الباحث القرآني

«أَمْ» هذه فيها أربعة أقوالٍ: الأول: أنْ تكون منقطعةً فتتقدَّر ب «بل» والهمزة. ف «بل» لإضراب انتقالٍ من إِخْبَارٍ إلى إِخْبَارٍٍ، والهمزةُ للتقري. والتقدير بل حسبتم. والثاني: أنها لمجرد الإضراب مِنْ غير تقدير همزة بعدها، وهو قول الزَّجَّاج وأنشد: [الطويل] 1038 - بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشِّمْسِ فِي رَوْنَقِ الضُّحَى ... وَصُوَرتِهَا أَمْ أَنْتِ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ أي: بل أنت. والثالث: وهو قول الفرَّاء وبعض الكُوفيِّين، أنها بمعنى الهمزة. فعلى هذا يُبتدأُ بها في أوَّل الكلام، ولا تحتاجُ إلى الجملة قبلها يضرب عنها. الرابع: أنها مُتَّصلةٌ، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملةٍ محذوفةٍ قبلها. قال القفَّال: «أمْ» هنا استفهامٌ متوسطٌ؛ كما أَنَّ «هَلْ» استفهامٌ سابقٌ، فيجوز أَنْ يقال: هل عندك رجلٌ، أَمْ عندك امرأَةٌ؟ ولا يجوز أَنْ يقال ابتداءً أَمْ عندك رجل، فأَمَّا إذا كان متوسطاً، جاز سواءٌ كان مسبُوقاً باستفهامٍ آخر، أو لا يكون، أَمَّا إذا كان مسبوقاً باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجلٌ لا تنصف، أفعن جهل تفعلُ هذا، أم لك سلطانٌ؟ وأَمَّا الذي لا يكون مسبوقاً بالاستفهام؛ فكقوله: ﴿الم تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين أَمْ يَقُولُونَ افتراه﴾ [السجدة: 1 - 3] فكذا تقدير هذا الآية: فهدى اللَّهُ الذين آمنوا فصبروا على استهزَاءِ قومهم، أفتسلكُون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تدخُلُوا الجنَّةَ مِنْ غيرِ سلوكِ سبيلهم. «حَسب» هنا من أَخواتِ «ظنَّ» ، تنصبُ مفعولين عند سيبويه، ومسدَّ الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، كما تقدَّم، ومضارعها فيه الوجهان: الفتحُ - وهو القياسُ - والكسرُ. ولها نظائرُ من الأفعالِ تأتي إن شاء اللَّهُ تعالى في آخرِ السورةِ، ومعنها الظَّنُّ، وقد تستعملُ في اليقين؛ قال: [الطويل] 1039 - حَسِبْتُ التُّقَى وَالجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ ... رَبَاحاً إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلاَ ومصدرُها: الحُسْبان. وتكون غير متعديةٍ، إذا كان معناها الشقرة، تقول: زيدٌ، أي: اشْقَرَّ، فهو أَحْسَبُ، أي: أَشْقَرُ. قوله: «وَلَمَّا يَأْتِكمْ» الواو للحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، أي: غير آتيكم مثلهم. و «لمَّا» حرف جزمٍ، معناه النفي؛ ك «لم» ، وهو أبلغ من النفي ب «لم» ؛ لأنَّها لا تنفي إلاَّ الزمان المتصل بزمان الحال. والفرق بينها وبين «لم» من وجوهٍ: أحدها: أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام، إذ دلَّ عليه دليلٌ. وهو أحسن ما تخرَّج عليه قراءة «وإِنْ كُلاًّ لَمَّا» كقوله: [الوافر] 1040 - فَجئْتُ قُبُرَهُمْ بَدْءاً وَلَمَّا ... فَنَادَيْتُ الْقُبُورَ فَلَمْ تَجِبْنَهْ أي: ولمَّا أكن بدءاً، أي: مبتدئاً؛ بخلاف «لَمْ» فإنه لا يجوز ذلك فيها إلا ضرورة؛ كقوله: [الكامل] 1041 - وَاحْفَظْ وَدِيعَتَكَ الَّتِي أُودِعْتَهَا ... يَوْمَ الأَعَازِب إِنْ وَصَلْتَ وَإِنْ لَمِ ومنها: أنَّها لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، و «لم» لنفيه مطلقاً أو منقطعاً على ما مرَّ. ومنها: أنَّ «لَمَّا» لا تدخل على فعل شرطٍ، ولا جزاءٍ بخلاف «لم» . ومنها أنّ «لَمْ» قد تلغى بخلاف «لَمَّا، فإنها لم يأتِ فيها ذلك، وباقي الكلام على ما يأتي إن شاء الله تعالى في سورة» الحُجُرَاتِ «عند قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان﴾ [الحجرات: 14] . واختلف في» لَمَّا» فقيل: مركبة من لم و «ما» زيدت عليها. وقال سيبويه: بسيطة وليست» ما «زائدة؛ لأنَّ» لما «تقع في مواضع لا تقع فيها» لم» ؛ يقول الرجل لصاحبه: أقدِّم فلاناً، فيقول «لَمَّا» ، ولا يقال: «لَمْ» مفردةً. قال المبرّد: إذا قال القائل: لم يأتني زيدٌ، فهو نفيٌ لقولك أتاك زيدٌ، وإذا قال لَمَّا يأتني، فمعناه: أنَّه لم يأتني بعد، وأنا أتوقَّعه؛ قال النابغة: [الكامل] 1042 - أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رَكَابَنَا ... لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ وفي قوله» مَثَلُ الَّذِينَ «حذف مضافٍ، وحذفُ موصوفٍ، تقديره: ولمَّا يأتكم مثل محنة المؤمنين الذين خلوا. و» مِنْ قَبْلِكُمْ «متعلِّقٌ ب» خَلَوا «وهو كالتأكيد، فإنَّ الصلة مفهومةٌ من قوله:» خَلَوْا «. * فصل في سبب نزول» أم حسبتم «الآية. قال ابن عبَّاس، وعطاء: لمَّا دخل أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة اشتدَّ عليهم الضرر؛ لأنَّهم خرجوا بلا مالٍ، وتركوا ديارهم، وأموالهم بيدي المشركين، وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأسرَّ قوم النفاق، فأنزل الله تعالى؛ تطيباً لطيوبهم:» أَمْ حَسِبْتُمْ» . وقال قتادة والسُّديُّ: نزلت في «غَزْوَةِ الخنْدَقِ» أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد، والحزن، وشدَّة الخوف، والبرد، وضيق العيش، وأنواع الأذى؛ كما قال تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: 10] وقيل: نزلت في «غَزْوَةِ أُحُد» لما قال عبد الله بن أُبيٍّ لأصحاب النبي عليه السلام إلى متى تقتلون أنفسكم، وترجون الباطل، ولو كان محمد نبياً، لمَّا سلَّط الله عليكم الأسر والقتل، فأنزل الله تعالى هذه الآية «أَمْ حَسِبْتُمْ» ، أي: المؤمنون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بمجرد الإيمان بي، وتصديق رسولي، دون أن تعدبوا الله بكل ما تعبَّدكم به، وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر ومكابدة الضر والبؤس، ومقاساة الأهوال في مجاهدة العدوِّ؛ كما كان ذلك غريبةٍ، أو قصَّة عجيبةٍ لها شأنٌ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ [النحل: 60] أي: الصفة التي لها شأن عظيم. قوله: «مَسَّتْهم البأْسَاءُ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن تكون لا محلّ لها من الإعراب؛ لأنها تفسيريةٌ، أي: فسَّرَتِ المثل وشرحته، كأنه قيل: ما كان مثلهم؟ فقيل: مسَّتهم البأساء. والثاني: ان تكون حالاً على إضمار «قَدْ» جوَّز ذلك أبو البقاء، وهي حالٌ من فاعلٍ «خَلَوا» . وفي جعلها حالاً بَعْدٌ. و «البَأْسَاءُ» : اسمٌ من البؤْسِ بمعنى الشِّدِّة، وهو البلاء والفقر. و «الضَّرَّاءُ» : الأمراض، والآلام، وضروب الخوف. قال أبو العبَّاس المقريُّ: ورد لفظ «الضُّرِّ» في القرآن على أربعة أوجهٍ: الأول: الضُّرُّ: الفقر؛ كهذه الآية، ومثله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ [يونس: 12] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر﴾ [النحل: 53] أي: الفقر. الثاني: الضّرّ: القحط؛ قال تعالى: ﴿إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأسآء والضرآء﴾ [الأعراف: 94] أي: قحطوا. أو قوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ﴾ [يونس: 21] أي: قحط. الثالث: الضُّرُّ: المرض؛ قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ﴾ [يونس: 207] أي: بمرض. الرابع: الضر: الأهوال؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر﴾ [الإسراء: 67] . قوله: «وَزُلْزِلُوا» أي: حرِّكوا بأنواع البلايا والرَّزايا. قال الزَّجَّاج: أصل الزَّلزلة في اللغة من زلَّ الشيء عن مكانه، فإذا قلت: زلزلته فتأويله: أنَّك كررت تلك الإزالة فضوعف لفظه بمضاعفة معناه؛ لأن ما فيه تكريرٌ يكرّرُ فيه الفعل نحو: صَرَّ وصَرْصَرَ، وصَلَّ وصَلْصَلَ؛ وَكَفَّ وَكَفْكَفَ، وفسر بعضهم «زُلْزِلُوا» أي: خُوِّفُوا؛ وذلك لأنَّ الخائف لا يستقر بل يضطرب قلبه. قول تعالى: «حَتَّى يَقُولَ» قرأ الجمهور: «يقولَ» نصباً، وله وجهان: أحدهما: أنَّ «حَتَّى» بمعنى «إِلَى» ، أي: إلى أن يقول، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزال، و «حَتَّى» إنما ينصب بعدها المضارع المستقبل، وهذا قد وقع ومضى. فالجواب: أنه على حكاية الحال، [حكى تلك الحال] . والثاني: أنَّ «حَتَّى» بمعنى «كَيْ» ، فتفيد العلَّة كقوله: أطعتُ الله حَتَّى أدْخَلنِي الجنةَ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ قول الرسول والمؤمنين ليس علَّة للمسِّ والزلزال، وإن كان ظاهر كلام أبي البقاء على ذلك، فإنه قال: «بالرفعِ على أَنْ يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا، فالزَّلْزَلَةُ سَبَبُ القولِط، و» أَنْ «بعد» حَتَّى «مُضْمَرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفعه على أنَّه حالٌ، والحال لا ينصب بعد» حَتَّى «ولا غيرها؛ لأنَّ الناصب يخلِّص للاستقبال؛ فتنافيا. واعلم أنَّ» حَتَّى «إذا وقع بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكون حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، إن كان حالً، رفع؛ نحو:» مَرِضَ حَتَّى لاَ يَرْجُونَهُ» أي: في الحال. وإن كان مُسْتَقْبلاً نصب، تقول: سِرْتُ حتَّى أدخل البلد، وأنت لم تدخل بعد. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثُمَّ حكايتك له: إمَّا أن تكون بحسب كونه مستقبلاً، فتنصبه على حكاية هذه الحال، وإمَّا أن يكون بحسب كونه حالاً، فترفعه على حكاية هذه الحال، فيصدق أن تقول في قراءة الجماعة: حكاية حالٍ، وفي قراءة نافعٍ أيضاً: حكاية حال. قال شهاب الدِّين: إنَّما نبَّهتُ على ذلك؛ لأنَّ عبارة بعضهم تخُصُّ حكاية الحال بقراءة الجمهور، وعبارةآخرين تخصُّها بقراءة نافع. قال أبو البقاء في قراءة الجمهور: «والفعلُ هنا مستقبلٌ، حُكِيت به حَالُهُمْ، والمعنى على المُضِيِّ» وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفع بأنَّ «حتى» للتعليل. قوله: «معه» هذا الظرف يجوز أن يكون منصوباً بيقول، أي: إنهم صاحبوه في هذا القول وجامعوه فيه، وأن يكون منصوباً بآمنوا، أي: صاحبوه في الإيمان. قوله: ﴿متى نَصْرُ الله﴾ «مَتَى» منصوبٌ على الظرف، فموضعه رفعٌ؛ خبراً مقدَّماً، و «نصرٌ» مبتدأٌ مؤخرٌ. وقال أبو البقاء: «وعلى قولِ الأَخْفَشِ: موضعه نصب على الظرف، و» نصرُ «مرفوعٌ به» . و «مَتَى» ظرفُ زمانٍ لا يتصرَّف إلا بجرِّه بحرفٍ. وهو مبنيٌّ؛ لتضمُّنه: إما لمعنىهمزة الاستفهام، وإمَّا معنى «مَنْ» الشرطية، فإنه يكون اسم استفهام، ويكون اسم شرطٍ فيجزم فعلين شرطاً وجزاءً. قال القرطبي: «نَصْرُ اللَّهِ» رفع بالابتداء على قول سيبويه، وعلى قول أبي العباس؛ رفع بفعلٍ، أي: متى يقع نصر الله. و «قَرِيبٌ» خبر «إنَّ» قال النَّحَّاس: ويجوز في غير القرآن «قَرِيباً» أي: مكاناً قريباً و «قَرِيبٌ» لا تثيِّيه العرب، ولا تجمعه، ولا تؤنّثه في هذا المعنى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: 56] ؛ وقال الشَّاعر: [الطويل] 1043 - لَهُ الْوَيْلُ إِنْ أَمْسَى وَلاَ أُمُّ هَاشِمٍ ... قَرِيبٌ وَلاَ بَسْبَاسَةُ ابْنَةُ يَشْكُرَا فإن قلت: فلانٌ قريبٌ لي ثنيت وجمعت فقلت: قَرِيبُونَ، وأقْرِباءُ، وقُرَبَاءُ. فصل والظاهر أنَّ جملة ﴿متى نَصْرُ الله﴾ من قول المؤمنين، وجملة ﴿ألاا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ من قول الرسول، فنسب القول إلى الجميع؛ إجمالاً، ودلالة الحال مبيِّنة للتفضيل المذكور. وهذا أولى من قول من زعم أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والتقدير: حتَّى يقول الذين آمنوا: «مَتَى نَصْرُ اللَّهِ» ؟ فيقول الرسول «أَلاَ إِنَّ» فقدِّم الرسول؛ لماكنته، وقدِّم المؤمنون؛ لتقدُّمهم في الزمان. قالوا: لأنه أخبر عن الرسول، والذين آمنوا بكلامين: أحدهما: أنهم قالوا: مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ والثاني: «ألاَّ إنَّ نصرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» فوجب إسناد كلِّ واحدٍ من هذين الكلامين إلى ما يليق به من ذينك المذكورين، قال: الذين آمناو قالوا: «مَتَى نَصْرُ اللَّهِ» والرسلُ قالوا: ﴿ألاا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ قالوا: ولهذا نظيرٌ في القرآن والشِّعر: أمَّا القرآن: فقوله: ﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ [ القصص: 73] ، والمعنى؛ لتسكنوا في اللَّيل، ولتبتغوا من فضله في النهار. وأمَّا الشعر: فقول امرئ القيس: [الطويل] 1044 - كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا العُنَّابُ وَالْحَشَفُ البَالِي فشبه العنَّاب بالرطب، والحشف بالبالي باليابس. قال ابن عطيَّة: «هذا تَحَكُّمٌ وحَمْلٌ لِلْكلامِ على غَيْرِ وَجْهِهِ» . وقيل: الجملتان من قول الرسول والمؤمنين معاً، يعني أن الرسول قالهما معاً، وكذلك أتباعه. فإن قيل: كيف يليق بالرسول القاطع بصحَّةِ وعد الله ووعيده أن يقول مستبعداً: مَتَى نصر الله؟ والجواب من وجوه: أحدها: التأويل المتقدِّم. والثاني: أن قول الرسول ﴿متى نَصْرُ الله﴾ ليس على سبيل الشِّكِّ بل على سبيل الدعاء باستعجال النصر. الثالث: أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذَّى من كيد الأعداء؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97] وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] وقال تعالى: ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: 110] ، وعلى هذا فإذا ضاق قلبه، وقلَّت حيلته، وكان قد تقدم وعبد الله بنصره، إلاَّ أنه لم يعيِّن له الوقت؛ قال عند ضيق قبله: ﴿متى نَصْرُ الله﴾ حَتَّى إنَّه إذا علم قرب الوقت، زال غمه وطاب قبله؛ ويؤيد ذلك قوله في الجواب ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ فلما كان الجواب بذكر القرب؛ دلَّ على أنَّ السؤال كان واقعاً عن القرب، ولو كان السؤال وقع عن أنَّه هل يوجد النصر، أم لا؛ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال، هذا على قول من قال إن قوله: ﴿ألاا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ مِن كلام الله تعالى جواباً للرسول، ومن قال إنه من كلام المؤمنين. قال: إنَّهم لما علموا أنَّ الله تعالى لا يُعلي عدوه عليهم، قالوا: ﴿ألاا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ ، فنحن على ثقة بوعدك. وقيل: إنَّ الجملة الأولى من كلام [الرسول وأتباعه، والجملة ألخيرة من كلام] الله تعالى، على ما تقدم. فالحاصل أنَّ الجملتين في محلِّ نصب بالقول. فإن قيل: قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ يوجب في حق كل من لحقه شدَّةٌ أن يعلم أنه سيظفر بزوالها، وذلك غير ثابتٍ. فالجواب: لا يمتنع أن يكون هذا من خواصِّ الأنبياء - عليهم السّلام - وأيضاً فإن كان عامّاً في حق الكل إذ كلُّ من كان في بلاءٍ، فلا بدَّ له من أحد أمرين: إمَّ أن يتخلص منه أو يموت، فإن مات، فقد وصل إلى من لا يهمل أمره، ولا يضيع حقه، وذلك من أعظم النصر، وإنما جعله قريباً؛ لأن الموت آتٍ؛ وكلَّ آتٍ قريبٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.