الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ جملتان حاليتان، وفيهما قولان: أحدهما: أنهما حالان من مفعول «أنذِرْهُم» [أي: أنذرهُم على هذه الحالِ، وما بعدها، وعلى الأول يكون قوله «وأنْذِرْهُم» ] اعتراضاً. والمعنى: وهم في غفلةٍ عمَّا يفعلُ بهم في الآخرة ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ولا يصدقون بذلك اليومِ. قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نُميتُ سُكَّان الأرض، ونُهلِكُهم جميعاً، ويبقى الرَّبُّ وحده، فيرثُهُم ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ، فنجزيهم بأعمالهم. [وقرأ العامَّةُ «يُرْجَعُون» بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول، والسُّلمي، وابن أبي إسحاق، وعيسى مبنيًّا للفاعل، والأعرج بالتاء من فوقُ مبنيًّا للمفعول على الخطاب، ويجوز أن يكون التفاتاً، وألا يكون] . قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ﴾ اعلم أنَّ منكرِي التوحيد الذين اثْبَتُوا معبُوداً سوى الله تعالى فريقان: منهم: من أثبت معبُوداً غير الله تعالى حيًّا، عاقلاً، فاهماً، وهم النصارى. ومنهم: من أثبت معبُوداً غير الله، جماداً ليس بحيّ ولا عاقلٍ، وهم عبدةُ الأوثان. والفريقان، وإن اشتركا في الضَّلال، إلاَّ أنَّ ضلال عبدة الأوثان أعظم، فلمّا بيَّن الله تعالى ضلال الفريق الأوَّل، تكلَّم في ضلال الفريق الثاني، وهم عبدةُ الأوثان؛ فقال: ﴿واذكر فِي الكتاب﴾ والواو في قوله: ﴿واذكر﴾ عطف على قوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ [مريم: 2] كأنَّه لمَّا انتهت قصَّةُ زكريَّا ويحيى، وعيسى - صلوات الله عليهم - قال: قد ذكرتُ حال زكريَّا، فتذكر حال إبراهيم - صلواتُ الله عليه - وإنَّما أمره بالذِّكر لأنَّه - صلوات الله عليه - ما كان هُو، ولا قومُه، ولا أهل بلده مشتغلين بالتَّعليم، ومطالعةِ الكتب، فإذا أخبر عن هذه القصَّة، كما كانت من غير زيادةٍ، ولا نقصانٍ، كان ذلك إخباراً عن الغَيْب، ومُعْجِزاً [قاهراً] دالاَّ على نُبُوَّته، وإنَّما ذكر الاعتبار بقصَّة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لوجوه: الأول: أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - كان أبا العرب، وكانُوا مقرّين بعُلُوِّ شانه، وطهارةِ دينه على ما قال تعالى ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] ، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] فكأنه تعالى قال للعرب: إنَّ كنتم مقلِّدين لآبائكم على قولكم ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 23] فأشرفُ آبائكم وأعلاهُم قدراً هو إبراهيم - صلوات الله عليه - فقلِّدوه في ترك عبادةِ الأوثان، وإن كُنتم [مستدلين] ، فانظروا في هذه الدَّلائل التي ذكرها إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - لتعرفُوا فساد عبادةِ الأوثان، وبالجملةُ: فاتَّبِعُوا إبراهيم، إمَّا تقليداً، أو استدلالاً. الثاني: أنَّ كثيراً من الكُفَّار في زمان رسُول الله - صلوات الله عليه وسلامه - كانوا يقولون: نتركُ دين آبائنا، وأجدادنا؟ فذكر الله تعالى قصَّة إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - و [بيَّن] أنه ترك دين أبيه، وأبطل قوله بالدليل، ورجَّح متابعة الدَّليل على متابعة أبيه. الثالث: أنَّ كثيراً من الكُفَّار كانُوا يتمسَّكُون بالتقليد، [وينكِرُون] الاستدلال؛ كما حكى الله تعالى عنهم ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53] فحكى الله عن إبراهيم التَّمَسُّكَ بطريقة الاستدلال؛ تنبيهاً للكُفَّار على سُقُوط طريقتهم، ثُمَّ قال تعالى في صفة الصِّدق، القائم عليه، يقال: رجلٌ خميرٌ، وسكِّيرٌ للمولعِ بهذه الأفعال. وقيل: هو الذي يكون كثير التصديق بالحقِّ؛ حتَّى يصير مشهُوراً به، والأول أولى؛ لأنَِّ المصدِّق بالشيء لا يوصفُ بكونه صديقاً إلاَّ إذا كان صادقاً في ذلك التَّصديق، فيعودُ الأمْرُ إلى الأوّل. فإن قيل: أليس قد قال الله تعالى ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أولئك هُمُ الصديقون﴾ [الحديد: 19] فالجوابُ: المؤمنون بالله [ورسله] صادقُون في ذلك التَّصديق. واعلم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يجب أن يكون صادقاً في كُلِّ ما أخبر؛ لأنَّ الله تعالى صدَّقه، ومُصدَّق الله صادقٌ؛ فلزم من هذا كونُ الرَّسُول صادقاً فيما يقوله، ولأنَّ الرُّسُل شهداءُ الله على النَّاسِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] والشَّهيد: إنَّما يقبلُ قوله، إذا لم يكن كاذباً؛ فإن قيل: فما قولكم في قول إبراهيم ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 63] و ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89] . فالجوابُ مشروحٌ في هذه الآياتِ، وبينَّا أن شيئاً من ذلك ليس بكذبٍ، ولمَّا ثبت أنَّ كُلَّ نبيٍّ يجب أن يكون صديقاً، ولا يجبُ في كلِّ صدِّيقٍ أن يكون نبيًّا؛ ظهر بهذا قربُ مرتبة الصِّدِّيق من مرتبة النبيِّ، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبيًّا. وأما النبيُّ: فمعناه: كونهُ رفيع القدر عند الله، وعند النَّاس، وأيُّ رفعةٍ أعلى من رفعةِ من جعله الله واسطةً بينه، وبين عباده، وقوله: ﴿كَانَ صِدِّيقاً﴾ معناه: صار، وقيل: وجد صدِّيقاً نبيًّا، أي: كان من أوَّل وجوده إلى انتهائه موصوفاً بالصدق والصِّيانة. قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لاًّبِيهِ﴾ : يجوز أن يكون بدلاً من «إبْراهيمَ» بدل اشتمال؛ كما تقدَّم في ﴿إِذِ انتبذت﴾ [الآية: 16] وعلى هذا، فقد فصل بين البدل، والمبدل منه؛ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ نحو: «رأيتُ زيْداً - ونِعْمَ الرَّجُل أخَاكَ» وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن تتعلق «إذْ» ب «كَانَ» أو ب «صدِّيقاً نبيًّا» ، أي: كان جامعاً لخصائص الصديقين، والأنبياء، حين خاطب أباه بتلك المخاطبات ولذلك جوَّز أبُو البقاء أن يعمل فيه «صدِّيقاً نبيًّا» أو معناه. قال أبو حيان: «الإعرابُ الأوَّلُ - يعني البدلية - يقتضي تصرُّف» إذْ «وهي لا تتصرَّفُ، والثاني فيه إعمالُ» كان «في الظرف، وفيه خلافٌ، والثالث لا يكون العامل مركَّباً من مجموعِ لفظين، بل يكون العملُ منسوباً للفظٍ واحدٍ، ولا جائز أن يكون معمولاً ل» صدِّيقاً «لأنَّه قد وصف، إلا عند الكوفيِّين، ويبعدُ أن يكون معمولاً ل» نبيَّا «لأنه يقتضي أنَّ التَّنْبِئَة كانت في وقتِ هذه المقالة» . قال شهاب الدين: العاملُ فيه ما لخَّصَهُ أبو القاسم، ونضَّدهُ بحسن صناعته من مجموع اللفظين في قوله: «أي: كان جامعاً لخصائص الصِّدِّيقين والأنبياء حين خاطب أباه» . وقد تقدَّمت قراءةُ ابن عامرٍ «يَا أبَتَ» وفي مصحف عبد الله «وا أبتِ» ب «وا» التي للندبة. والتاءُ عوضٌ من ياءِ الإضافةِ، ولا يقال: يا أبتي، لئلاَّ يجمع بين العوض، والمعوَّض منه، وقد يقال: يا أبتا لكون الألف بدلاً من الياء. قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ وصف الأوثان بصفاتٍ ثلاثٍ، كُلّ واحدةٍ منها فادحةٌ في الإلهيَّة وبيانُ ذلك من وجوه: أحدها: أن العبادة غايةُ التَّعظيم، فلا يستحقُّها إلاَّ من له غايةُ الإنعام، وهو الإله الذي منه أصُولُ النِّعَم، وفروعها على [ما تقدم] في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: 51] ، وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] ، وكما أنَّه لا يجوز الاشتغالُ بشكرها، لمَّا لم يكُن مُنْعِمَة، وجب ألاَّ يجوز الاشتغالُ بعبادتها. وثانيها: أنَّها إذا لم تسمع، ولم تُبْصر، ولم تُمَيِّز من يطيعها عمَّن يعصيها، فأيُّ فائدةٍ في عبادتها، وهذا تنبيهٌ على أن الإله يجبُ أن يكون عالماً بكُلِّ المعلومات. وثالثها: أنَّ الدُّعاء مُخُّ العبادةِ، فإذا لم يسمع الوثنُ دعاءَ الدَّاعي، فأيُّ منفعةٍ في عبادته؟ وإذا لم يبصرْ تقرُّبَ من يتقرَّب إليه، فأيُّ منفعةٍ في ذلك التَّقَرُّب؟ . ورابعها: أنَّ السَّامع المُبصر الضَّار النَّافع أفضلُ ممن كان عَارِياً عن كُلِّ ذلك، والإنسان موصوفٌ بهذه الصِّفات؛ فيكون أفضل، وأكمل من الوثنِ، فكيف يليقُ بالأفضل عبوديَّةُ الأخسِّ؟ . وخامسها: إذا كانت لا تنفعُ، ولا تضرُّ، فلا يرجى منها منفعةٌ، ولا يخافُ من ضررها، فأيُّ فائدةٍ في عبادتها؟! . وسادسها: إذا كانت لا تحفظ نفسها من الكسر والإفساد، حين جعلها إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - جُذاذاً، فأيُّ رجاءٍ فيها للغير؟ َ، فكأنَّه - صلوات الله وسلامه عليه - قال: ليست الإلهيَّة إلاَّ لربِّ يسمعُ ويبصر، ويجيبُ دعوة الدَّاعي، إذا دعاه. فإن قيل: إمَّا أن يقال: إنَّ أبا إبراهيم - صلوات الله عليه - كان يعتقدُ في تلك الأوثان أنَّها آلهةٌ قادرةٌ، مختارةٌ، خالقة. أو يقال: إنَّه ما كان يعتقدُ ذلك؛ بل كان يعتقدُ أنَّها تماثيلُ للكواكب، والكواكبُ هي الآلهة المدبِّرة للعالم؛ فتعظيم تماثيل الكواكب يوجب تعظيم الكواكب. أو كان يعتقدُ أن تلك الأوثان تماثيلُ أشخاصٍ معظَّمة عند الله من البشر، فتعظيمُها يقتضي كون أولئك الأشخاص شُفعاء لهم عند الله. أو كان يعتقدُ أن تلك الأوثان طلَّسْمَاتٌ ركَّبَتْ بحسب اتِّصالاتٍ مخصُوصةٍ للكواكب، قلَّما يتَّفِقُ مثلها، أو لغير ذلك. فإن كان أبو إبراهيم من القسم الأوَّل، كان في نهاية الجُنُونِ؛ لأنَّ العلم بأنَّ هذا الخشب المنحُوت في هذه السَّاعة ليس خالقاً للسَّموات والأرض من أجلى العلوم الضروريَّة، فالشَّاكُّ فيه يكونهُ مجنوناً، والمجنونُ لا يناظرُ، ولا يُوردُ عليه الحُجَّة، وإن كان من القسم الثاني، فهذه الدلائلُ لا تقدحُ في شيءٍ من ذلك؛ لأنَّ ذلك المذهب إنما يبطلُ بإقامةِ الدَّلائل على أنَّ الكواكبَ ليست أحياء، ولا قادرة، والدليلُ المذكور هنا لا يفيدُ ذلك. فالجوابُ: لا نزاع في أنَّه لا يخفى على العاقلِ: أنَّ الخشب المنحوت لا يصلح لخلق العالمِ، وإنَّما مذهبهم هذا على الوجه الثاني، وإنَّما أورد إبراهيمُ - صلوات الله وسلامه عليه - هذه [الدلائل] عليهم؛ لأنَّهم كانوا يعتقدُون أنَّ عبادتها تفيدُ نفعاً؛ إما على سبيل الخاصِّيَّة الحاصلةِ من الطَّلَّمسات، أو على سبيل أن الكواكب تنفع، وتضُرُّ، فبيَّن إبراهيم - صلواتُ الله عليه وسلامه - أنه لا منفعة في طاعتها، ولا مضرَّة في الإعراض عنها؛ فوجب أن تجتنب عبادتها. قوله : ﴿ياأبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ العلم﴾ بالله، والمعرفة ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعني﴾ على ديني ﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ مستقيماً. ﴿ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان﴾ أي: لا تطعهُ فيما يزيِّن لك من الكُفر والشِّرك؛ لأنَّهم ما كانُوا يعبدُون الشيطان؛ فوجب حملُه على الطَّاعة ﴿لشَّيْطَانَ إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ أي: عاصياً، و «كَانَ» بمعنى الحالِ، أي: هو كذلك. فإن قيل: إثباتُ الصَّانع. وثانيها: إثباتُ الشيطان. وثالثها: أن الشيطان عاصٍ [لله] . ورابعها: أنَّه لما كان عاصياً، لم تَجُزْ طاعتهُ في شيءٍ من الأشياء. وخامسها: أن الاعتقاد الذي كان عليه آزرُ مُستفادٌ من طاعة الشيطان، ومن شأنِ الدَّلالة التي تُورَدُ على الخصم: أن تكون مركبة من مقدِّمات معلومةٍ، يسلِمها الخصمُ، ولعلَّ أبا إبراهيم كان منازعاً في كُلِّ هذه المقدِّمات، وكيف، والمحكيُّ عنه: أنه ما كان يُثْبِتُ إلهاً سوى نُمْرُوذَ؛ فكيف يسلِّم وجود الرَّحمن؟ وإذا لم يسلِّم وجوده، فكيف يسلَّم أنَّ الشيطان عاص في الرحمن؟ وبتقدير تسليم ذلك؛ فكيف يسلِّم الخصمُ بمجرَّد هذا الكلامِ أنَّ مذهبهُ مقتبسٌ من الشيطان، بل لعلَّه يقلب ذلك على خصمه. فالجوابُ: أنَّ الحجَّة المعوِّل عليها في إبطالِ مذهب «آزَرَ» هو قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ وهذا الكلامُ يجري مَجْرَى التَّخويف والتَّحذير الذي يحمله على النظر في تلك الدَّلالة، فسقط السُّؤال. قوله تعالى: ﴿يا أبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ﴾ . قال الفرَّاء - رَحِمَهُ اللَّهُ -: أخافُ: أعلمُ، والأكثرون على أنَّه محمول على ظاهره، والقول الأوَّل إنَّما يصحُّ، لو كان إبراهيمُ - صلواتُ الله وسلامه عليه - عالماً بأنَّ أباه سيموتُ على الكفر، وذلك لم يثبتْ؛ فوجب إجراؤه على ظاهره؛ فإنَّه كان يجوزُ أن يؤمنَ؛ فيصير من أهْلِ الثَّواب، ويجوز أن يدُوم على الكفر؛ فيكون من أهل العقاب، ومن كان كذلك، كان خائفاً لا قاطعاً، والأوَّلُون فسَّروا الآية، فقالوا: أخافُ، بمعنى أعلمُ ب «أن يسمِّك عذابٌ» يصيبك عذابٌ من الرحمن، إن أقمت على الكفر، «فتكُون للشيطانِ وليَّا» قريناً؛ لأنَّ الولاية سببُ المعيَّة، فأطلق اسم السَّبب على المُسبب مجازاً. وقيل: المرادُ بالعذابِ هنا: الخِذْلانُ، والتقدير: إنَّي أخاف أن يمسِّك خذلانٌ من الله، فتصير موالياً للشيطان، ويتبرأ الله منك. * فصل في نظم الآية أعلمْ أنَّ إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - رتِّب هذا الكلام في غاية الحسن؛ لأنَّه ذكر أولاً ما يدلُّ على المنع من عبادة الأوثان، ثُمَّ أمره باتَّباعه في النَّظر، والاستدلال، وترك التقليد، ثُمَّ ذكر أن طاعة الشَّيطان غير جائزة في العُقُول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزَّاجر عن الإقدام على ما ينبغي، ثم إنَّه - صلوات الله عليه - أورد هذا الكلام الحسن مقروناً باللُّطف والرِّفق؛ فإن قوله في مقدِّمة كل كلامه: «يا أبت» دليلٌ على شدَّة الحبِّ، والرغبة في صونه عن العقاب، وإرشاده إلى الصَّواب، وختم الكلام بقوله: ﴿ياأبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ﴾ وذلك يدلُّ على شدَّة تعلُّق فيه بمصالحِه، وإنَّما فعل ذلك لوجوهٍ: الأول: لقضاءِ حقِّا لأبُوَّة على ما قال سبحانه وتعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] والإرشادُ إلى الدِّين من أعظم أنواع الإحسان، فإذا انضم إليه رعايةُ الأدب والرِّفق، كان نُوراً على نُور. والثاني: أنَّ الهادي إلى الحقِّ لا بُدَّ وأن يكون رفيقاً لطيفاً لا يُورِدُ الكلام على سبيل العُنْفِ؛ لأنَّ إيرادهُ على سبيل العُنْفِ يصيرُ كالسَّبب في أعراض المُستمع؛ فيكون ذلك في الحقيقةِ سَعْياً في الإغواء. وثالثها: - ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال صلوات الله عليه وسلامه -: «أوْحَى اللهُ - تبارك وتعالى - إلى إبراهيمَ أنَّك خليلي فحسِّنْ خُلقكَ ولو مع الكُفَّار تدخُلْ مداخلَ الأبْرارِ؛ فإن كلمتي سبقت لمن حسَّن خلقهُ، أنْ أظلَّهُ تحت عرشي، وأسْكِنهُ حظيرةَ القُدْسِ، وأدينه من جواري» . قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ﴾ : يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون «راغبٌ» مبتدأ؛ لاعتماده على همزةِ الاستفهام، و «أنْتَ» فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر. والثاني: أنه خبر مقدمٌ، و «أنْتَ» مبتدأ مؤخَّر، ورُجِّح الأول بوجهين: أحدهما: أنه ليس فيه تقديمٌ، ولا تأخير؛ إذ رتبهُ الفاعل التأخير عن رافعه. والثاني: أنه لا يلزمُ منه الفصلُ بين العامل ومعموله بما ليس معمولاً للعامل؛ وذلك أنَّ «عَنْ آلهتي» متعلقٌ ب «رَاغِبٌ» فإذا جعل «أنْتَ» فاعلاً قد فُصِل بما هو كالجزء من العامل؛ بخلاف جعله خبراً؛ فإنه أجنبيٌّ؛ إذ ليس معمولاً ل «راغبٌ» . * فصل فيما قابل به آزر دعوة إبراهيم اعلم أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه - لمَّا دعا أباهُ إلى التوحيد، وذكر الدَّلالة على فساد عبادة الأوثان، وأردف ذلك بالوعظ البليغِ، مقروناً باللُّطف والرِّفْق قابله أبُوه بجواب [مضاد] لذلك، فقابل حُجَّته بالتَّقليد بقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ فأصرَّ على ادعاء إلهيتها جهلاً وتقليداً، وقابل وعظهُ بالسَّفاهة؛ حيثُ هدَّده بالضَّرْب والشَّتْم، وقابل رفقه في قوله «يا أبَتِ» بالعنف، فلم يَقُلْ له: يا بنيَّ، بل قال له: يا إبراهيمُ، وإنَّما حكى الله تبارك وتعالى ذلك لمحمَّدٍ - صلواتُ الله وسلامه عليه - تخفيفاً على قلبه ما كان يصلُ إليه من أذى المشركين، ويعلمُ أنَّ الجُهَّال منذُ كانوا على هذه السِّيرة المذمومة، ثم قال: ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ . قال الكلبيُّ: ومقاتلٌ، والضحاكُ، لأشتنمَّك، ولأبعدنَّك عنِّي بالقول القبيح، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات﴾ [النور: 4] ؛ أي: بالشَّتْم، ومنه: الرَّجيمُ، أي: المرميُّ باللَّعْن. قال مجاهدٌ: كلُّ رجمٍ في القرآن بمعنى الشَّتم، وهذا ينتقضُ بقوله تعالى: ﴿رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: 5] . وقال ابنُ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لأضربنَّك. وقال الحسنُ: لأرجمنَّك بالحجارة وهو قولُ أبي مسلم؛ لأنَّ أصله الرمي بالرِّجام، فحمله عليه أولى. وقال المروِّج: «أقْتُلَنَّكَ» بلغة قريش، وممَّا يدلُّ على أنه أراد الطَّرْد، والإبْعاد قوله: ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ . قوله تعالى: «مَلِيَّاً» في نصبه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرفِ الزمانيِّ، أي: زمناً طويلاً، ومنه «الملوانِ» للَّيلِ والنهار، وملاوةُ الدَّهر، بتثليث الميم قال: [الطويل] 3607 - فَعُسْنَا بِهَا مِنَ الشَّبابِ ملاوةً ... فَلَلْحَجَّ آيَاتُ الرَّسُولِ المُحَبِّبِ وأنشد السدى على ذلك لمهَلْهَلٍ قال: [الكامل] 3608 - فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الجبالِ لمَوْتِهِ ... وبَكَتْ عليْه المُرْمِلاتُ مَلِيَّا أي: أبداً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال، معناه: سالماً سويَّا، قال ابن عباس: [اعتزلني سالماً؛ لا يصيبك مني معرة] فهو حالٌ من فاعل «اهْجُرْنِي» وكذلك فسَّره ابن عطيَّة؛ قال: «معناه: مستبدَّا، أي: غنيَّا عني من قولهم: هو مليٌّ بكذا وكذا» قال الزمخشريُّ: «أي: مُطِيقاً» . والمعنى: مليَّا بالذِّهَابِ عنِّي، والهجران، قيل: أن أثخنك بالضَّربِ؛ حتى لا تقدر أن تبرح. والثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: هجراً مليَّا، يعني: واسعاً متطاولاً؛ كتطاول الزمان الممتدِّ. قال الكلبيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اجتنبني طويلاً. والمراد بقوله: واهجرني، أي: بالمفارقة من الدَّار والبلدِ، وهي كهجرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمؤمنين، أي: تباعد عنِّي؛ لكي لا أراك. وقيل: اهجرني [بالقول، وعطف «واهجرني» على معطوف عليه محذوف عليه محذوف يدل عليه: «لأرجمنك» أي: فاحذرني، واهجرني] ؛ لئلا أرجمنك، فلما سمع إبراهيمُ - صلوات الله وسلامه عليه - كلام أبيه، أجاب بأمرين: أحدهما: أنه وعدُه بالتَّباعُد منه؛ موافقة وانقياداً لأمْرِ أبيه. والثاني: قوله: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكَ﴾ توديعٌ، ومتاركةٌ، أي: سلمتَ منِّي لا أصيبُك بمكروهٍ، وذلك لأنَّه لم يؤمر بقتاله على كفره؛ كقوله تعالى: ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ [القصص: 55] ، ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . وهذا يدلُّ على جواز متاركة المنصُوح، إذا ظهر منه اللَّجاج، وعلى أنَّه تحسُن مقابلةُ الإساءةِ بالإحسان، ويجوزُ أن يكون دعا لهُ بالسَّلامة؛ استمالة له. ألا ترى أنَّه وعدُه بالاستغفار؛ فيكون سلام برٍّ ولطفٍ، وهو جوابُ الحليمِ للسَّفيه؟ كقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ [الفرقان: 63] . وقرأ أبو البرهسم «سلاماً» بالنصب، [وتوجيهها] واضحٌ ممَّا تقدَّم. قوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ ، أي: لمَّا أعياه أمرُه، وعدهُ أن يراجع الله فيه، فيسألهُ أن يرزقه التَّوحيد، ويغفر له، والمعنى: سأسأل الله لك توبةٌ تنالُ بها المغفرة: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ برَّا لطيفاً. واحتجَّ بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياءِ - صلوات الله عليهم - وذلك أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه وسلامه - استغفر لأبيه، وأبُوه كافراً، والاستغفارُ للكُفَّار غيرُ جائزٍ؛ فثبت أنَّ إبراهيم - صلوات الله عليه - فعل ما لا يجوزُ. أما استغفارهُ أبيه؛ فلقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ وقوله: ﴿واغفر لأبي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضآلين﴾ [الشعراء: 86] وأما كون أبيه كافراً؛ فبالإجماع، ونصِّ القرآن. وأمَّا أن الاستغفار [للكافر] لا يجوزُ؛ فلقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى} [التوبة: 113] ولقوله - عزَّ وجلَّ - في سورة الممتحنة ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4] . والجوابُ: أن الآية تدلُّ على أنَّه لا يجوزُ لنا التأَّسِّي به في ذلك؛ لكنَّ المنع من التَّأسِّي به في ذلك لا يدلُّ على أنَّ ذلك كان معصيةٌ؛ فإن كثيراً من الأشياء هي من خواصِّ رسُول الله - صلوات الله عليه وسلامه - ولا يجُوزُ لنا التَّأسِّي به فيها، مع أنَّها كانت مباحةٌ له. وأيضاً: لعلَّ هذا الاستغفار كان من باب ترك الأولى، وحسناتُ الأبْرارِ سيِّئاتُ المقرَّبينَ. قوله: ﴿اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ . قال مقاتلٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: كان اعتزالُه إيَّاهُمْ أنَّه فارقهُم من «كوثى» ، فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، والاعتزالُ عن الشيء هو التَّباعدُ عنه، «وأدعُو ربِّي» أعبد ربي الذي يَضُرُّ وينفعُ، والذي خلقني، وأنعم عليَّ ﴿رَبِّي عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّا﴾ ، أي: عسى ألاَّ أشْقَى بدُعائه وعبادته؛ كما تشقون أنتمُ بعبادةِ الأصنام، ذكر ذلك على سبيل التواضُع؛ كقوله تعالى: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: 82] . وقوله: «شَقِيَّا» فيه تعريضٌ لشقاوتهم في دعاء آلهِتْهمْ. وقيل: عسى أن يجيبني، إن دعوتُه. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ . ذهب مهاجراً إلى ربِّه، فعوَّضه أولاداً أنبياء بعد هجرته، ولا حالة في الدِّين والدُّنيا للبشر أرفعُ من أن يجعله الله رسولاً إلى خلقه، ويُلزم الخلق طاعتهُ، والانقياد لهُ مع ما يحصلُ له من عظيم المنزلةِ في الآخرةِ. قوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ : «كُلاَّ» مفعولٌ مقدَّم هو الأول، و «نبيَّا» هو الثاني. ثم إنَّه مع ذلك وهب لهم من رحمته، قال الكلبيُّ: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: هو ما بسط لهم في الدَّنيا من سعة الرِّزق. وقيل: الكتاب والنبوَّة. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ : يعني: ثناءٌ حسناً رفيعاً في كُلِّ أهل الأديان، وعبَّر باللسان عما يُوجد باللِّسان، منا عُبِّر باليد عمَّا يوجدُ باليدِ، وهو العطيَّة، فاستجاب الله دعوته في قوله: ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: 84] ، فصيَّره قُدوةً، حتى ادَّعاه أعلُ الأديان كلهم. فقال سبحانه وتعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: 78] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.