الباحث القرآني

«تلْكَ» مُبْتَدَأ، و «أمَّةٌ» خبره، ويجوز أنْ تَكُونَ «أُمَّة» بدلاً من «تلك» ، و «قد خلت» خبر للمبتدأ. وأصل «تلك» : «تي» ، فلمَّا جاء باللاَّم للبعد حُذِفَتِ الياء لالتقاء الساكنين، فإن قيل: لِمَ لَمْ تسكر اللام حتى لا تحذف الياء؟ فالجواب: أنَّهُ يثقل اللفظ بوقوع الياء بين كسرتين. وزعم الكوفيون أنَّ التاء وحدَها هي الاسمن وليس ثَمَّ شيء محذوف. وقوله: «قد خلت» جملة فعلية في محل رفع صفة ل «أُمَّة» إنْ قيل إنها خبر «تلك» أو خبرُ «تلك» إن قيل: إن «أمة» بدل من «تلك» كما تقدم، و «خلت» أي صارت إلى الخلاءن وهي الأرض التي لا أنيس بها، والمراد به ماتت، والمشار إليه هو إبراهيم ويعقوب وأبناؤهم. والأمة: الجماعة، وقيل: الصنف. قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون صفة ل «أمة» أيضاً، فيكون محلها رفعاً. والثاني: أن تكون حالاً من الضمير في «خلت» فحملها نصب، أي: خلت ثابتاً لَهَا كَسْبُها. والثالث: أن تكون استئنافاً فلا محلّ لها. وفي «ما» من قوله: «ما كسبت» ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها بمعنى الذي. والثاني: أنها نكرة موصوفةن والعائد على كلا القولين محذوف أي: كسبته، إلا أن الجملة لا محلّ لها على الأول. والثالث: أن تكون مصدرية، فلا تحتاج إلى عائد على المشهور، ويكون المصدر واقعاً موقع المفعول أي: لها مكسوباً أو يكون ثَمَّ مضاف، أي: لها جزاء كسبها. قوله: ﴿وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ إن قيل: إن قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ مستأنف كانت هذه الجملة عطفاً عليه. وإن قيل: إنه صفة أو حال فلا. أما الصفة فلعدم الرابط فيها. وأما الحال فلاختلاف زمان استقرار كسبها لها، وزمان استقرار كسب المخاطبين، وعطف الحال على الحال يوجب اتحاد الزمان، و «ما» من قوله: «ما كسبتم» ك «ما» المتقدمة. * فصل فيمن استدل بالآية على إضافة بعض الأكساب إلى العبد دلت هذه الآية على أن العبد يضاف إليه أعمال وأكساب، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، إن كان خيراً فبفضله وإن كان شرًّا فبعدله، فالعبد مكتسب لأفعاله، على معنى أنه خلقت له قدرة مُقَارنة للفعل يدرك بها الفرق بين حركة الاختيار وحركة الرَّعشة مثلاً، وذلك التمكن هو مَنَاط التكليف، وهذا مذهب أهل السُّنة. وقالت الجبرية بنفي اكتساب العَبْدِ، وأنه كالنبات الذي تصرفه الرياح. وقالت القدرية والمعتزلة خلاف هذين القولين، وأن العبد يخلق أفعاله، نقلهُ القرطبي. قوله: «وَلاَ تُسْأَلُونَ» هذه الجملة استئناف ليس إلاَّ، ومعناها التوكيد لما قبلها؛ لأنه لما تقدم أن أحداً لا ينفعه كسب أحد، بل هو مختص به إن خَيْراً وإن شرًّا، فلذلك لا يسأل أحد عن غيره، وذلك أن اليهود افتخروا بأسلافهم، فأخبروا بذلك. و «ما» يجوز فيها الأوجه الثلاثة من كونها موصلة أسمية، أو حرفية، أو نكرة، وفي الكلام حذف، أي: ولا يُسْألون عما كنتم تعملون. قال أبو البقاء: ودلّ عليه: لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم انتهى. ولو جُعِل الدالُّ قوله: «ولا تسألون عما كانوا يعملون» كان أوْلى؛ لأنه مقابلة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.