الباحث القرآني

عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: " أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين (من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة ") . (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَتِ الرَّحِيمِ) . قوله تعالى: «طَهَ» قرأ أبو عرمو بفتح الطاء وكسر الهاء، وكسرهما جميعاً حمزة والكسائي وأبو بكر والباقون بفتحهما. قال الزجاج: وتقرأ «طَهْ» بفتح الطاء وسكون الهاء، وكلها لغات. قال الزجاج: من فتح الطاء والهاء، فأن ما قبل الألف مفتوح. ومن كسر الطاء والهاء أمال إلى الكسر، لأن الحرف مقصور، والمقصور يغلب عليه الإمالة إلى الكسر. فصل قد تقدم الكلام في الحروف المقطعة أول الكتاب، وفي هذه، وفي هنا قولان، الصحيح أنها من ذلك. وقيل: إنه مفيد. فقال الثعلبي: «طَا» شجرة طوبى «والهاء» الهاوية. فكأنه أقسم بالجنة والنار. وقال سعيد بن جبير: هو افتتاح اسمه الطيب الطاهر الهادي. وقيل: يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة. وقيل: (الطاء) تسعة في الحساب، و (الهاء) خمسة يكون أربعة عشر، ومعناه يا أيها البدر، وقيل غير ذلك. فصل قيل: كعنى (طَهَ) يا رَجُل، وهو مرويّ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد ابن جبير، وقتادة، وعكرمة، والكلبي، ثم قال سعيد بن جبير: بالنبطية، وقال قتادة: بالسريانية، (وقال عكرمة) : بالحبشية، وقال الكلبي: بلغة عك، وقيل: عُكْلٌ، وهي لغة يمانية. وقال الكلبي: إنك لو قلت في عَك، يا رَجُل لم تجب حتى تقول: طَهَ. وقال الطَّبَري: طَهَ في عك بمعنى يا رجل، وأنشد قولَ شاعرهم: 3637 - دَعَوْتُ بِطَهَ في القِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوَائِلاَ وقول الآخر: 3638 - إنَّ السَّفَاهَةَ طَهَ فِي خَلائِقِكُمْ ... لاَ قَدَّسَ اللهُ أرْوَاحَ المَلاَعِينِ قال الزمخشري: وأثر الصنعة ظاهر في البيت المستشهد به. وقال السُّدِّي: معناه يا فلان. وقال الزمخشري أيضاً: ولعل عكَّا تصرفوا في «يَا هَذَا» كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء، فقالوا في (يَا هَذَا) : طَا هَذَا، واختصروا (هذا) (فاقْتَصَرُوا عَلَى هَا) . فكأنَّه قيل في الآية الكريمة: يَا هَذَا، وفيه بُعْدٌ كبير. واعترض عليه بعضهم فقال: لو كان كذلك لوجب أن يكتب أربعة أحرف طَاهَا. قال أبُو حيَّان: ثم تخرص وحرز على عَكَّ ما لم يقله نحوي، وهو أنهم يقلبون «ياء» التي للنداء (طاء) ، ويحذفون اسم الإشارة ويقتصرون منه على (ها) التي للتنبيه وقيل: (طَهَ) أصله: طأها بهمزة، (طَأْ) أمر، من وطئ يطأ، و (ها) ضمير مفعول يعوج على الرض، ثم أبدل الهمزة لسكونها ألفاً ولم يحذفها في الأمر نظراً إلى أصلها، أي: طأ الأرض بقدميْكَ، وقد جاء في الحديث: «أنَّهُ قَامَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاه» وقرأ الحسن، وعكرمة، وأبو حنيفة، وورش في اختياره « طه» بإسقاط الألف بعد الطاء، و (هاء) ساكنة وفيها وجهان: أحدهما: أن الأصل (طأ) بالهمزة، أمراً أيضاً من وَطِئ يَطَأ، ثم أبدلت الهمزة هاء كإبدالهم لها في: هرقت، وهرحت، وهنرت، والأصل: أرقت، وأرحت، وأنرت. والثاني: أنه أبدل الهمزة ألفاً، كأنه أخذه من وطئ يطأ بالبدل كقوله: 3639 - ... ... ... ... ... ... ... ... ....... ... ... . . لاَ هَنَاكِ المَرْتَعُ ثم حذف الألف حملاً للأمر على المجزوم، وتناسباً لأصل الهمز ثم ألحق هاء السكت، وأجرى الوصل مجرى الوقف وقد تقدم في أول يونس الكلام على إمالة «طا» و «ها» . قوله: «أنْزَلْنَا» هذه قراءة العامة. وقرأ طلحة: «مَا نُزِّلَ» مبنياً للمفعول «القُرْآن» رفع لقيامه مقام فاعله. وهذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفة إن جعلت «طَهَ» تعديداً لأسماء الحروف. ويجوز أن تكون خبراً ل (طَهَ) إن جعلتها اسماً للسورة، ويكون القرآن ظاهراً واقعاً موقع المضمر؛ لأنَّ (طه) قرآن أيضاً، ويجوز أن تكون (جواب قسم) إنْ جعلت (طَهَ) مقسماً به. وقد تقدَّم تفصيل ذلك. فصل قال الكلبي: لمَّا أنزل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يخفف على نفسه فقال: ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ [طه: 2] . وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا: إنَّك لتشقى حين تركت دين آبائك أي: لتتعنَّى وتَتْعَب وما أنزل عليك القرآن يا محمد لشقائك، فنزلت: «مَا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى» . وأصلُ الشقاء في اللغة العناء. وقيل المعنى: إنَّك لاَ ترم على كفر قومك كقوله: «لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ» وقوله ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: 106] ، أي: إنك لا تؤاخذ بذنبهم. وقيل: إنَّ هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وكان عليه السلام في ذلك الوقت مقهوراً تحت ذل الأعداء، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنَّك تبقى أبداً على هذه الحالة، بل يعلو أمرك ويظهر قدرك فإنا ما أنزلنا عليك مثل هذا القرآن لتبقى شقيًّا فيما بينهم بل لتصير معظماً مكرماً. قوله: «إِلاَّ تَذْكِرَةً» في نصبه أوجه: أحدها: أن يكون مفعولاً من أجله، والعامل فيه فعل الإنزال، وكذلك «لِتَشْقَى» علة له أيضاً، ووجب مجيئ الأول مع اللام، لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاته شريطة الانتصاب على الفمعولية. والثاني: جاز قطع اللام عنه ونصبه، لاستجماعه الشرائط هذا كلام الزمخشري، ثم قال: فإن قلت: هل يجوز أن تقول: «مَا أنْزَلْنَا أنْ تَشْقَى» ، كقوله: «أنْ تَحْبَطَ أعْمَالُكُم» قلت: بلى ولكنها نصبة طارئة كالنصبة في «وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه» ، وأما النصبةُ في «تَذْكِرَةً» فهي كالتي في ضربت زيداً، لأنه أحد المفاعيل الخمسة التي هي أصول وقوانين لغيرها. قال شهاب الدين: قد منع أبو البقاء أن يكون «تَذْكِرَةً» ، مفعولاً له ل «أنْزَلْنَا» المذكورة لأنها قد تعدت إلى مفعول له وهو «لِتَشْقَى» فلا تتعدى إلى آخر من جنسه. وهذا المنع ليس بشيء، لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين فأكثر، وإنما هذا بناءً منه على أنه لا يقتضي العامل من هذه الفضلات إلا شيئاً واحداً إلا بالبدلية أو العطف. الثاني: أن تكون «تَذْكِرَةٌ» بدلاً من محل «لِتَشْقَى» وهو رأي الزجاج، وتبعه ابن عطية، واستبعده أبو جعفر، ورده الفارسي، بأن التذكرة ليست بشقاء وهو رد واضح. وقد أوضح الزمخشري هذا فقال: فإن قلت هل يجوز أن تكون «تَذْكِرَةً» بدلاً من محل «لِتَشْقَى» ؟ قلت: لا لاختلاف الجنسين ولكنها نصب على الاستثناء المنقطع الذي (إلاَّ) إلا بمعنى (لكن) . قال أبو حيان: يعني باختلاف الجنسين أن نصبه «تَذْكِرَةُ» نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي تكون في «لِتَشْقَى» بعد نزع الخافض نصبة عارضة، والذي نقول إنه ليس له محل ألبتة فيتوهم البدل منه. قال شهاب الدين: ليس مراد الزمخشري باختلاف الجنسين إلا ما نقل عن الفارسي رداً على الزجاج، وأي أثر لاختلاف النصبتين في ذلك. الثالث: أن يكون نصباً على الاستثناء المنقطع أي: لَكِنْ أَنْزَلْنَا تَذْكِرَةً. الرابع: أنه مصدر مؤكد لفاعل مقدر، أي: لكن ذكرنا، أو تذكرتَه أنت تذكرةً. وقيل التقدير: مَا أنْزَلْنَا عَلَيكَ القرآن لتحملَ متاعب التبليغ إلا ليكون تذكرة، كما يقال: (مَا شَافَهْنَاكَ بِهَذَا الكلامَ لِتَتَأَذَّى إِلاَّ ليَعْتَبِر بكَ غَيْركَ) . الخامس: أنه مصدر في موضع الحال، أي إلا مُذَكِّراً. السادس: أنه بدل من القرآن، ويكون القرآن هو التذكرة. قاله الحوفي. السابع: أنه مفعول له أيضاً، ولكن العامل فيه «لِتَشْقَى» ، ويكون المعنى كما قال الزمخشري: إنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ القرآنَ لِتتحمَّلَ متاعب التبليغ، ومقاومة العتاة من أعداء الإسلام ومقابلتهم، وغير ذلك من أنواع المشاق، وتكاليف النبوة وما أنزلنا هذا الْمُتْعِب الشاق إلاَّ ليكون تَذْكِرَةً. وعلى هذا الوجه يجوز أن تكون تَذْكِرَةً حالاً ومفعولاً له. انتهى. فإن قيل: من أين أخذت أنه لمَّا جعله حالاً ومفعولاً له أن العامل فيه «لِتَشْقَى» ، وما المانع أن يريد بالعامل فيه فعل الإنزال؟ فالجواب: أن هذا الوجه قد تقدَّم له في قوله: وكل واحد من «لِتَشْقَى» ، و «تَذْكِرَةً» علة للفعل، وأيضاً فإن تفسيره للمعنى المذكور منصَبٌّ على تسلط «لِتَشْقَى» على «تَذْكِرَةً» إلا أنَّ أبا البقاء لما لم يظهر له هذا المعنى الذي ظهر للزمخشري منع من عمل «لِتَشْقَى» في «تَذْكِرَةً» ، فقال: ولا يصح أن يعمل فيها «لِتَشْقَى» لفساد المعنى وجوابه: ما تقدَّم. (ولا غرو في تسمية التعب شقاءً) ، قال الزمخشري: والشقاء يجيء في معنى التعب، ومنه المثل: أتْعَبُ مِنْ رَائِضِ مُهْرٍ، وأشْقَى من رائضِ مُهْرٍ. و «لِمَنْ يَخْشَى» متصل ب «تَذْكِرَةًُ» وزيدت اللام في المفعول، تقوية للعامل لكونه فعلاً. ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفة ل «تَذْكِرة» . وخصَّ مَنْ يَخْشَى بالتذكر، لأنهم المنتفعون بها، كقوله: «هُدًى لِلْمُتَّقين» . قوله: «تَنْزِيلاً» في نصبه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من «تَذْكِرَةً» إذا جعل حالاً لا إذا كان مفعولاً، لأن الشيء لا يعلِّلُ بنفسه، لأنه يصير التقدير: مَا أنْزَلْنَا القرآنَ إِلاَّ لِلتَّنْزِيل. الثاني: أن ينتصب ب «نزل» مضمراً. الثالث: أن ينتصب ب «أنْزَلْنَا» ، لأن معنى ما أنْزَلْنَا إلاَّ تذكرة: أنْزَلْنَاهُ تَذْكِرَةً. الرابع: أن ينتصب على المدح والاختصاص. الخامس: أن ينتصب ب «يَخْشَى» مفعولاً به، أي أنزلناه للتذكرة لِمَنْ يَخْشَى تنزيلَ الله، وهو معنى حسن وإعراب بيِّن. قال أبو حيان: والأحسن ما قدَّمناه أولاً من أنَّه منصوب ب «نَزَل» مضمرةً، وما ذكره الزمخشري من نصبه على غيره فمتكلف: أما الأول ففيه جعل «تَذْكِرَةً» و «تَنْزِيلاً» حالين وهما مصدران، وجعل المصدر حالاً لا ينقاس. وأيضاً فمدلول «تَذْكِرَةً» ليس مدلولاً «تَنْزِيلاً» ، ولا «تَنْزِيلاً» بعض «تّذْكِرَةً» فإن كان بدلاً فيكون بدلَ اشتمال على مذهب من يرى أن الثاني مشتمل على الأول؛ لأن التنزيل مشتمل على التذكرة، وغيرها. وأما قوله: لأن معنى ما أنزلناه إلا تذكرةً أنْزَلناهُ تَذْكِرَةً، فليس كذلك، لأن معنى الحصر يفوت في قوله: «أنزلناه تذكرةً. وأما نصبه على المدح فبعيد. وأمَّا نصبه على» يَخشَى «ففي غاية البُعد، لأن» يَخْشَى «رأس آية وفاصلة فلا يناسب أن يكون» تَنْزِيلاً «منصوباً ب» يَخْشَى» ، وقوله: وهو معنى حسن وإعراب بيِّن عجمة وبُعْدٌ عن إدراك الفصاحة. قال شهاب الدين: ويكفيه رد الشيء الواضح من غير دليل ونسبة هذا الرجل إلى عدم الفصاحة ووجود العجمة. قوله: «مِمَّنْ خَلَقَ» . يجوز في (مِنْ) أن يتعلق ب «تَنْزِيلاً» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «تَنْزِيلاً» . وفي «خَلَقَ» (التفات) من تكلُّم في قوله: «مَا أنْزَلْنَا» إلى الغيبة وجوز الزمخشري أن يكون» مَا أنْزَلْنَا «حكاية لكلام جبريل عليه السلام وبعض الملائكة فلا التفات على هذا. قوله:» العُلَى» جمع عُلْيَا، نحو دُنْيَا ودُنًى، ونظيره في الصحيح كُبْرَى وَكُبَر، وفُضْلَى وفُضَل، يقال سماء عُلْيَا وسموات عُلَى. ومعنى الآية: «تَنْزِيلاً مَمَّنْ خَلَقَ» أي: (مِنَ الله الذي خلق الأرضَ والسَّمَواتِ العُلَى) يعني العالية الرفيعة. وفائدة وصف السَّوات بالعُلَى: الدلالة على عظم قدرة من يخلق مثلها في علوها (وبعد مرتقاها) . قوله: «الرَّحْمنُ» العامة على رفعه، وفيه أوجه: أحدها: أنه بدل من الضمير المستكن في «خَلَقَ» ذكره ابن عطية، ورده أبو حيان بأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو حل محله لم يجز لخلو الجملة الموصولة بها من رابط يربطها. الثاني: أن يرتفع على الابتداء مشاراً إلى «مَنْ خَلَقَ» والجملة بعده خبر. وقرأ جناح بن حُبَيش: «الرَّحْمنِ» مجروراً، وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من الموصول. لا يقال: إنه يؤدي إلى البدل بالمشتق وهو قليل، لأن (الرحمن) يجري مجرى الجوامد لكثرة إيلائه العوامل. والثاني: أن يكون صفة للموصول أيضاً. قال أبو حيان: ومذهب الكوفيين أن الأسماء النواقص ك «مَنْ» و «مَا» لا يوصف منها إلاَّ الذي وحده، فعلى مذهبهم لا يجوز أن يكون صفة. قال ذلك كالراد على الزمخشري. والجملة في قوله: «عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى» خَبَر لقوله «الرَّحْمنُ» على القول: بأنه مبتدأ، أو خبر مبتدأ مضمر، إن قيل: إنه مرفوع على خبر مبتدأ مضمر، وكذلك في قراءة مَنْ جرَّه. وفاعل «اسْتَوَى» ضمير يعود على «الرَّحْمنُ» . وقيل: بل فاعله «مَا» الموصولة بعده، أي: استوى الذي له ما في السموات قال أبو البقاء: وقال بعضُ الغلاةِ: «مَا» فاعل «اسْتَوَى» ، وهذا بعيد، ثم هو غير نافع له في التأويل، إذ يبقى قوله: «الرَّحْمنُ عَلَى العَرشِ اسْتَوَى» كلاماً تامّاً ومنه هرب. قال شهابُ الدين: هذا يُروى عن ابن عبَّاس، وأنَّه كان يقفُ على لفظ «العَرْشِ» ثم يبتدئ ب «اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ» ، وهذا لا يصح عنه. قوله: الثَّرَى: هو التراب النَّدِي، ولامه ياء بدليل تثنيته على ثَرَيَيْن وقولهم: ثَرِيَتْ الرضُ تَثْرَى ثَرًى. والثَّرَى في انقطاع المودة، قال جرير: 3640 - فَلاَ تَنْبِشُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فَإنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمُ مُثْرِي والثَّراء بِالمَد: كثرة المال، قال: 3641 - أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتَى ... إذَا حَشْرجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ وَما أَحسن قولَ ابن دُرَيد في قصيدته التي جمع فيها بن الممدود والمقصور باختلاف معنى. فصل قال المفسرون: معنى «لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ» لما شرح ملكه بقوله: «الرَّحْمنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى» ، والملك لا ينتظم إلا بالقدوة والعلم لا جرم عقبه بالقدرة ثم بالعلم. أما القدرة فهي هذه الآية، والمعنى: أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة فهو مالك لما في السموات من مَلَكٍ ونَجْم وغيرهما، ومالك لما في الأرض من المعادن والفلزات، ومالك لما بينهما من الهواء، ومالك لما تحت الثرى. قال الضحاك: يعني ما روى الثرى من شيء. وقال ابن عباس: إن الأَرضينَ على ظهر النون، والنون على بحر ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء اخضرت السموات منها. وهي الصخرة التي ذكر الله تعالى في قصة لقمان «فَتَطُنْ فِي صَخْرَةٍ» ، والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، و «مَا تَحْتَ الثَّرَى» لا يعلمه إلا الله تعالى. وذلك الثور فاتح فاه، فإذا جعل الله البحار بحراً واحداً سالت في جوف الثور فإذا وقعت في جوفه يبست. وأما العلم فقوله: «وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ الشِّرَّ وَأَخْفَى» قال الحسن السر: ما أسر الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: السر ما تسر في نفسك، وأخفى من السر: ما يلقيه الله في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسَك لأنك تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم اليوم ولا تعلم ما تسر إذا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر غدا. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: السِّرُّ ما أٍر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه. وقل مجاهد: السِّرُّ العمل الذي يُسِرُّ من الناس وأخفى: الوسوسة وقيل: السِّرُّ هو العزيمة (وأخفى: ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه. وقال زيد بن أسلم: «يَعْلَمُ السِّرَّ» وأخْفَى «أي: يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده فلا يعلمه أحد. قوله:» وَأخْفَى» جوزوا فيه وجهين: أحدهما: أنه أفعل تفضيل، أي: وأخفى من السر. والثاني: أنه فعل ماض، أي: وأخفى عن عباده غيبه كقوله: «وَلاَ يُحيطُونَ بِهِ عِلْماً» . قوله: «اللهُ لاَ إلهَ إِلاَّ هُوَ» الجلالة إما مبتدأ والجملة المنفية خبرها، وإما خبر لمبتدأ محذوف، أي هو الله. والحسنى تأنيثُ الحسنِ، وقد تقدم أن جمع التكسير في غير العقلاء يعامل معاملة المؤنثة الواحدة. ولما ذكر صفاته وحَّدَ نَفْسَه فقال: «اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ هوَ لَهُ الأسْمَاءُ الحُسْنَى» . فصل قالوا: كلمة» لا «ههنا دخلت على الماهية، فانتفت الماهية، وإذا انتفت الماهية تنتفي كل أفرادها. وإنما» اللهُ «اسم علم للذات المعينة، إذ لو كان كان اسم معنى لكان كلها محتملاً للكثرة فلم تكن هذه الكلمة مفيدة للتوحيد. وقالوا:» لاَ «استحقت عمل» إِنَّ «لمشابهتها لها من وجهين: الأول: ملازمة الأسماء. والآخر: تناقضهما. فإن أحدهما لتأكيد الثبوت، والآخر لتأكيد النفي، ومن عادتهم تشبيه أحد الضدين بالآخر في الحكم، وإذا كان كذلك، فنقول: لمَّا قالوا: إنَّ زيداً ذاهبٌ كان يجب أن يقولوا: (لا رجلاً ذاهب) إلاَّ أنهم بنوا» لا» مع ما دخل عليه من الاسم مفرداً واحداً فلأنهم قصدوا البناء على الحركة المستحقة توقيفاً بين الدليل الموجب للإعراب، والدليل الموجب للبناء. وخبره محذوف تقديره: لاَ إِله في الوجود، ولا حول ولا قوةَ لنا، وهذا يدل على أن الوجود زائدة على الماهية. فإن قيل: تصور الثبوت مقدم على تصور السلب، فإنَّ السلب ما لم يضف إلى الثبوت لا يمكن تصوره، فكيف قدم هنا السلب على الثبوت؟ فالجواب: لما كان هذا السلب من مؤكدات الثبوت لا جرم قدم عليه. فصل ينبغي لأهل لاَ إله إلاَّ الله أنْ يحصلوا أربعة أشياء حتى يكونوا من أهل لا إلهَ إلا الله: التصديق، والتعظيم والحلاوة والحرية، فمن ليس له التصديق فهو منافق، ومَن ليس له التعظيم فهو مبتدع، ومَن ليس له الحلاوة فهو من مراء ومَنْ ليس له الحرية فهو فاجر. فصل (قال بعضهم) قوله تعالى: «ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ» أنَّه لا إله إلاَّ الله. «إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ» لا إله إلاَّ الله «وَتَواصُّوْا بالحَقِّ» لا إله إلاَّ الله. «قُلْ إنَّمَا أعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ» بلا إله إلاَّ الله. «وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئولُون» عن قول لا إله إلاَّ الله. «بَلْ جَاءَ بالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِين» هو لا إله إلاَّ الله. «يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بالقَوْلِ الثَّابِتِ فشي الحَيَاةِ الدُّنْيَا» هو لاَ إله إلاَّ الله. «وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمينَ» عن قول: لا إله إلاَّ الله. فصل قال عليه السلام: «أفضل الذكر لاَ إله إلاَّ الله، وأفضل الدعاء أستغفر الله» ، ثمّ تلا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «فاعْلَم أنَّه لا إلهُ إلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤمِنينَ والمُؤْمِنَاتِ» وقال عليه السلام: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ مَلَكاً من الملائكة قبل أن خلق السموات والأرض وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله مادًّا بها صوته لا يقطعها، ولا يتنفس فيها، ولا يتمها، فإذَا أتمَّها أمر إسرافيل بالنفخ في الصور وقامت القيامة تعظيماً لله تعالى» . وعن أنس قال عليه السلام: «ما زلت أشفع إلى ربي ويشفعني، وأشفع إليه ويشفعني، حتى قلت: يا رب فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: يا محمد هذه ليست لك ولا لأحد وعزتي وجلالي، لا أدع أحداً في النار قال لا إله إلا الله» وقال سفيان الثوري: سألت جعفر بن محمد عن «حم عسق» فقال: الحاء حُكمه، والميم ملكه، والعين عظمته، والسين سناؤُه والقاف قدرتُه، يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: بحكمي وملكي وعظمتي وسنائي ولا قدرتي لا أعذب بالنار من قال: لاَ إله إلاَّ الله محمد رسول الله. وعن ابن عرم قال عليه السلام: «من قال في الشوق: لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ لهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيي ويُميتُ وَهُوَ حيٌّ لا يَمُوتُ بيدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قدِير، كَتَبَ الله لهُ أَلفَ حَسَنةٍ ومَحَا عَنْهُ ألفَ سيئةٍ وبَنَى لَهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ» وروي عن موسى بن عمران عليه السلام قال: يا رب علمني شيئاً أذكرك به قال: قل: لا إله إلاَّ الله، قال: كل عبادك يقول: لا إله إلاَّ الله. فقال: قل: لا إله إلاَّ الله. قال: إنما أردت شيئاً تخصني به. قال يا موسى: لو أن السموات السبع ومن فوقهن في كفة ولا إله إلاَّ الله في كفة لماتْ بهِنَّ لاَ إله إلاَّ الله. فصل قيل: إنَّ الله تعالى أربعة آلاف اسم لا يعلمها إلا الله والأنبياء أما الألف الرابعة فإن المؤمنين يعلمونها، فثلثمائة في التوراة، وثلثمائة في الإنجيل، وثلثمائة في الزبور ومائة في القرآنه تسعة وتسعون ظاهرة وواحد مكنون فمن أحصاها دخل الجنة. واعلم أن الأسماء الواردة في القرآن منها ما ليس بانفراده ثناءً ومدحاً، كقوله: جاعل، وفالق، وصانع. فإذا قيل: «فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَناً» صار مدحاً وأما الاسم الذي يكون مدحاً فمنه ما إذا قُرِنَ بغيره أبلغ نحو قولنا: حيّ، فإذا قيل: الحَيُّ القَيُّومُ، أو الحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ. كان أبلغ. وأيضاً بديع. فإذن قلت: بَديعُ السَّمواتِ والأرضِ، ازداد المدح. ومن هذا الباب ما كان اسم مدح ولكن لا يجوز إفراده، كقولنا: دَلِيلٌ، وكَاشِفٌ، فإذا قيل: يا دليلَ المتحيرين، يا كاشفَ الضُرِّ والبلوى جاز. ومنه ما يكون اسم مدح مفرداً ومقروناً كقولنا: الرَّحيم الكريمُ (ومن الأسماء ما يكون تقارنُها أحسنَ كقولك: الأول الآخر، المبدئ المعيد، الظاهر الباطن، العزيز الحكيم) .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.