الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية. لما نفى اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة، (ونفي الحاجة) لا يصح إلا بالقدرة التامة عقب تلك الآية بقوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة. وقيل: لما حكى كلام الطاعنين في النبوات، وأجاب عنها، وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد، وعدم الانقياد، بين ههنا أنه تعالى منزه عن طاعتهم لأنه هو المالك بجميع المخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع كونهم في نهاية الضعف أولى أن يطيعوه. قوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على «مَنْ» الأولى أخبر تعالى عن من في السموات والأرض وعن من عنده بأن الكل له في ملكه. وعلى هذا فيكون من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيهاً على شرفه، لأن قوله: ﴿مَن فِي السماوات﴾ شمل «مَنْ عِنْدَهُ» وقد مرَّ نظيره في قوله: «وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ» وقوله: «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» على هذا فيه أوجه: أحدها: أنه حال من «مَنْ» الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال أبو البقاء حال إما من «مَنْ» الأولى على قول من رفع بالظرف. يعني: أنه إذا جعلنا «مَنْ» في قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ مرفوعاً بالفاعلية والرافع الظرف وذلك على رأي الأخفش جاز أن يكون «لا يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من «مَنْ» الأولى، وإما من «من» «يَسْتَكْبِرُون» حالاً وكأنه يرى أن الحال لا يجيء من المبتدأ، وهو رأي لبعضهم. ويجوز أن يكون» لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» حالاً من الضمير المستكن في (عنده) الواقع صلة وأن يكون حالاً من الضمير المستكن في «له» الواقع خبراً. والوجه الثاني من وجهي «مَنْ» أن تكون مبتدأ و «لاَ يَسْتَكْبِرُونَ» خبره، وهذه جملة معطوفة على جملة قبلها، وهل الجملة من قوله: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات﴾ استئنافية أو معادلة لجملة قوله: «وَلَكُمُ الويل» أي لكم الويل ولله جميع العالم علويه وسفليه والأول أظهر ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: لا يكلون ولا يتعبون، يقال: استحسر البعير أي: كلَّ وتَعِب قال علقمة بن عبدة: 3706 - بِهَا جِيَفُ الحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ ويقال: حَسِرُ البعر وحسرته أنا، فيكون لازماً ومتعدياً، وأحسرته أيضاً، فيكون فعل وأفعل بمعنى في أحد وجهي فعل. قال الزمخشري: فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا فبما يفعلون. وهو سؤال حسن وجواب مطابق. قوله: «يُسَبِّحُون» يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من الفاعل في الجملة قبله. و «لاَ يَفْتَرُون» يجوز في الاستئناف، والحال من فاعل «يُسَبِّحُون» . فصل دلَّت هذه الآية على أن الملك أفضل من البشر من ثلاثة أوجه تقدمت في البقرة. والمراد بقوله: «وَمَنْ عِنْدَهُ» هم الملائكة بالإجماع وصفهم الله تعالى بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ وهذا لا يليق بالبشر، وهذه العندية عندية الشرف لا عندية المكان والجهة. روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ ثم قال: ﴿جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً﴾ [فاطر: 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح، وأيضاً قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملاائكة﴾ [البقرة: 161] فكيف يشتغلون باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار وقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. فإن قيل: هذا القياس غير صحيح، لأن الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام؛ لأن آلة التنفس غير آلة الكلام، وأما التسبيح واللعن فهما من جنس الكلام فاجتماعهما محال. فالجواب: أي استبعاد في أن يخلق الله لهم ألسنة كثيرة ببعضها يسبح الله وببعضها يلعنون أعداء الله. أو يقال: معنى قوله: «لاَ يَفْتَرُونَ» أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: إن فلاناً مواظب على الجماعة لا يفتر عنها، لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها، بل يراد به أنه مواظب على العزم على أدائها في أوقاتها. قوله تعالى: «أمِ اتَّخَذُوا» هذه «أَمْ» المنقطعة، فتقدر ب (بل) التي لإضراب الانتقال وبالهمزة التي معناها الإنكار. و «اتخذ» يجوز أن يكون بمعنى (صنع) فيتعلق «مِنْ» به وجوَّز أبو حيَّان أن يكون بمعنى (صَيَّر) التي في قوله ﴿واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: 125] ، فقال: وفيه معنى الاصطفاء والاختيار. و «مِنَ الأرْضِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذ كما تقدم، وأن يتعلق بمحذوف على أنها نعت ل «ألِهَة» أي من جنس الأرض. قوله: «هُمْ يَنْشِزُون» بضم حرف المضارعة من أنشر. وقرأ الحسن بفتحها وضم الشين يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. ونشر لا يكون لزماً ومتعدياً. قوله: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً﴾ استفهام بمعنى الجحد أي لم يتخذوا من الأرض يعني: الأصنام من الأرض والحجارة، وهما من الأرض، والمنكر بعد اتخاذهم آلهة من الأرض ينشرون الموتى. فإن قيل: كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر، وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم بل كانوا في نهاية البعد عن هذه الدعوى، فإنهم كانوا مع إقرارهم بالله وأنه خالق السموات والأرض منكرين للبعث، ويقولون: ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] فكيف يدعون ذلك للجماد الذي لا يوصف بالقدرة البتة؟ فالجواب: أنهم لما اشتغلوا بعبادتها، ولا بد للعبادة من فائدة، وهي الثواب، فإقدامهم على عبادتهم يوجب إقرارهم بكونهم قادرين على الحشر والنشر والثواب والعقاب، فذكر ذلك على سبيل التهكم بهم، والمعنى: إذا لم يكونوا قادرين على أن يُحْيوا أو يميتوا ويضروا وينفعوا فأي عقل يجوز اتخاذهم آلهة. وقوله: «مِنَ الأرْضِ» كقولك: فلان من مكة أو من المدينة. وقوله: «هم» يفيد معنى الخصوصية كأنه قيل: أن اتخذوا آلهة لا يقدرون على الإنشار إلا هم وحدهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.