: إمَّا أن يكون في الباطن، أو في الظَّاهر، والضَّعْف في الباطن أقوى من ضعف الظَّاهر، فلهذا ابتدأ ببيان ضعف الباطن، فقال: ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ وذلك لأنَّ العظم أصلبُ أعضاء البدن، وجعل كذلك المنتفعين: الأولى: ليكون أساساً وعمداً يعتمد عليها بقيَّة الأعضاء؛ لأنَّها موضوعة على العظام، والحاملُ يجبُ أن يكون أقوى من المحمول عليه. الثاني: أنَّها في بعض المواضع وقاية لغيرها. واحتج أصحابُ القول الأوَّل أنَّه إذا ... أوّلاً، ثم ردَّ بأنها تكونُ كغيرها من الأعضاء كعظام الصَّلف وقحف الرأس، وما كان كذلك، فيجبُ أن يكون صلباً؛ ليصبر على ملاقاة الآفاتِ، ومتى كان العظم حاملٌ لسائر الأعضاء، فوصولُ الضعف إلى الحامل موجبٌ لوصوله إلى المحمول، فلهذا خصَّ العظم بالوهْنِ من بين سائر الأعضاء. وأما ضعف الظاهر، فلاستيلاء ضعف الباطن عليه، وذلك ممَّا يزيدُ الدُّعاء تأكيداً؛ لما فيه من الارتكان على حول الله وقوته. وأما كونهُ غير مردُود الدُّعاءِ، فوجه توسله به من وجهين: الأول: أنَّه إذا قبله أوَّلاً، فلو ردَّه ثانياً، لكان الردُّ محبطاً للإنعام الأول، والمنعم لا يسعى في إحباط إنعامه. والثاني: أنَّ مخالفة العادةِ تشقُّ على النَّفس، فإذا تعوَّد الإنسانُ إجابة الدُّعاء، فلو ردَّ بعد ذلك، لكان ذلك في غاية المشقَّة، والجفاء ممن يتوقع منه الإنعام يكون أشقَّ، فكأنَّ زكريَّا - عليه السلام - قال: إنك إن رددَتَّنِي بعدما عودتَّني القُبول مع نهايةِ ضعفي، كان ذلك بالغاً إلى النِّهاية القصوى في [ألم] القلب، فقال: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ . تقولُ العربُ: سعد فلانٌ بحاجته: إذا ظَفِر بها، وشَقِي بها: إذا خَابَ، ولم [يَبْلُغْهَا] . وأمَّا كون المطلُوب منتفعاً به في الدِّين، فهو قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ . * فصل في اختلافهم في المراد من قوله: ﴿خِفْتُ الموالي﴾ قال ابن عباس والحسن: الموالي: الورثة وقد تقدم. واختلفوا في خوفه من الموالي، فقيل: خافهم على إفساد الدِّين. وقيل: خاف أن ينتهي أمرُه إليهم بعد موته في مالٍ، وغيره، مع أنَّه عرف من حالهم قصورهم في العلم والقدرة عن القيام ببعضه. وقيل: يحتمل أن يكون الله قد أعلمه أنَّه لم يبقَ من أنبياء إسرائيل نبيٌّ له أبٌ إلاَّ نبيٌّ واحدٌ، فخاف أن يكون ذلك الواحدُ من بَني عمِّه، إذا لم يكن له ولدٌ، فسأل الله أن يهب له ولداً، يكونُ هو ذلك النبيِّ، والظاهرُ يقتضي أن يكون خائفاً في أمر يهتمُّ بمثله الأنبياء ولا يمتنع أن يكون زكريَّا كان إليه مع النبوة الربانيَّة من جهة الملك؛ فخاف منهم بعده على أحدهما أو عليهما. وقوله: «خِفْتُ» خرج على لفظ أصل الماضي، لكنه يفيد أنه في المستقبل أيضاً؛ كقول الرجل: قد خفتُ أن يكون كذا، أي: «أنَا خَائِفٌ» لا يريدُ أنه قد زال الخوف عنه. قوله: ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ أي: أنَّها عاقرٌ في الحال؛ لأنَّ العاقر لا يجوزُ [أن تحبل في العادة] ، ففي الإخبار عنه بلفظ الماضي إعلامٌ بتقادُمِ العهد في ذلكَ، والغرضُ من هذا بيانُ استبعاد حصول الولدِ، فكان إيرادهُ بلفظ الماضِي أقوى، وأيضاً: فقد يوضعُ الماضي، أي: مكان المستقبل، وبالعكس؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين﴾ [المائدة: 116] . وقوله: ﴿مِن وَرَآئِي﴾ قال أبو عبيدة: من قُدَّامي، وبين يديَّ. وقال آخرون: بعد موتي. فإن قيل: كيف علم حالهم من بعده، وكيف علم أنَّهُمْ يقون بعده، فضلاً عن أن يخاف شرَّهم؟ . فالجوابُ: أنه قد يعرفُ ذلك بالأمارات والظنّ في حصول الخوف، وربما عرف ببعض الأمارات استمرارهم على عادتهم في الفساد. وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ الأكثر على أنه طلب الولد، وقيل: بل طلب من يقُوم مقامه، ولداً كان، أو غيره. والأول أقربُ؛ لقوله تعالى في سورة آل عمران؛ حكاية عنه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] . وأيضاً: فقوله ها هنا «يَرُثُنِي» يؤيِّده. وأيضاً: يؤيِّده قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ [الأنبياء: 89] فدلَّ على أنَّه سأل الولد؛ لأنَّه أخبر ها هنا أنَّ له مواليَ، وأنَّه غيرُ منفردٍ عن الورثةِ، وهذا إن أمكن حمله على وارثٍ يصلح أن يقوم مقامه، لكنَّ حمله على الولد اظهرُ. واحتجَّ أصحابُ القول [الثالث] بأنَّه لما بشِّر بالولد، استعظمه على سبيل التعجُّب؛ وقال «أنَّى يكونُ لِي غلامٌ» ولو كان دعاؤُه لطلب الولد، ما استعظم ذلك. وأجيبَ بأنَّه - عليه السلام - سأل عمَّا يوهب له، أيوهبُ له هو وامرأتهُ على هيئتهما؟ أو يوهبُ له بأن يُحَوَّلا شابَّيْن، يُولد لمثلهما؟! وهذا يُحْكَى عن الحسن. وقيل: إنَّ قول زكريَّا - عليه السلام - في الدُّعاء «وكَانتِ امْرَاتِي عاقراً» إنما سأل ولداً من غيرها أو منها؛ بأن يصلحها الله تعالى للولدِ، فكأنَّه - عليه السلام - قال: أيسْتُ أن يكون لي منها ولدٌ، فهبْ لي من لدنك وليًّا، كيف شئت: إمَّا بأن تصلحها للولادةِ، وإمَّا أن تهبهُ لي من غيرها، فلمَّا بُشِّر بالغلام، سأل أن يرزق منها، أو من غيرها، فأخبر بأنه يرزقه منها. * فصل في المراد بالميراث في الآية واختلفُوا ما المرادُ بالميراثِ، فقال ابنُ عبَّاس، والحسنُ، والضحاك: وراثةُ المالِ في الموضعين. وقال أبو صالح: وراثةُ النبوَّةِ. وقال السديُّ، ومجاهدٌ، والشعبيُّ: يَرِثُنِي المال، ويرثُ من آل يعقوب النبوّة. وهو مرويٌّ أيضاً عن ابن عباس، والحسن، والضحاك. وقال مجاهدٌ: يرِثُنِي العلم، ويرثُ من آل يعقُوب النبوَّة. واعلم انَّ لفظ الإرث يستعملُ في جميعها: أمَّا في المال فلقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ [غافر: 53] . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «العُلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، وإنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا دِرْهَماً، وإنَّما ورَّثُوا العِلْمَ» . وقال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16] وهذا يحتملُ وراثة الملك، ووارثة النبوَّة، وقد يقال: أورثَنِي هذا غمًّا وحزناً. * فصل في أولي ما تحمل عليه الآية قال الزَّجاج: الأولى أن يحمل على ميراث غير المال؛ لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «نَحْنُ معاشِرَ الأنبياءِ - لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صدقةٌ» ولأنه يبعدُ أن يشفق زكريَّا - وهو نبيٌّ من الأنبياء - أن يرث بنُو عمِّه مالهُ. والمعنى: أنه خاف تضييع بني عمِّه دين الله، وتغيير أحكامه على ما كان شاهدُه من بني إسرائيل من تبديل الدِّين، وقتل من قُتل من الأنبياء، فسأل ربَّه وليًّا صالحاً يأمنُه على أمَّته، ويرثُ نُبوَّته وعلمه؛ لئلاَّ يضيع الدِّين. قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ؛ الآلُ: خاصَّةُ الرجل الذي يئول أمرهم إليه، ثم قد يئوُل أمرهم إليه لقرابةِ المقربين تارةً؛ وبالصحابة أخرى؛ كآل فرعون، وللموافقة في الدِّين؛ كآل النبيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. وأكثر المفسِّرين على أنَّ يعقوب هنا: هو يعقوبُ بنُ إسحاق بن إبراهيم - عليه السلام - لأنَّ زوجة زكريَّا - عليه السلام - هي أختُ مريم، وكانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهوذا بن يعقوب، وأمَّا زكريا - عليه السلام - فهو من ولد هارون أخي موسى، وهارون وموسى من ولد لاوي بن يعقوب بن إسحاق، وكانت النبوة في سِبْط يعقوب؛ لأنَّه هو إسرائيلُ - عليه السلام -. وقال بعضُ المفسِّرين: ليس المرادُ من يعقوب هاهنا ولد إسحاق بن إبراهيم، بل يعقُوب بن ماثان، [أخو عمران بن ماثان] ، وكان آلُ يعقوب أخوال يحيى بن زكريَّا، وهذا قولُ الكلبيِّ ومقاتل. وقال الكلبيُّ: كان بنُو ماثان رُءوس بني إسرائيل ومُلُوكهُم، وكان زكريَّا رئيس الأحبار يومئذٍ، فأراد أن يرثه حُبُورته، ويرث بنو ماثان ملكهم. * فصل في تفسير «رضيًّا» اختلفوا في تفسير «رَضِيًّا» فقيل: برًّا تقيًّا مرضيًّا. وقيل: مرضيًّا من الأنبياء، ولذلك استجاب الله له؛ فوهب له يحيى سيِّداً، وحصُوراً، ونبيًّا من الصَّالحين، لم يعصِ، ولم يهم بمعصية. وقيل: «رَضِيًّا» في أمَّته لا يتلقَّى بالتَّكذيب، ولا يواجهُ بالرَّدِّ. * فصل في الاحتجاج على خلق الأفعال احتجوا بهذه الآية على مسألة خلق الأفعال؛ لأنَّ زكريَّا - عليه السلام - سأل الله
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.