الباحث القرآني

قوله: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ البال: الفكر، يقال: خطر بباله كذا، ولا يثنى ولا يجمعن وشذ جمعه على بالات، ويقال للحال المكترث بها، وكذلك يقال: ما بَالَيتُ بالة، والأصل بالية كعافية فحذفت لامه تخفيفاً. فصل قال المفسرون: البَالُ، الحالُ، أي ما حال القرون الماضية والأمم الخالية كقوم نوح وعاد وثمود. وفي ارتباط هذا الكلام بما قبله وجوه: الأول: أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا قرر أمر المبدأ قال فرعون: إن كان إثبات المبدأ ظاهراً إلى هذا الحد ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ ما أثبتوه بل تركوه، فكأن موسى - عليه السلام - لما استدل على إثبات الصانع بالدلالة القاطعة قَدَح فرعونُ في تلك الدلالة بقوله: إنْ كانَ الأمرُ على ما ذكرت من قوة الدلالة وجب على أهل القرون الماضية أن لا يغفلوا عنها. فعارض الحجة بالتقليد. الثاني: أنَّ موسى - عليه السلام - لما هدده بالعذاب في قوله: ﴿أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ [طه: 48] قال فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ فإنها كذبت ولم يعذبوا؟ الثالث: وهو الأظهر، وأن فرعون لما قال: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] فذكر موسى - عليه السلام - دليلاً ظاهراً على صحة دعواه فقال: ﴿رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: 50] خاف فرعون أن يزيد في تلك الحجة، فيظهر للناس صدقه، وفساد طريق فرعون، فأراد أن يصرفه عن ذلك الكلام، ويشغله بالحكايات فقال: ﴿فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ فلم يلتفت موسى - عليه السلام - إلى ذلك الحديث وقال: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ «ولا يتعلق غرضي بأحوالهم، ولا أشتغل بها، ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، وإبراز الدلائل الظاهرة على الوحدانية فقال ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ ، وهذا الوجه هو المعتمد في صحة النظم. فإن قيل: العلمُ الذي عند الرب، كيف يكون في الكتاب؟ وذلك أن علم الله صفة قائمة به، فكون صفة الشيء حاصلة في كتاب غير معقول، فذكروا في الجواب وجهين: الأول: معناه: أنه تعالى أثبت تلك الأحكام في كتاب عنده ليكون ما كتبه فيه ظاهراً للملائكة، فيكون ذلك زيادة لهم في الاستدلال على أنه تعالى عالم بكل المعلومات ينزه عن السهو والغفلة، ولقائل أن يقول: قوله:» فِي كِتَابٍ» يوهم احتياجه سبحانه في العلم إلى ذلك الكتاب، وهذا وإن كان غير واجب لا محالة ولكنه لا أقل من أن يوهمه في أولالأمر لا سيما للكافر، فكيف يحسن ذكره مع معاندٍ مثل فرعون في وقت الدعوة؟ الوجه الثاني: أن يفسِّر ذلك بأن بقاء تلك المعلومات في علمه سبحانه كبقاء المكتوب في الكتاب، فيكون الغرض من هذا الكلام تأكيد القول بأن أسرارها مغلومة لله تعالى بحيث لا يزول منها شيء عن علمه، ويؤكد هذا التفسير قوله بعد ذلك: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ . وقيل: إنما ردَّ موسى علم ذلك إلى الله، لأنه لم يعلم ذلك فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون والمراد بالكتاب: اللوحُ المحفوظ. قوله: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي﴾ في خبر هذا المبتدأ وجوه: أحدها: أنَّه «عِندَ رَبِّي» وعلى هذا فقوله: «فِي كِتَابٍ» متعلق بما تعلق به الظرف من الاستقرار، أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير المستتر في الظرف، أو خبر ثان. الثاني: أن الخبر قوله: ﴿عِندَ رَبِّي﴾ ، فَعَلى هذا قوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ معمول للاستقرار الذي تعلق به «في كتاب» كما تقدم في عكسه، أو يكون حالاً من الضمير المستتر في الجار الواقع خبراً، وفيه خلاف أعني تقديم الحال على عاملها المعنوي، والأخفش يجيزه ويستدل بقراءة: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] وقوله: 3662 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبي أَدْرَاعِهِمْ ... فِيِهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَةَ بن حُذَارِ وقال بعض النحويين: إنه إذا كان العامل معنوياً والحال ظرف أو عديله حَسُنَ التقديم عندالأخفش وغيره، وهذا منه، أو يكون ظرفاً للعلم نفسه، أو يكون حالاً من المضاف إليه، وهو الضمير في «عِلْمُهَا» ولا يجوز أن يكون «فِي كِتَابٍ» متعلقاً ب «عِلْمُهَا» على قولنا: إنَّ «عِنْدَ رَبِّي» الخبر، كما جاز تعلق «عِنْدَ» بِهِ، لئلا يلزم الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي وقد تقدم أنه لا يخبر عن الموصول إلا بعد تمام صلته. الثالث: أن يكون الظرف وحرف الجر معاً خبراً واحداً في المعنى فيكون بمنزلة: هذا حلوٌ حامضٌ، قاله أبو البقاء. وفيه نظر إذ كل منهما يستقل بفائدة الخبرية بخلاف هذا حُلْوٌ حامِضٌ. والضمير في «عِلْمُهَا» فيه وجهان: أظهرهما: عوده على «القُرُونِ» والثاني: عوده على القيام لدلالة ذكر «القُرُونِ» على ذلك لأنه سأله عن بعث الأمم، والبعث يدل على يوم القيامة. قوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي﴾ في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنَّها في محل جر صفة ل «كِتَاب» ، والعائد محذوف تقديره: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّه رَبِّي، أو لا يضل حفظَه رَبِّي، ف «رَبِّي» ، فاعل «يَضِلُّ» على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يَضِلُّ الكتابُ رَبِّي، فيكون في «يَضِلُّ» ضمير يعود على الكتاب، و «رَبِّي» منصوب على التعظيم، وكان الأصل عن ربي، فحذف الرحف اتساعاً. يقال: ضَلِلْتُ كذا وضَلِلْتُه بفتح اللام وكسرها لغتان مشهورتان وأشهرهما الفتح. والثاني: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب - ساقها الله - تعالى - لمجرد الإخبار بذلك حكاية عن موسى. وقرأ الحسن وقتادة والجحدري وعيسى الثقفي وابن محيصن وحماد بن سلمة «لا يَضِلُّ» بضم الياء، أي لا يُضِلُّ رَبِّي الكِتَابَ، أي: لا يضيعُه، يقال: أضْلَلْتُ الشيء أي أضعته و «رَبِّي» فاعل على هذا التقدير. وقيل: تقديره: لا يُضِلُّ أحدٌ رَبِّي عن علمه، أي من علم الكتاب، فيكون الربُّ منصوباً على التعظيم. وفرِّق بعضهم بين ضَلَلْت وأَضْلَلْتُ، فقال: ضَلَلْتُ منزلي بغير ألف، وأضْلَلْتُ بعيري ونحوه من الحيوان بالألف، نقل ذلك الرماني عن العرب. وقال الفراء: يقال: ضَلَلْتُ الشيْءَ إذا أخطأت في مكانه، وَضَلِلْتُ لغتان، فلم تهتد له كقوله: ضلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ، ولا يقال: أَضْلَلْتُه إلا إذا ضاع منك كالدابة انفلتت وشبهها. قوله: «وَلاَ يَنْسَى» في فاعل «يَنْسَى» قولان: أحدهما: أنه عائد على «رَبِّي» أي: ولا يَنْسَى رَبِّي ما أثبته في الكتاب. والثاني: أن الفاعل ضمير عائد على «الكِتَابِ» على سبيل المجاز كما أسند إليه الإحصاء مجازاً في قوله: «إلا أحْصَاهَا» لما كان محلاً للإحصاء. فصل قال مجاهد في قوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ : إن معنى اللفظين واحد أي: لا يذهب عليه شيء ولا يخفى عنه. وفرق الأكثرون بينهما، فقال القفال: لا يَضِلُّ عن الأشياء ومعرفتها، وما عُلِم من ذلك لم ينسه، فاللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات، وقوله: «وَلاَ يَنْسَى» دليلٌ على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير. وقال مقاتل: لا يخطئ ذلك الكتاب رَبِّي، ولا يَنْسَى ما فيه. (وقال الحسن: لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه. وقال أبو عمرو: وأصل الضلال الغيبوبة، والمعنى: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. وقال ابن جرير: لا يُخطئ في التدبير، فيعتقد فيما ليس بصواب كونه صواباً، وإذا عرفه لا ينساه) . وكلها متقاربة، والتحقيق هو الأول. واعلم أن فرعون لمَّا سال موسى عن الإله فقال: «فَمَنْ رَبُّكُمَا» وكان ذلك ممّا سبيله الاستدلال، أجاب بالصواب بأوجز عبارة، وأحسن معنى، ولما سأله عن القُرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار لم يأته خبرمن ذلك، وكلها إلى عالم الغُيوب. قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ﴾ في هذا الموصول وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، أو منصوب بإضمار أمدح، وهو على هذين التقديرين من كلام الله تعالى لا من كلام موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك، لأن قوله: «فَأَخْرَجْنَا بِهِ» وقوله: ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ وقوله: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ» إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ لا يتأتى أن يكون من كلام موسى يعني: أنه وصف ربَّه تعالى بذلك، ثم التفت إلى الإخبار عن الله - تعالى - بلفظ التكلم؟ قيل: إنما جعلناه التفاتاً في الوجه الأول، لأت المتكلم واحد بخلاف هذا فإنه لا يتأتى فيه الالفتات المذكور وأخواته من كلام الله. والثاني: أن «الَّذِي» صفة ل «رَبِّي» ، فيكون في محل رفع أو نصب على حسب ما تقدم من إعراب «رَبِّي» . وفيه ما تقدم من الإشكال في نظم الكلام من قوله: «فَأخْرَجْنَا» وأخواته من عدم جواز الالتفات، وإن كان قد قال بذلك الزمخشريي والحوفي. وقال ابن عطية: إن كلام موسى تم عند قوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ وأن قوله: «فَأخْرَجْنَا» إلى آخره من كلام الله تعالى. وفيه وقرأ الكوفيون « مَهْداً» بفتح الميم وسكون الهاء من غير ألف. والباقون: «مَهَاداً» بكسر الميم وفتح الحاء وألف بعدها. وفيه وجهان: أحدهما: ثال المفضل: إنَّهما مصدران بمعنى واحد يقال: مَهَّدْتُهُ مَهْدًا ومِهَاداً. والثاني: أنهما مخلفان، فالمِهَادُ هو الاسم، والمَهْد هو الفعل كالفرش والفراش، فالفَرْش المصدر، والفراش اسم لما يُفْرَش. أو أن مِهَاداً جمع مَهْد نحو فَرْخ وفرَاخ وكَعْب وكِعَاب. ووصف الأرض بالمَهْد إما مبالغة، وإما على حذف مضاف أي ذات مَهْدِ. قال أبو عبيد: الذي اختاره مِهَاداً وهو اسم والمَهْد الفعل. وقال غيره: المَهْد الاسم والمِهَادُ الجمع كالفَرْش والفِرَاشِ. أجاب أبو عبيد: بأن الفَرْشَ والفِرَاشَ فعل. قوله: «شَتَّى» فَعْلَى، وألفه للتأنيث، وهو جمع الشَّتيت نحو مَرْضَى في جميع مَرِيض، وجَرْحَى في جمع جَرِيح، وقتلى في جمع قتيل. يقال: شَتَّ الأمرُ يَشِتُّ شَتًّا وَشَتَاتاً فهو شَتٌّ أي تفرق، وشَتَّان اسم فعل ماض بمعنى: افْتَرَقَ، ولذلك لا يكتفي بواحد. وفي «شَتَّى» أوجه: أحدها: أنَّها منصوبةٌ نعتاً لأزواج، أي أزواجاً متفرقة، بمعنى مختلفة الألوان (والطعوم) . والثاني: أنَّها منصوبةٌ على الحال من أزواج، وجاز مجيء الحال من النكرة لتخصصها بالصفة، وهي «مِنْ نَبَاتٍ» . الثالث: أن تنتصب على الحال أيضاً من فاعل الجار، لأنه لما وقع وصفاً وقع ضميراً فاعلاً. الرابع: أنه في محل جر نعتاً لنبات، قال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة لنبات، ونبات مصدر سمي به النبات كما سمي بالنبت، واستوى فيه الواحد والجمع، يعني: أنها شَتَّى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم ووافقه أبو البقاء أيضاً، والظاهر الأول. قوله: «كُلُوا» منصوب بقول محذوف، وذلك القول منصوب على الحال من فاعل «أخْرَجْنَا» تقديره: فأخرَجْنَا كَذَا قائلينَ كُلُوا. وترك مفعول الأكل على حد تركه في قوله تعالى: «وَكُلُوا واشْرَبُوا» «وارْعُوا» ( رعى) يكون لازماً ومتعدياً، يقال: رَعَى دابَّته رعياً فهو راع، ورعى الدابة تَرْعَى رعياً فهي راعية، وَجَاء في الآية متعدياً، و «النُّهَى» فيه قولان: أحدهما أنه جمع نُهْيَة كغُرَف جمع غرفة. والثاني: أنَّها اسمٌ مفرد، وهو مصدر كالهُدَى والسُّرى، قاله أبو عليّ وقد تقدم أول الكتاب أنهم قالوا لم يأت مصدر على «فُعَلٍ» من المعتل اللام إلا سُرَى وهُدَى وبُكَى، وأن بعضهم زاد لُقَى، وأنشد عليه بيتاً. وهذا لفظ فيكون خامساً. والنُّهَى: العقل سُمِّي لعقل به، لأنه صاحبه عن ارتكاب القبائح. فصل لما ذكر موسى - عليه السلام - الدلالة الأولى، وهي (دِلاَلَةٌ عامَّة «تتناول جميع المخلوقات من الحيوان والنبات والجماد ذكر بعده دلائل خاصة فقال:» الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرضَ مِهَاداً «أي جعلها بحيث يتصرف العباد، وغيرهم عليها من النوم، والقُعُود، والقِيَام، والزراعة، وجميع المنافع المذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ [البقرة: 22] . ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ السَّلْكُ: إدخال الشيء في الشيء، أي: أدْخَلَ فِي الأرْضِ لأجلكم طُرُقاً تسلكونها. قال ابن عباس: سَهَّل لكم فيها طرقاً. ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ تقدم الكلام فيه في البقرة» فَأخْرَجْنَا بِهِ أزْوَاجَاً «تقدَّم أنّ هذا من كلام موسى تقديره: يقول ربِّي الذي جعل كذا وكذا» فأخْرَجْنَا «نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراسة» أزْوَاجاً مِنْ نَبَاتٍ» . وتقدم أنَّ الصحيح أنه من كلام الله تعالى، لأنَّ ما بعده لا يليق بموسى - عليه السلام -، ولأن أكثر ما في قدرته صرف المياه إلا سَقْي الأراضي والحراسة، فأما إخراج لنبات على أصناف طبائعه وألوانه وأشكاله فليس من موسى عليه السلام، فثبت أنه كلام الله تعالى. وقوله: «أزْوَاجاً» أي أصنافاً سميت بذلك، لأنها مزدوجة مقترنة بعضها ببعض.» شَتَّى «مختلفة الألوان والطعوم والمنافع بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. » كُلُوا «أمر إباحة.» وَارْعَوْا أنْعَامَكُمْ «تقول العرب: رَعَيْتُ الغنمِ فَرَعَت أي أسِيموا أنْعَامَكُمْ تَرْعَى.» إنَّ في ذَلِكَ «أي فيما أنزلت لكم من هذه النعم» لآيَاتٍ «لعبرة ودلالات.» لأُولِي النُّهَى «لذوي العقول. (قال الضحَّاك) » لأُولِي النُّهَى «الذي ينتهون عما حرم الله عليهم. وقال قتادة: لذَوِي الورع. قوله تعالى:» مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ» الآية، لما ذكر منافع الأرض السماء بيَّن أنَّها غير مخلوقة لذواتها، بل بكونها وسائل إلى منافع الآخرة، فقال: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ» أي من الأرض. فإن قيل: إنَّما خَلَقَنَا من النُّطْفَةِ على ما بَيَّنَ في سائر الآيات. فالجواب من وجوه: الأول: أنَّه لمَّا خَلَق أصلنا وهو آدم - عليه السلام - من تُرابٍ كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] حسن إطلاق ذلك علينا. الثاني: أنَّ تَوَلُّدَ الإنسان إنَّما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدَّان من الأغذية، والغذاء إما حيواني أو نباتي، والحيواني ينتهي إلى النباتي، والنبات إنما يحدث من المتزاج الماء والتراب، فصح أنه سبحانه خَلَقَنا مِنْهَا، وذلك لا ينافي كوننا مخلوقين من النطفة. الثالث: روى ابن مسعود أن مَلَكَ الأرحام يأتي إلى الرَّحيم حين يكتب أجل المولود ورزقَه، والأرض التي يُدْفَن فيها، وأنه يأخذ من تراب تلك البقعة وينثره على النطفة، ثم يدخلها في الرحم. ثم قال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي عند الموت، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ عند البعث.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.