الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ الآية: في تعلُّق هذا الجارِّ خمسة أوجهٍ: أحدها: - وهو الظاهر - أنه متعلِّق بفعل مقدرٍ، يدلُّ عليه سياق الكلام، واختلفت عبارات المعربين فيه، فقال مكي - ولم يذكر غيره -: «أَعْطُوا لِلْفقراءِ» ، وفي هذا نظرٌ؛ لأنه يلزم زيادة اللام في أحد مفعولي أعطى، ولا تزاد اللام إلا لضعف العامل: إمَّا بتقدُّم معموله كقوله تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] ، وإمَّا لكونه فرعاً؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107] ويبعد أن يقال: لمَّا أُضمر العاملن ضعف؛ فقوي باللام، على أنَّ بعضهم يجيز ذلك، وإن لم يضعف العامل، وجعل منه ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: 72] ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقدَّره أبو البقاء: «اعْجَبُوا لِلْفُقَرَاءِ» وفيه نظرٌ، لأنه لا دلالة من سياق الكلام على العجب. وقدَّره الزمخشريُّ: «اعْمدُوا، أو اجعلوا ما تُنْفقون للفقراء» والأحسن من ذلك ما قدَّره مكي، لكن فيه ما تقدَّم. الثاني: أنَّ هذا الجارَّ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الصدقات أو النفقات التي تنفقونها للفقراء، وهو في المعنى جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر، كأنهم لما حثُّوا على الصدقات، قالوا: فلمن هي؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء، وفيها بيان مصرف الصَّدقات. وهذا اختيار ابن الأنباري. قال ابن الخطيب: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الإنفاق، قال بعدها «لِلْفُقَرَاءِ» أي: ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل، فتقول: عاقلٌ لبيبٌ، والمعنى: أن ذلك الذي مرَّ وصفه عاقلٌ لبيبٌ، وكذلك الناس يكتبون على الكيس يجعلون فيه الذهب، والفضَّة: ألفان، أو مائتان، أي: ذلك الذي في الكيس ألفان، أو مائتان. وأنشد ابن الأنباري: [الرجز] 1237 - تَسْأَلُنِي عَنْ زَوْجِهَا أَيُّ فَتَى ... خبٌّ جَرُوزٌ وَإِذَا جَاعَ بَكَى يريد: هو خبٌّ. الثالث: أنَّ اللام تتعلَّق بقوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات﴾ [البقرة: 271] وهو مذهب القفَّال، واستبعده الناس؛ لكثرة الفواصل. الرابع: أنه متعلِّقٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ وفي هذا نظرٌ؛ من حيث إنه يلزم فيه الفصل بين فعل الشرط وبين معموله بجملة الجواب، فيصير نظير قولك: مَنْ يُكْرِمْ أُحْسِنْ إليه زيداً. وقد صرَّح الواحديُّ بالمنع من ذلك، معلِّلاً بما ذكرناه، فقال: وَلاَ يجوزُ أن يكون العاملُ في هذه اللام «تنفقوا» الأخير في الآية المتقدمة الكريمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل، والمعمول بما ليس منه، كما لا يجوز: «كانَتْ زَيْداً الحُمَّى تأخُذُ» . الخامس: أنَّ «للفقراء» بدلٌ من قوله: «فلأَنْفُسِكُمْ» ، وهذا مردودٌ؛ قال الواحدي، وغيره: «لأنَّ الإنفاق من حيث هو واصلٌ إليهم، وليس من باب ﴿وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: 97] ؛ لأنَّ الأمر لازمٌ للمستطيع خاصةً» قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: يعني أنَّ الفقراء ليست هي الأنفس، ولا جزاءً منها، ولا مشتملةً عليها، وكأن القائل بذلك توهَّم أنه من باب قوله تعالى: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] في أحد التأويلين. والفقير: قيل: أصله من «فَقَرَتْه الفَاقِرَةُ» ، أي: كسرت فقارات ظهره الداهية. قال الراغب: وأصل الفقير: هو المكسُورُ الفقار، يقال: «فَقَرَتْه الفاقرةُ» أي: الداهية تكسر الفقار، و «أَفْقَرَكَ الصَّيْدُ [فَارْمِهِ» ] أي أمكنك من فقاره، وقيل: هو من الفُقرة، أي: الحفرة، ومنه قيل لكلِّ حفرةٍ يجتمع فيها الماء، فقيرٌ: وفقرت للفسيل: حفرت له حفرة؛ غرسته فيها؛ قال: [السريع أو الرجز] 1238 - مَا لَيْلَةُ الفَقِيرِ إِلاَّ شَيْطَانْ ... قيل: هو اسم بئر، وفقرت الخرز: ثقبته. وقال الهروي: يقال «فَقَره» إذا أصاب فقار ظهره، نحو: رَأَسَه، أي: أصاب رأسه، وبَطَنَهُ، أي: أصاب بطنه. وقال الأصمعي: «الفقر: أن يحزَّ أنف البعير، حتى يخلص الحزُّ إلى العظم، ثم يلوي عليه جريراً يذلَّل به الصَّعب من الإبل، ومنه قيل: عمل به الفاقرة» . والفقرات - بكسر الفاء، وفتح القاف -: جمع فقرة: الأمور العظام، ومنه حديث السَّعي: «فِقَراتُ ابن آدَم ثلاثٌ: يَوْمَ وُلِد، ويومَ يَمُوتُ، ويومَ يُبْعَثُ» . والفقر - بضم الفاء، وفتح القاف -: جمع فقرة؛ وهي الحزُّ، وخرم الخطم، ومنه قول أبي زيادٍ: «يُفْقَرُ الصَّعْبُ ثلاثَ فُقَرٍ في خطْمِه» ومنه حديث سعدٍ: «فَأَشَارَ إلى فُقَرٍ في أنْفِهِ» ، أي: شقٍّ، وحزِّ. وقد تقدَّم الكلام في الإحصار عندق وله: «فإن أحصرتم» . قوله: ﴿فِي سَبِيلِ﴾ في هذا الجار وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل قبله؛ فيكون ظرفاً له. والثاني: أن يكون متعلِّقاً بمحذوف على أنه حال من مرفوع «أُحصروا» ، أي: مستقرين في سبيل الله. وقدَّره أبو البقاء بمجاهدين في سبيل الله، فهو تفسير معنًى لا إعراب؛ لأنَّ الجارَّ لا يتعلَّق إلا بالكون المطلق. * فصل في بيان سبب النزول نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائةٍ، وهم أصحاب الصُّفَّة، لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد؛ يتعلمون القرآن الكريم، ويرضخون النوى بالنهار ويخرجون في كل سريَّةٍ يبعثها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فحث الله عليهم الناس؛ فكان من عنده فضلٌ أتاهم به، إذا أمسى. «عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: وقف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يوماً على أصحاب الصفة، فرأى فقرهم، وجهدهم؛ فطيَّب قلوبهم، فقال:» أَبْشِرُوا يَا أَصْحَابَ الصُّفَّةِ فإنَّهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى النَّعْتِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ رَاضِياً بِمَا فِيهِ فَإِنَّهُ مِنْ رُفَقَائِي» واعلم أنه تعالى وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفاتٍ: الأولى: قوله: ﴿الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ والإحصار: أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره من مرضٍ، أو كسرٍ، أو عدوٍّ، أو ذهاب نفقةٍ، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال: أحصر الرجل: فهو محصرٌ، وفي معنى هذا الإحصار، وجوه: الأول: أنَّهم حصروا أنفسهم، ووقفوها على الجهاد؛ لأن قوله: ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾ مختصٌّ بالجهاد في عرف القرآن. الثاني: قال قتادة - رَحِمَهُ اللَّهُ - وابن زيد: منعو أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش؛ خوف العدوِّ؛ لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم، قتلوهم. الثالث: قال سعيد بن جبير؛ وهو اختيار الكسائي: إنَّ هؤلاء القوم أصابتهم جراحاتٌ مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض، والزمانة عن الضَّرب في الأرض. الرابع: قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هؤلاء القوم من المهجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله، فعذرهم الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض﴾ في هذه الجملة احتمالان: أظهرهما: أنها حالٌ، وفي صاحبها وجهان: أحدهما: أنه «الفقراء» ، وثانيهما: أنه مرفوع «أُحْصِرُوا» . والاحتمال الثاني: أن تكون مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب؛ و «ضَرْباً» مفعولٌ به، وهو هنا السفر للتجارة؛ قال: [الوافر] 1239 - لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ مِنْ بَقَاهُ ... وَضَرْبٌ في البِلاَدِ بِغَيْرِ زَادِ ويقال: ضَرَبْتُ في الأَرْضِ ضَرْباً، ومَضْرِباً، أي: سرتُ. * فصل في بيان عدم الاستطاعة في الآية عدم استطاعتهم: إمَّا أن يكون لاشتغالهم بصلاح الدِّين، بأمر الجهاد؛ فيمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإمَّا لخوفهم من الأعداء، وإمَّا لمرضهم، وعجزهم؛ وعلى جميع الوجوه فلا شكَّ في احتياجهم إلى من يعينهم. الصفة الثالثة: قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ يجوز في هذه الجملة ما جاز فيما قبلها من الحالية والاستئناف، وكذلك ما بعدها. «يَحْسَبُهُمْ» هو الظَّنُّ، أي: إنّهم من الانقباض، وترك المسألة، والتوكل على الله، بحيث يظنهم الجاهل أغنياء. وقرأ ابن عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزة: «يَحْسَبُ» - حيث ورد - بفتح السين، والباقون: بكسرها. فأمَّا القراءة الأولى؛ فجاءت على القياس؛ لأنَّ قياس فعل - بكسر العين - يفعل بفتحها لتتخالف الحركتان فيخفَّ اللفظ، وهي لغة تميم، والكسر لغة الحجاز، وبها قرأ رسول الله - صلى الله عيه وسلم -، وقد شذَّت ألفاظٌ أخر؛ جاءت في الماضي، والمضارع بكسر العين منها: نَعِم يَنْعِم، وبَئِس يَبْئِسُ، ويَئِسَ يَيْئِس، ويَبِس يَيْبِس من اليُبوسة، وعَمِد يَعْمِد، وقياسها كلُّها الفتح، واللغتان فصيحتان في الاستعمال، والقارئ بلغة الكسر اثنان من كبار النحاة: أبو عمرٍو - وكفى به -، والكسائي، وقارئا الحرمين: نافع، وابن كثير. والجاهل هنا: اسم جنس لا يراد به واحدٌ بعينه. ولم يرد - هنا - به الجهل الذي هو ضدّ العلم، وإنما أراد الجهل الذي هو ضدُّ الاختيار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء، و «أغنياءَ» هو المفعول الثاني. قوله: ﴿مِنَ التعفف﴾ في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها سببيةٌ، أيك سَبَبُ حُسْبَانِهم أغنياء تعفُّفهم، فهو مفعولٌ من أجله، وجرُّه بحرف السبب هنا واجبٌ، لفقد شرطٍ من شروط النصب، وهو اتحاد الفاعل، وذلك أنَّ فاعل الحسبان الجاهل، وفاعل التعفُّف هم الفقراء، ولو كان هذا المفعول له مستكملاً لشروط النصب، لكان الأحسن جرَّه بالحرف؛ لأنه معرَّفٌ بأل، وقد تقدَّم أنَّ جرَّ هذا النوع أحسن من نصبه؛ نحو: جئت للإكرام، وقد جاء نصبه؛ قال القائل: [الرجز] 1240 - لاَ أَقْعُدُ الجُبْنَ عَنِ الهَيْجَاءِ ... وَلَوْ تَوَالَتْ زُمَرَ الأَعْدَاءِ والثاني: أنها لابتداء الغاية، والمعنى أنَّ محسبة الجاهل غناهم، نشأت من تعفُّفهم؛ لأنه لا يحسب غناهم غنى تعففٍ، إنما يحسبه غنى مالٍ، فقد نشأت محسبته من تفُّفهم، وهذا على أنَّ تعفُّفهم تعففٌ تام. والثالث: أنها لبيان الجنس، وإليه نحا ابن عطية، قال: يكون التعففُ داخلاً في المحسبة، أي: إنه لا يظهر لهم سؤالٌ، بل هو قليلٌ، فالجاهل بهم مع علمه بفقرهم يحسبهم أغنياء عنه، ف «مِنْ» لبيان الجنس على هذا التأويل. قال أبو حيَّان: «وليس ما قالَه مِنْ أنَّ» مِنْ «هذه في هذا المعنى وهو أن تتقدَّر» مِنْ بموصولٍ، وما دخلت عليه يجعل خبر مبتدأ محذوف؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] يصح أن يقال: الذي هو الأوثان، ولو قلت هنا: «يَحْسَبُهُم الجَاهِلُ أغنياء الَّذِي هُوَ التَّعفف» لم يصحَّ هذا التقدير؛ وكأنه سمَّى الجهة التي هم أغنياء بها بيان الجنس، أي: بيَّنت بأيِّ جنسٍ وقع غناهم، أي: غناهم بالتعفف لا غنى بالمال، فسمَّى «مِنْ» الداخلة على ما يبيِّن جهة الغنى ببيان الجنس، وليس المصطلح عليه كما قدَّمناه، وهذا المعنى يؤول إلى أنَّ «مِنْ» سببية، لكنها تتعلق بأغنياء، لا بيحسبهم «. انتهى. وتتعلَّق» مِنْ «على الوجهين الأولين بيحسبهم. قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ:» ولا يجوزُ أن تتعلَّق بمعنى» أغْنِياء «؛ لأنَّ المعنى يصير إلى ضد المقصود، وذلك أنَّ معنى الآية: أنَّ حالهم يخفى على الجاهل بهم؛ فيظنُّهم أغنياء، ولو علِّقت بأغنياء، صار المعنى، أنَّ الجاهل يظنُّ أنهم أغنياء، ولكن بالتعفف، والغنيُّ بالتعفف فقيرٌ من المال» . انتهى، وما قاله أبو البقاء يحتمل بحثاً. وأما على الوجه الثالث - وهو كونه لبيان الجنس - فقد صرَّح أبو حيان بتعلُّقها بأغنياء؛ لأن المعنى يعود إليه، ولا يجوز تعلُّقها في هذا الوجه بالحسبان، وعلى الجملة: فكونها لبيان [الجنس، قلق المعنى] . والتعفُّف: تفعُّل من العفَّة: وهو ترك الشيء، والإعراض عنه، مع القدرة على تعاطيه؛ قال رؤبة: [الرجز] 1241 - فعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الغَسَقْ ... وَلَمْ يَدَعْهَا بَعْدَ فَرْكٍ وَعَشَقْ وقال عنترة: [الكامل] 1242 - يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي ... أَغْشَى الوَغَى وَأَعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ ومنه: «عَفِيفُ الإِزَارِ» كنايةٌ على حصانته، وعرَّف التعفف، لأنه سبق منهم مراراً فصار كالمعهود، ومتعلَّق التعفف، محذوفٌ؛ اختصاراً، أي: عن السؤال، والأحسن ألاَّ يقدَّر. الصفة الرابعة: قوله: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ السِّيما: العلامة بالقصر ويجوز مدُّها، وإذا مدَّت، فالهمزة فيها منقلبةٌ عن حرف زائدٍ، للإلحاق: إمَّا واوٌ، وإمَّا ياء، فهي كعلباء ملحقة بسرداح، فالهمزة فيه للإلحاق، لا للتأنيث؛ وهي منصرفةٌ لذلك. و «سيما» مقلوبة، قدِّمت عينها على فائها؛ لأنها مشتقةٌ من الوسم فهي بمعنى السِّمة، أي: العلامة، فلما وقعت الواو بعد كسرةٍ قلبت ياءً، فوزن سيما: عِفْلا، كما يقال اضمحلَّ، وامضحلَّ، [و] «وَخِيمَة» ، و «خامة» وله جاهٌ، ووجه، أي: وجاهَةٌ. وفي الآية الكريمة طباقٌ في موضعين: أحدهما: «أُحْصِروا» مع قوله: ﴿ضَرْباً فِي الأرض﴾ . والثاني: قوله تعالى: ﴿أَغْنِيَآءَ﴾ ، مع قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ نحو: ﴿أَضْحَكَ وأبكى﴾ [النجم: 43] و ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: 44] . ويقال «سِيمِيَا» بياء بعد الميم، وتمدُّ كالكيمياء؛ وأنشد: [الطويل] 1243 - غُلاَمٌ رَمَاهُ اللهُ بِالْحُسْنِ يَافِعاً ... لَهُ سِيمِيَاءُ لاَ تَشُقُّ عَلَى الْبَصَرْ والباء تتعلَّق ب «تَعْرِفُهُمْ» ومعناها السببية، أي: إنَّ سبب معرفتك إياهم هي سيماهم. والسِّيما: العلامة، وقال قومٌ: السِّيما: الارتفاع، لأنَّها علامةٌ وضعت للظُّهور. فصل قال القرطبيُّ: هذه الآية تدلُّ على أن للسِّيما أثرٌ في اعتبار من يظهر عليه ذلك، حتى إذا رأينا ميتاً في دار الإسلام، وعليه زنَّارٌ، وهو غير مختونٍ؛ لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدَّم ذلك على حكم الدار؛ في قول أكثر العلماء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ [محمد: 30] فدلَّت هذه الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثيابٌ، وكسوة وزيٌّ في التجمل. * فصل في تفسير «السِّيما» قال مجاهد: هو التخشع، والتواضع. وقال الربيع، والسديُّ: أثر الجهد من الفقر، والحاجة. وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع، والضر. وقال ابن زيدٍ: رثاثة ثيابهم. قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الكلَّ فيه نظرٌ؛ لأن كل ما ذكروه علاماتٌ دالَّةق على حصول الفقر، وذلك يناقض قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ بل المراد شيء آخر، وهو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم، وتواضع لهم؛ وذلك إدراكاتٌ روحانيةٌ، لا علاتٌ جسمانيةٌ؛ ألا ترى أنَّ الأسد إذا مرَّ هابته جميع السباع بطباعها، لا بالتجربة؛ لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، وكذلك البازي، إذا طار فرّت منه الطيور الضَّعيفة، وكل ذلك إدراكاتٌ روحانية، لا جسمانية فكذا ها هنا، روي أنهم كانوا يقومون الليل، للتهجّد، ويحتطبون بالنهار؛ للتعفف. الصفة الخامسة: قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ في نصبه «إلحافاً» ثلاثة أوجه: أحدها: نصبه على المصدر بفعلٍ مقدَّر، أي: يلحفون إلحافاً، والجملة المقدرة حالٌ من فاعل «يَسْألون» . والثاني: أن يكون مفعولاً من أجله، أي: لا يسألون؛ [لأجل الإلحاف. والثالث: أن يكون مصدراً في موضع الحال، تقديره: لا يسألون] ملحفين. * فصل في تفسير الإلحاف الإلحاف: هو الإلحاح؛ قال عطاءٌ: إذا كان عنده غداءٌ لا يسأل عشاءً، وإذا كان عنده عشاءٌ لا يسأ غداءً. وعن ابن مسعودٍ إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السَّائل الملحف، الذي إن أعطي كثيراً، أفرط في المدح، وإن أعطي قليلاً أفرط في الذَّمِّ. وعن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «لاَ يَفْتَحُ أَحَدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ فَتح الله عليه بَابَ فَقْرٍ، ومَنْ يَسْتَغْنِ، يُغْنِه اللهُ، ومَنْ يَسْتَعْفِفْ، يُعِفَّهُ الله، لأنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلاً يَحْتِطِبُ فِيهِ فَيَبِيعَهُ بمُدٍّ مِنْ تَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاسَ» . فصل اعلم: أنَّ العرب إذا نفت الحكم عن محكوم عليه، فالأكثر في لسانهم نفي ذلك القيد؛ نحو: «مَا رَأَيْتُ رَجُلاً صَالِحاً» ، الأكثر على أنك رأيت رجلاً، ولكن ليس بصالح، ويجوز أنَّك لم تر رجلاً ألبتة؛ لا صالحاً ولا طالحاً، فقوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ المفهوم أنهم يسألون، لكن لا بإلحاف، ويجوز أن يكون المعنى: أنهم لا يسألون، ولا يلحفون؛ والمعنيان منقولان في التفسير، والأرجح الأول عندهم، ومثله في المعنى: «مَا تَأْتِينَا فَتُحَدِّثَنَا» يجوز أنه يأتيهم، ولا يحدِّثهم، ويجوز أنه لا يأتيهم ولا يحدِّثهم، انتفى السبب، وهو الإتيان، فانتفى المسبِّب، وهو الحديث. وقد شبَّه الزجاج - رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى - معنى هذه الآية الكريمة بمعنى بيت امرئ القيس؛ وهو قوله: [الطويل] 1244 - عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ ... إِذَا سَافَهُ العَوْدُ النَّبَاطِيُّ جَرْجَرَا قال أبو حيَّان: «تَشْبيهُ الزجاج إنما هو في مطلق انتفاء الشيئين، أي: لا سؤال ولا إلحاف، وكذلك هذا: لا منار ولا هداية، لا أنه مثله في خصوصيَّة النفي، إذ كان يلزم أن يكون المعنى: لا إلحاف، فلا سؤال، وليس تركيب الآية على هذا المعنى، ولا يصحُّ: لا إلحاف، فلا سؤال؛ لأنه لا يلزم من نفي الخاص نفي العام، كما لزم من نفي المنار، نفي الهداية التي هي من بعض لوازمه، وإنما يؤدِّي معنى النفي على طريقة النَّفي في البيت أن لو كان التركيب:» لا يُلْحِفُونَ الناسَ سُؤالاً «لأنه يلزم من نفي السؤال نفي الإلحاف، إذ نفي العامِّ يدلُّ على نفي الخاص؛ فتلخَّص من هذا: أنَّ نفي الشيئين: تارة يدخل حرف النفي على شيءٍ، فتنتفي جميع عوارضه، وينبِّه على بعضها بالذكر لغرض ما، وتارةً يدخل حرف النفي على عارضٍ من عوارضه، والمقصود نفيه، فتنتفي لنفيه عوارضه» . قال شهاب الدين: قد سبق الشيخ إلى هذا ابن عطية فقال: «تَشْبيهه ليس مثله في خصوصية النفي؛ لأنَّ انتفاء المنار في البيت يدلُّ على نفي الهداية، وليس انتفاء الإلحاح، يدلُّ على انتفاء السؤال في الآية» . وأطال ابن عطية في تقرير هذا، وجوابه ما تقدم: من أنَّ المراد نفي الشيئين، لا بالطريق المذكور في البيت، وكان الشيخ قد قال قبل ما حكيته عنه آنفاً: «ونظير هذا: ما تَأْتِينَا فتحدِّثَنا» فعلى الوجه الأول: يعني نفي القيد وحده: ما تأتينا محدِّثاً، إنما تأتي ولا تحدِّث. وعلى الوجه الثاني: يعني نفي الحكم بقيده ب «ما يكُونُ مِنْكَ إتيانٌ، فلا يكونُ حديثٌ» ، وكذلك هذا: لا يقع منهم سؤالٌ ألبتَّة، فلا يقع إلحاحٌ، ونبَّه على نفي الإلحاح دون غير الإلحاح؛ لقبح هذا الوصف، ولا يراد به نفي هذا الوصف وحده، ووجود غيره؛ لأنه كان يصير المعنى الأول، وإنما يراد بنفي هذا الوصف، نفي المترتبات على المنفيِّ الأول؛ لأنه نفى الأولى على سبيل العموم، فتنتفي مترتِّباته، كما أنك إذا نفيت الإتيان، فانتفى الحديث، انتفى جميع مترتِّبات الإِتيان: من المجالسة، والمشاهدة، والكينونة في محلٍّ واحد، ولكن نبَّه بذكر مترتِّب واحدٍ؛ لغرضٍ ما على ذكر سائر المترتِّبات «وهذا يقرر ما تقدَّم. وأمَّا الزمخشريُّ: فكأنه لم يرتض تشبيه الزجاج، فإنه قال:» وقيل: هو نفيٌ للسؤال والإلحاف جميعاً؛ كقوله: [الطويل] 1245 - عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . يريد نفي المنار والاهتداء به» . قال شهاب الدين: وطريق أبي إسحاق الزجاج هذه، قد قبلها الناس، ونصروها، واستحسنوا تنظيرها بالبيت؛ كالفارسيِّ، وأبي بكر بن الأنباريِّ، قال أبو عليٍّ: لم يُثْبِتْ في قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ مسألةً فيهم؛ لأن المعنى: ليس منهم مسألةٌ، فيكون منهم إلحافٌ، ومثل ذلك قول الشاعر: [السريع] 1246 - لاَ يَفْزَعُ الأَرْنَبُ أَهْوَالَهَا ... وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ أي: ليس فيها أرنبٌ؛ فيفزع لهولها، ولا ضبٌّ فينجحر، وليس المعنى: أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب. وقال أبو بكرٍ: تأويل الآية: لاَ يَسْأَلُونَ أَلْبَتةَ، فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف؛ فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يُرْجى خيره، أي: لا خير عنده ألبتة فيرجى؛ وأنشد قول امرئ القيس: [الطويل] 1247 - وَصُمٌّ صِلاَبٌ مَا يَقِينَ مِنَ الوَجَى ... كَأَنَّ مَكَانَ الرَّدْفِ مِنْهُ عَلَى رَالِ أي: ليس بهن وجًى، فيشتكين من أجله؛ وقال الأعشى: [البسيط] 1248 - لاَ يَغْمِزُ السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلاَ وَصَبٍ ... وَلاَ يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ معناه: ليس بساقه أينٌ، ولا وصبٌ؛ فيغمزها. وقال الفراء قريباً منه، فإنه قال: «نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السؤال؛ كما تقول في الكلام:» قَلَّ ما رَأَيْتُ مِثْلَ هذا الرجل «ولعلك لم تر قليلاً، ولا كثيراً من أشباهه» . وجعل أبو بكر الآية الكريمة عند بعضهم من باب حذف المعطوف، وأن التقدير: لاَ يَسْأَلُونَ الناسَ إلحافاً، ولا غير إلحاف، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] ، أي: والبرد. وقال بعضهم: إنَّ السائل الملحف الملح، هو الذي يستخرج المال بكثرة تَلَطُّفِهِ، فقوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ أي: لا يسألون الناس بالرِّفق، والتَّلطُّف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه، فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى. وذكر ابن الخطيب - رَحِمَهُ اللَّهُ - فيها ثلاثة أوجه أخر: أحدها: أنه ليس المقصود منق لوه: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً؛ لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بالتعفُّف، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة، قد علم - أيضاً - أنهم لا يسألون الناس إلحافاً، بل المراد التَّنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً، مثاله: إذا حضر عندك رجلان: أحدهما عاقلٌ، وقورٌ ثابتٌ، والآخر طيَّاش مهذارٌ سفيهٌ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما، وتعرض بالآخر، قلت: فلانٌ، رجل عاقلٌ وقُورٌ قليل الكلام، لا يخوض في الترّهات، ولا يشرع في السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك: لا يخوض في التّرّهات، والسفاهات، وصفه بذلك؛ لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك؛ بل غرضك التنبيه على مذمَّة الثاني؛ فكذا هاهنا قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ بعد قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ الغرض منه التنبيه على مذمَّة من يسأل الناس إلحافاً. وثانيها: أنه تعالى بيَّن فيما تقدَّم شدَّة حاجة هؤلاء الفقراء ومن اشتدت حاجته، فإنه لا يمكنه ترك السؤال؛ إلاَّ بإلحاحٍ شديد منه على نفسه، فقوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ أي: لا يسألون الناس، وإنَّما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحُّوا على النفس، ومنعوها بالتكليف الشَّديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطَّاب: [الوافر] 1249 - وَلِي نَفْسٌ أَقُولُ لَهَا إِذَا مَا ... تُنَازِعُنِي: لَعَلِّي أَوْ عَسَانِي وثالثها: أنَّ من أظهر من نفسه آثار الفقر، والمذلَّة، والمسكنة؛ ثم سكت عن السؤال، فكأنَّه أتى بالسؤال الملحِّ الملحف؛ لأن ظهور أمارات الحاجة، تدلُّ على الحاجة، وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع تلك الحاجة، ومتى تصوَّر الإنسان من غيره ذلك، رقَّ له قلبه جدّاً، وصار حاملاً له على أن يدفع إليه شيئاً، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، فقوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ معناه: أنهم سكتوا عن السؤال، لكنَّهم لا يضمُّون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال، وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف، بل يزيّنون أنفسهم عند الناس، ويتجملون عند الخلق، ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليها إلاَّ الخالق. فصل قال ابن عبد البرِّ: من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السُّؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه. ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل، وقد سئل عن المسألة، متى تحل؟ قال: إذا لم يكن عنده ما يغدِّيه ويعشيه، قيل لأبي عبد الله: فإن اضطرَّ إلى المسألة؟ قال: هي مباحةٌ إذا اضطر. قيل له: فإن تعفَّف؟ قال: ذلك خيرٌ له، وقال: ما أظن أنَّ أحداً يموت من الجوع؛ الله يأتيه برزقه، ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدريّ: «مَنْ اسْتَعْفَفَ أَعَفَّهُ الله» . قال أبو بكر: وسمعته يسأل عن الرجل الذي لا يجد شيئاً؛ أيسأل الناس، أم يأكل الميتة؟ فقال: أيأكل الميتة، وهو يجد من يسأله؟ هذا شنيعٌ. قال القرطبيُّ: فإن جاءه شيءٌ من غير سؤالٍ، فله أن يقبله ولا يرده؛ إذ هو رزقٌ رزقه الله، لما روي «أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أرسل إلى عمر بن الخطَّاب بعطاءٍ، فردَّه؛ فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» لِمَ رَدَدْتَه؟ «فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أنَّ خيراً لأحدنا ألاَّ يأخذ شيئاً؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» إنَّما ذَاكَ عَنِ المَسْأَلَةِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَإِنَّمَا هو رزقٌ رَزَقَكَهُ الله «فقال عُمَر بن الخطَّاب:» والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ أَسْأَلُ شَيْئاً، وَلاَ يَأْتِيني شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إِلاَّ أَخَذتُه» . والإلحاف، والإلحاح، واللُّجاج، والإحفاء، كلُّه بمعنًى، يقال: أَلحف، وألحَّ في المسألة: إذا لجَّ فيها. وفي الحديث: «مَنْ سَألَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ، فَقَدْ أَلْحَفَ» ، واشتقاقه من اللِّحاف؛ لأنه يشتمل الناس بمسألته، ويعمُّهم؛ كما يشتمل اللِّحاف من تحته ويغطِّيه؛ ومنه قول ابن أحمر يصف ذكر نعامٍ، يحضن بيضه بجناحيه، ويجعل جناحه لها كاللِّحاف: [الوافر] 1250 - يَظَلُّ يُحُفُّهُنَّ بِقَقْقَفَيْهِ ... وَيَلْحَفُهُنَّ هَفْهَافاً ثَخِينَا وقال آخر في المعنى: [الرمل] 1251 - ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ المِسْكِ بِهِمْ ... يُلْحِفُونَ الأَرْضَ هُدَّابَ الأُزُرْ أي: يلبسونها الأرض، كإلباس اللِّحاف للشيء. وقيل: بل اشتقاق اللفظة من «لَحْفِ الجَبَلِ» وهو المكان الخشن، ومجازه أنَّ السائل لكثرة سؤاله كأنه استعمل الخشونة في مسألته، وقيل: بل هي من «لَحَفني فُلاَنٌ» ، أي: أعطاني فضل ما عنده، وهو قريبٌ من معنى الأوَّل. قوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ هو نظير قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 272] ، وليس بتكرارٍ؛ لأنه لمَّا قال في الآية الأولى: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} فهم منه التوفية من غير بخسٍ؛ ولا نقصان، وذلك لا يمكن إلاَّ بالعلم بمقدار العمل، وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.