الباحث القرآني

هذا هو الإنعام الثَّامن، وحذفت الألف من «قلنا» لسكونها، وسكون الدال بعدها، والألف التي يبتدأ بها قبل الدّال ألف وصل؛ لأنه من يدخل. قوله: «هَذِهِ الْقَرْيَةَ» . هذه منصوبة عند سيبويه على الظرف، وعند الأخفش على المفعول به، وذلك أنّ كل ظرف مكان مختصّ لا يتعدّى إليه الفعل إلاّ ب «في» ، تقول: صلّيت في البيت ولا تقول: صلّيت البيت إلاّ ما استثني. ومن جملة ما استثني «دخل» مع كل مكان مختصّ، «دخلت البيت والسُّوق» ، وهذا مذهب سيبويه وقال الأخفش: الواقع بعد «دَخَلت» مفعول به كالواقع بعد «هَدَمت» كقولك: «هَدَمت البيت» فول جاء «دَخَلْت» مع الظرف تعدّى ب «في» نحو: «دخلت في الأمر» ولا تقول: «دَخَلْت الأمر» ، وكذا لو جاء الظرف المختصّ مع غير «دخل» تعدّى ب «في» إلا ما شَذَّ؛ كقوله: [الطويل] 510 - جَزَ الله [رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ] ... رَفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ و «القرية» «المدينة» ، وهي نعت ل «هذه» ، أو عطف بَيَان كما تقدم، والقرية مشتَقّة من قَرَيْتُ أي: جمعت، تقول: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْض، أي: جَمَعْتُهُ، واسم ذلك الماء قِرى بكسر القاف و «المِقْرَاة» للحوض، وجمعها «مَقَارٍ» ، قال: [الطويل] 511 - عِظَام الْمَقَارِي ضَيْفُهُمْ لاَ يُفَزَّعُ..... ... ... ... ... ... ... . . و «القَرْيَان» اسم لمجتمع الماء، و «القَرْيَةُ» في الأصل اسم للمكان الذي يجتمع فيه القوم، وقد يطلق عليهم مجازاً، وقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] يحتمل الوجهين. وقال الراغب: «إنها اسم للموضع وللناس جميعاً، ويُسْتَعْمَل في كل واحد منهما» و «القِرْية» بكسر القاف في لغة «اليمن» ، واختلف في تعيينها. فقال الجمهور: هي بيت المقدس. وقال ابن عباس: «أَرِيْحا» وهي قرية الجَبَّارين، وكان فيها قوم من بَقِيَّةِ عَادٍ يقال لهم: العَمَالقة، ورئيسهم عوج بن علق. وقال «ابن كيسان» : «الشّام» . وقال الضحاك: «الرَّمْلَة» و «الأردنُّ» ، و «فلسطين» و «تَدْمُرُ» . وقال مقاتلك «إيليا» . وقيل: بلقاء. وقيل: «مصر» . والصحيح الأول، لقوله من المائدة: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: 21] . قوله: «وَكُلوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً» تقدّم الكلام على هذه المادة. قوله: «الْبَابَ سُجَّداً» حال من فاعل «ادْخُلُوا» وهو جمع «سَاجِد» . قال أبو البقاءك «وهو أبلغ من السجود» ، يعنيك أن جمعه على «فُعَّل» فيه من المُبَالغة ما ليس في جمعه على «فُعُول» . وأصل باب: بَوَبٌ، لقولهم: أَبْوَاب، وقد يجمع على «أَبْوِبة» ؛ لازدواج الكلام؛ قال: [البسيط] 512 - هَتَّاك أَخْبِيَةٍ وَلاَّجُ أَبْوِبَةٍ ... يَخْلِطُ بِالْجِدِّ مِنْهُ الْبِرَّ واللِّينا ورواه الجَوهريُّ: [البسيط] 513 - ... ... ... ... ... ... ..... يَخْلِطُ بالْبِرِّ مِنْهُ الْجِدَّ وَاللِّيْنَا ولو أفرده لم يجزن ومثله قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مرحباً بالقَوْمِ أو بالوفد غير خَزَايَا ولا نَدامَى» . وتَبَوَّبْتُ بَوَّاباً اتخذته. وأبواب مُبَوَّبة، كقولهم: أصناف مصنّفة، وهذا شيء من بابتك، أي: يصلح لك وتقدّم معنى السجود. قوله: «وَقُولُوا» قال [ابن كثير] الواو هنا حالية لا عاطفة، أي: ادخلوا سُجَّداً في حال قولكم حطّة. وأما قوله: «حطّة» قرىء بالرّفع والنصب، فالرفع على أنه خبر متبدأ محذوف، أي: مسألتنا حطّة، أو أمرك حطة. قال: «الزمخشري» : والأصل النصب بمعنى: حُطّ عنا ذنوبنا حطّة، وإنما رفعت لتعطي مَعْنَى الثبات كقوله: [الرجز] 514 - يَشْكُو إِليَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ... صَبْرٌ جَميلٌ فكِلانَا مُبْتَلى والأصل: صبراً عَلَيَّ، أصْبِرْ صبراً، فجعله من باب ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 24] وتكن الجملة في محلّ نصب بالقول. وقال «ابن عطية» وقيل: أمروا أن يقولوها مرفوعة على هذا اللفظ. يعني: على الحكاية، فعلى هذا تكون هي وحَدْهَا من غير تقدير شيء في محلّ نصب بالقول وإنما منع [النصب] حركة الحكاية. وقال أيضاً: وقال عكرمة: أُمِرُوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لِتحطَّ بها ذنوبهم وحَكَى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال: «فعلى هذه الأقوال تقتضي النَّصب» ، يعني أنه إذا كان المَعْنَى على أنّ المأمور به لا يتعيّن أن يكون بهذا اللَّفظ الخاً، بل بأيّ شيء يقتضي حطّ الخطيئة، فكان ينبغي أن ينتصب ما بعد القول مفعولاً به نحك قيل لزيد خيراً، المعنى: قل له ما هو من جنس الْخُيُور. وقال النَّحَاسك الرفع أولى، لما حكي عن العرب في معنى «بَدَّل» . قال أحمد بن يحيى: بَدّلته أي غيرته، ولم أزل عينه، وأبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينه وشَخْصَهُ؛ كقوله: [الرجز] 515 - عَزْلَ الأَمِيْرِ لِلأَمِير المُبْدَلِ ... وقال تعالى: ﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: 15] . وبحديث ابن مسعود قالوا: حطّةٌ تغيؤر على الرَّفع يعني: أن الله تعالى قال: فبدَّل الذي يقتضي التَّغيير لا زَوَالَ العين، قال: وهذا المعنى يقتضي الرَّفع لا النصب. وقرأ بان أبي عبلة: حطَّةً بالنصب وفيها وجهان: أحدهما: أنها مصدر نائب عن الفعل، نحو: ضرباً زيداً. والثاني: أن تكون منصوبة بالقول، أي: قولوا هذا اللَّفظ بعينه، كما تقدم في وجه الرَّفع، فهي على الأوّل منصوبةٌ بالفعل المقدر، وذلك الفعل المقدر ومنصوبه في محل نصب بالقول، ورجح الزمخشري هذا الوجه. و «الحطّة» اسم الهَيْئَةِ من الْحَطِّ ك «الجِلْسَة» و «الْقِعْدَة» . وقيل: هي لفظة أمروا بها، ولا ندري معناها. وقيل: هي التَّوْبة، وأنشد: [الخفيف] 516 - فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَل الله ... بِهَا ذَنْبَ عَبدِهِ مَغْفُورَا * فصل في المراد بالباب اختلفوا في «الباب» قال ابن عباس، ومجاهد، والضّحاك، وقتادة: إنه باب يدعى باب الحطّة من بيت المقدس، وحكى الأَصَمّ عن بعضهم أنه عنى بالباب جِهَةً من جهات القرية، ومدخلاً إليها. واختلفوا في «السُّجود» ، فقال الحسن: أراد به نفس السُّجود، إي: إلصاق الوجه بالأرض، وهذا بعيد، لأن الظَّاهر يقتضي وجوب الدُّخول حال السجود، فلو حملنا السجود على ظاهره لامتنع ذلك. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنَّ المُراد به الركوع، لأنّ الباب كان صغيراً يحتاج الدَّاخل فيه إلى الانحناء. قال ابن الخَطِيْبِ: وهذا بعيد؛ لأنه لو كان ضيقاً لكانوا مضطرين إلى دخوله ركّعاً، فلا حاجة فيه إلى الامر. وأجيب بأنه روي عن ابن عَبَّاس: أنهم دخلوا يزحفون على أَسْتاههمْ. وقيل: المراد بالسجود: الخضوع. وهو الأقرب؛ لأنه لما تعذّر حمله على السجود الحقيقي وجب حمله على التواضع؛ لأن التَّائب عن الذنب لا بُدّ وأن يكون خاضعاً. * فصل في تفسير «الحطة» وأما تفسير «الحطّة» فقال «القاضي» : إنه تعالى لما أمرهم بدخول الباب خاضعين أمرهم بأن يقولوا ما يَدُلّ على التوبة؛ لأن التوبة صفةُ القلب، فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحدٌ بذنب، أو بمذهب خطأ، ثم تاب عن الذنب، أو أظهر له الحق، فإنه يلزم أن يعرف إخوانه الَّذِين عرفوا منه ذلك الذنب، أو ذلك المذهب، فتزول عنه التُّهْمَة في الثبات على الباطل، ويعودوا إلى مُوَالاته، فالحاصل أنه أمر القوم أن يدخلوا البا ب على وَجْهِ الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم الْتِمَاسَ حَطّ الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب، وخضوع الجوارح، والاستغفار باللِّسان. وقال «الأصَمّ» : هذه اللَّفظة من ألفاظ أهل الكتاب التي لا يعرف معناها في العربية. وقال أبو مسلم الأَصْفَهَاني: معناه: أمرنا حطّة، أي: أن نحطّ في هذه القرية، ونستقر فيها، ورد القاضي ذلك، وقال: لو كان المراد ذلك لم يكن غفران خَطَايَاهُمْ متعلقاً به، ولكن قوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ يدلّ على أن غفران الخَطَايا كان لأجل قولهم حطّةن ويمكن أن يجاب عنه بأنهم لما حطُّوا ف يتلك القرية حتى يدخلوا سجدًّا مع التَّوَاضُع كان الغفران متعلقاً به. وقال معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا، فإنّا إنما انحططنا لوجهك، وإرادة التذلل لك، فحطّ عنا ذنوبنا. * فصل في بيان التلفظ بالحطة أو بمعناها اختلفوا هل كلّفوا بهذه اللفظة بعينها، أو بما يؤدي معناها؟ روي عن ابن عباس: أنهم أمروزا بهذه اللفظة بعينها، وفيه نظر؛ لأن هذه اللفظة عربية، ولم يكونوا يتكلمون بالعربية، وأيضاً فإنما أمروا بأن يقولوا قولاً دالاً على التوبة والندم؛ فلو قالوا: اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلاً. قولهك «نَغْفِرْ» هو مجزوم ف يجواب الأمر، وقد تقدم الخلاف، هل الجازم نفس الجملة، أو شرط مقدر؟ أي: يقولوا نغفر. وقرىء: «نَغْفِرْ» بالنون وهو جار على ما قبله [من قوله:] «وإذ قلنا» و «تُغْفَر» بالتاء بالياء مبنيّاً للمفعول. و «خطاياكم» معفول لم يسم فاعله، فالتَّاء لتأنيث الخَطَايا، والياء؛ لأن تأنيثها غير حقيقين وللفصل أيضاً ب «لكم» . وقرىء: «يغفر» مبنياً للفاعل، وهو الله تعالى وهو في معنى القراءة الأولى، إلاّ أن فيه التفاتاً. و «لكم» متعلّق ب «نغفر» . وأدغم «أبو عمرو» الراء في اللاّم، والنحاة يستضعفونها، قالوا: لأن الرَّاء حرف تكرير فهي أقوى من اللام، والقاعدة أن الأضعف يدغم في الأقوى من غير عَكْسٍ، وليس فيها ضعف، لأن انحراف اللاّم يقاوم تكرير الراء. وقد بَيَّن «أبو البَقَاءِ» ضعفه، وتقدم جوابه. قوله: «خطاياكم» : إما منصوب بالفعل قبله، أو مرفوع حسب ما تقدّم من القراءات، وفيها [أربعة] أقوال: أحدها: قول الخليل [أنّ] أصلها «خَطَايىء» بياء بعد الألف، ثم همزة؛ لأنها جمع «خطيئة» مثل: «صَحِيْفة وصَحَايف» ، فلو تركت على حالها لوجب قَلْبُ الياء همزة؛ لأن مدة «فَعَايل» يفعل بها كذا، على ما تقرر في التصريف، فضر من ذلك، لئلا تجتمع همزتان، بأن قلب فقدم اللام، وأخّر عنها المدّة فصارت: «خَطَائي» ، فاستثقلت الكسرة على حرف ثقيل في نفسه، وبعده ياء من جنس الكَسْرَةِ فقلبوا الكسرة فتحة، فتحرك حرف العّلة، وانفتح ما قبله فقلبت ألفاً، فصارت: «خَطَاءا» بهمز بين ألفين، فاستثقلوا ذلك، فإنّ الهمزة تشبه الألف، فكأنه اجتمع ثلاث ألفات، فقلبوا الهمزة ياء؛ لأنها واقعة موقعها قبل القَلْبِ، فصارت «خَطَايَا» على وزن «فَعَالَى» ففيها أربعة أعمال: قلب، وإبدال لكسرة فتحة، وقلب الياء ألفاًن وإبدال الهمزة ياء، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهب الخليل. الثاني: وعزاه «أبو البقاء» إليه أيضاً أنه: «خطائيء» يهمزتين: الأولى منهما مكسورة وهي المنقلبة عن الياء الزائدة في «خَطِيْئة» فهو مثل «صَحِيْفة» و «صَحَائف» ، فاستثقلوا الجمع بين الهمزتين، فنقلوا الهمزة الأولى إلى موضع الثانية، فصار وزنه «فَعَلى» ، وإنما فَعَلوا ذلك، لتصير المكسورة ظرفاً، فتنقلب ياء، فتصير «فعالىْ» ، ثم أبدلوا من كسرة الهمزة الأولى فتحة، فانقلبت الياء بعدا ألفاً كما قالوا في: يا لَهْفى «» ويا أَسَفى «، فصارت الهمزة بين ألفين، فأبْدِل منها يا، لأن الهمزة قريبة من الألف، فاستنكروا اجتماع ثلاث ألفات. فعلى هذا فيها خمسة تغييرات: تقديم اللام، وإبدال الكسرة فتحة، وإبدال الهمزة الأخيرة ياء، ثم إبدالها ألفاً، ثم إبدال الهمزة التي هي لام ياء. والقول الأول أَوْلَى، لقلّة العمل، فيكون للخليل في المسألة قولان. الثالث: قول سيبويه أن أصلها عنده:» خَطَايىء» كما تقدم، فأبدل الياء الزائدة همزة، فاجتمع همزتان، فأبدل الثانية منهما «ياء» لزوماً، ثم عمل العمل المتقدّمن ووزنها عند «فَعَائل» مثل: «صَحَائف» ، وفيها على قوله خمسة تغييرات: إبدال الياء المزيدة همزة وإبدال الهمزة الأصلية ياء، وقلب الكسرة فتحة، وقلب الياء الاصلية ألفاً، وقلب الهمزة المزيدة ياء. الرابع: قول «الفَرَّاء» ، هو أن «خَطَايا» عنده ليس جمعاً ل «خطيئة» بالهمز، إنما هو جمع ل «خَطِيّة» ك «هَدِيَة وهَدَايا» و «رَكيّة ورَكَايَا» . قال الفراء: ولو جمعت «خَطيئة» مهمزة لقلت: «خَطَاءا» يعني: فلم تقلب الهمزة ياء، بل تبقيها على حالها، ولم يعتد باجتماع ثلاث ألفات. ولكنه لم يقله العرب، فدلّ ذلك عنده أنه ليس جمعاً للمهموز. وقال «الكسائي» : ولو جمعت مهموزة أدغمت الهمزة في الهمزة مثل: «دواب» . وقرىء: «يَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيْئَاتِكُمْ» و «خَطِيْئَتَكُمْ» بالجمع والتوحيد، وبالياء والتاء على مالم يُسَمَّ فاعله، و «خَطَايَاكُمْ» بهمز الألف الأولى دون الثانية، وبالعكس. والمعنى في هذه القراءات واحد؛ لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله. والفعل إذا تقدّم الاسم المؤنث، وحال بينه وبين الفاعل حَائِلٌ جاز التذكير والتّأنيث كقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة﴾ [هود: 67] . و ﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ﴾ [هود: 94] . وقرأ الجحدري: «خَطِيئتكم» بمدة وهمزة وتاء مرفوعة بعد الهمزة. وقرأ ابن كثير: «خَطَايأكم» بهمزة قبل اكاف. وقرأ الكسائي: بكسر الطاء والتاء، والباقون بإمالة الياء. و «الغَفْر» : السّتر، ومنه المِغْفَر: لِسُتْرة الرأسن وغفران الذُّنوبح لأنها تغطيها، وتقد تقدّم الفرق بينه وبين العَفُوا. و «الغِفارَة» : خِرْقَةٌ تستر الْخِمَار أن يَمَسَّه دهن الرأس. و «الخَطِيئة» من الخَطَأ، وأصله: العدول عن الجهة، وهو أنواع: أحدها: إرادة غير ما تحسن إرادته، فيفعله، وهذا هو الأصل [التام] يقال منه: «خَطِىءَ يَخْطَأ خِطْأً وخِطْأةً» . والثاني: أن يريد ما يحسن فعله، ولكن يقع بخلافه، يقال منه: أَخْطَأ إِخْطَاء، فهو مخطىء، وجملة الأمر أنَّ من أراد شيئاً، فاتفق منه غيره يقال: «أخطأ» ، وإن وقع كما أراد، يقال: «أصَاب» ، وقد يقال لمن فعل فعلاً لا يحسن أو أراد إرادة لا تجمل: إنه أخطأ ولهذا يقال: أَصَابَ الخَطَأ، وأَخْطَأَ الصَّوابَ، وأصاب الصواب، وأخطأ الخطأ. قوله: «وَسَنَزِيدُ المُحْسِنينَ» أي نزيدهم إحساناً على الإحْسَان المتقدم عندهم، وهو اسم فاعل من «أحسن» ، والمُحْسِنُ من صحّح عقد توحيده، وأحسن سياسَةَ نفسهن وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شره. وقال بعض المفسرين: معناه: من كان محسناً جازيناه بالإحسان إحساناً، أو زيادة كما جعل للحسنة عشراً وأكثر. وقيل: من كان محسناً بهذه الطاعة والتوبة، فإنا نغفر خَطَاياه، ونزيده على غُفْران الذنوب إعطاءَ الثواب الجزيل، وفيه وجه آخر أن المعنى من كان خاطئاً غفرنا له ذنبه بهذا الفعل، ومن لم يكن خاطئاً، بل كان محسناً زدنا في إحسانه. قوله: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ . لا بُدّ في هذا الكلام من تأويل؛ إذ الذّم إنما يتوجه عليهم إذا بدّلوا القول الذي قيل لهم، لا إذا بدَّلوا قولاً غيره. فقيل: تقديره: فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم ف «بدّل» يتعدّى لمفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، والمجرور بها هو المتروك، والمنصوب هو الموجود، كقول أبي النجم: [الرجز] 517 - وَبُدِّلَتْ والدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ ... هَيْفاً دَبُوراً بِالصَّبَا وَالشَّمْأَلِ فالمتطوع عنها الصَّبا، والحاصل لها الهَيْفُ. قاله أبو البقاء وقال يجوز أن يكون «بدل» محمولاً على المعنى، تقديره: فقال الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم؛ لأن تبديل القول كان بقول «فَنَصْبُ» غير عنده في هذين القولين على النِّعت ل «قولاً» . وقيل: تقديره: فبدل الذين قولاً بغير الذي، فحذف الحرفن فانتصب «غير» . ومعنى التَّبْديل: التغيير كأنه قيل: فغيروا قولاً بغيره، إي جَاءُوا بقول آخر، فكان القول الذي أمروا به، كما يروا في القصّة أنهم قالوا: بدل حطّة حِنْطَة. والإبْدَال والتبديل والاستبدال: جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال: التبديل: التغيير، وإن لم يأت ببدله. وقد تقدم الفرق بين بدل وأَبْدَلَ، وهو أن بدّل بمعنى غيّر من غَيْر إزالة العين، وأبدل تقتضي إزالة العين، إلا أنه قرىء: ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا﴾ [القلم: 32] ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الكهف: 81] بالوجهين، وهذا يقتضي اتِّحَادهما معنى لا اختلافهما والبديل والبدل بمعنى واحد، وبدله غيره. ويقال: بِدْل وَبَدل كَشِبْه وَشَبَه، وَمِثْل وَمَثَل، وَنِكْل وَنَكَل [قال أبو عُبَيْدة: لم يسمع في فِعْل وفَعَل غي رهذه الأربعة أحرف] . * فصل في بيان التبديل قال أبو مُسلمك قوله: «فبدّل» يدلّ على أنهم لم يفلعوا ما أمروا به لأجل أنهم أتوا له ببدل، ويدلّ عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المُخَالفة، قال تعالى: «سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ» إلى قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ [الفتح: 15] ولم يكن تبديلهم الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هاهنا لما أمروا بالتواضع، وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله. وقال جمهور المفسرين: إنَّ المراد بالتبديل أنهم أتوا ببدل له؛ لأن التبديل مشتقّ من البدل، فلا بُدّ من حصول البدل، كما يقال: بدّل دِيْنَهُ أي: انتقل من دِيْنٍ إلى دين، ويؤيده قوله تعالى: «قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» . * فصل في الباعث على تبديلهم وقوله: «الَّذِيْنَ ظَلَمُوا» تنبيه على أن الباعث لهم على التبديل هو الظلم، واختلفوا هل هو مُطْلق الظلم، فيكونون كلهم بدلوا، أو الظالمون منهم هم الذين بدلوانوهم الرؤساء والأشراف، وهذا هو الظاهر، لقوله في سورة «الأعراف» : ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: 162] واختلفوا هل التقوا كلهم على الأشياء التي بَدّلوهان أو بدّل كلّ أناس منهم شيئاًن أو بدّلوا في كل وقت شيئاً؟ فإن قيل: إنّهم قد بدّلوا القول والفعلن فلم خصّ القول بالتبديل؟ فالجواب: أن ذكر تبديلهم القول يدلّ على تبديل الفعل كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: 81] أي: والبرد، فكأنه قالك بدّلوا القول والفعل، وأيضاً فقد يكون المراد بالقول المبدل هو الأمر، والأمر يشتمل القول المأمور به والفعل. واختلفوا في ذلك القول: فروي عن ابن عَبّاس: أنّهم لم يدخلوا الباب سجداً، ولم يقولوا حطّة، بل دخلوا زَاحِفِيْنَ على اسْتَاههم قائلين جِنْطة. وقال ابن زيد: استهزؤوا بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا لا لعب بنا حطة أي شيء حطة. وقال «مجاهد» : طؤطىء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، ويركعوا، فدخلوا زَاحِفِيْنَ. وقيل لهم: قولوا حطة فقالوا: حطًّا شمقاً ما يعني حطة حمراء استخفافاً بأمر الله. قوله: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ أي: أضروا بأنفهسم، وأوسعوا في نقصان خيراتهم في الدين والدنيا. و «الرجز» : هو العذاب. * فصل في لغات الرجز وفيه لُغة أخرى وهي ضمّ الراء، وقرىء بهما. وقيل: المضموم اسم صَنَم، ومنه: ﴿والرجز﴾ [المدثر: 5] . والرِّجْز والرِّجْس بالزاي والسين بِمَعْنَى ك: السُّدْغ والزُّدْغ. والصحيح أن الرِّجْزَ: الْقَذَر، والرِّجَز: ما يصيب الإبل، فترتعش منه، ومنه: بحر الرِّجَز في الشّعر. قوله: «مِنَ السَّمَاءِ» يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون متعلقاً ب «أَنْزَلْنَا» ، و «من» لابتداء الغاية، أي: من جهة السماء، وهذا الوجه هو الظاهر. والثاني: أن يكون صفة ل «رِجْزاً» فيتعلّق بمحذوف، و «من» أيضاً للابتداء. وقوله: ﴿عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ فأعادهم بذكرهم أولاً، ولم يقل: «عليهم» تنبيهاً على أن ظُلْمهم سبب في عقابهم، وهو من إيقاع الظاهر موقع المُضْمَر لهذا الغرض، وإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر على ضربين: ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية، وقول الخنساء: [المتقارب] 518 - تَعَرَّقَنِي الدَّهْرُ [نَهْساً] وَحَزَّا ... [وَأَوْجَعَنِي] الدَّهْرُ قَرْعاً وَغَمْزا أي: أصابتني نوائبه جُمَعُ. وضرب يقع في كلام واحد؛ نحو قوله: ﴿الحاقة 0 مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] . 519 - لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِباً ... كَانَ الغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال: [الخفيف] 520 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا قوله: «بَمَا كَانُوا» متعلِّق ب «أنْزَلْنَا» و «الباء» للسببية، و «ما» يجوز أن تكون مصدرية وهوالظّاهر أي: بسبب فِسْقِهِمْ، وأن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع، والأصل: يفسقونه، ولا يقوى جعلها نكرة موصولة. وقرأ «ابن وَثّاب» : «يَفْسِقُون» بكسر السين، وتقدم أنهما لُغَتَان. * فصل في تفسير الظلم قال أبو مسلم: هذا الفِسْقُ هو الظلم المذكور في قوله: ﴿عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ وفائدة التكرار التأكيد. قال ابن الخطيب: والحق أنه غيره؛ لأن الظلم قد يكون من الصَّغائر، ولذلك قال بعض الأنبياء: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] وقد يكون من الكَبَائر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] ، والفِسْق لا بُدّ وأن يكون من الكبائر، ويمكن أن يجاب عنه: بأن أبا مُسْلِم لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم، وإنما خصّه بظلم معين، وهو الذي وصفوا به في أوَّول الآية، ويحتمل أنهم استحقُّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرِّجْزُ عليهم بالفِسْقِ الذي كانوا يفعلوه قيل التبديل، فيزول التكرار. احتجّ بعضهم بقوله: «فَبَدَّل الَّذِينَ ظَلَمُوا» على أنَّ ما ورود من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصَّلاة بفلظ التَّعْظيمن لا يجوز القراءة بالفارسية. وأجاب أبو الرَّازِي: «بأنهم إنما استحقُّوا الذَّم لتبديلهم القول إلى قول يُضَاد معناه معنى الأول، فلهذا استوجبوا الذم، فأما تغيير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك» . قال ابن الخطيب: «والظَّاهر أن هذا بتناول كل من بدّل قولاً يقول آخر سواء اتَّفَقَا أو لم يتفقا» . فإن قيل: قال هنا: «وإذ قلنا» ، وفي «الأعراف» : ﴿وَإِذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: 161] . قيل: لأن سورة «الأعراف» مكية، و «البقرة» مدنية فأبهم القائل في الأولى وهي «الأعراف» ليكون لهم وَقْع في القلب، ثم بَيَّنَهُ في هذه السورة المدنية، كأنه قال: ذلك القائل هناك هو هذا. وقال هنا: «ادْخُلُوا» وفي «الأعراف» : «اسْكُنُوا» . قال ابن الخطيب: «لأنّ الدخول مقدّم على السُّكْنَى» . وهذا يرد عليه، فإن «الأعراف» قبل «البقرة» ؛ لأنها مكية. وقال [هنا] «فَكُلُوا» بالفاء، وفي «الأعراف» «وَكُلُوا» بالواو. والجواب ها هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً﴾ ، وفي الأعراف ﴿فَكُلاَ﴾ . [ولم ذكر قوله: «رغداً» في «البقرة» ، وحذفه في «الأعراف» ؟ لأنه اسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنْعَام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً] ، وفي «الأعراف» لما لم يسند الفعل إلى نفسه [لا جرم] لم يذكر الإنعام الأعظم. وقال هنا: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ، وفي «الأعرافش» قدّم المؤخر؛ لأن الواو للجمع المطلق، وأيضاً يحمتل أن يكون بعضهم مذنباً، وبعضهم ليس بمذنب، المُذْنِب يكون اشتغاله أولاً بالتوبة، ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولاً «حطة» ثم يدخلوا الباب سُجَّداً، وأما الذي ليس بمذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولاً، ثم [يذكروا] التوبة ثانياً على سبيل هَضْم النفس، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فكلفوا أن يدخلوا الباب سجداً أولاً، ثم يقولوا «حطة» ، فذكر حكم كل قسم في سورة قاله ابن الخطيب. وفيه نظر؛ لأن هذا القول إنما كان مَرّة واحدة. قال هنا: ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ بالواو، وفي «الأعراف» بغير واو. وقال ابن الخطيب: لأنه ذكر في «الأعراف» أمرين: قول الحطة، وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب سجداً، وهو إشارة العبادة، ثم ذكرجزاءين: قوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، وهو واقع في مقابلة قول الحطّة، وقوله: ﴿وَسَنَزِيدُ المحسنين﴾ ، وهو واقع في مُقَابلة دخول الباب سجداً، [فترك] الواو يفيد توزيع كل واحد مِنَ الجَزَاءين على كل من الشرطين. وأما في «البقرة» فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاءً واحداً لمجموع الفعلين. وقال هنا: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً﴾ ، وفي «الأعراف» زاد كلمة «منهم» . قال ابن الخطيب: لأنه تعالى قال: ﴿وَمِن قَوْمِ موسى أُمَّةٌ﴾ ، فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدّد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم فلما انتهت القصّة قال: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [فذكر لفظة «مِنْهُمْ» في آخر القصّة كما ذكرها في أول القصة] ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما هنا فلم يذكر الآيات التي قيل قوله: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ﴾ تمييزا وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص. وقال هنا: ﴿فَأَنزَلْنَا﴾ وفي [سورة] «الأعراف» ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾ ، وأتى بالمضمر دون الظاهر؛ لأنه تعالى عدّد عليم في هذه السُّورة نعماً جسيمة كثيرة، فكان توجيه الذّمن عليهم، وتوبيخهم بكفرانها أَبْلَغ من حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عَدّد هنا. فلفظ «الإنزال» للعذاب أبلغ من لفظ «الإرسال» . وقال هنا: ﴿يَفْسُقُونَ﴾ ، وفي «الأعراف» : ﴿يَظْلِمُونَ﴾ تنبيها على أنهم جامعون بين هذين الوصفين القبيحين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.