الباحث القرآني

قوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول﴾ . قرأ الأخوان وحفص «قَالَ» على لفظ الخبر والضمير للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. والباقون: «قُلْ» على الأمر له. قوله: «فِي السَّمَاءِ» فيه أوجه: أحدها: أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من القول. والثاني: أنه حال من فاعل «يَعْلَمُ» وضعفه أبو البقاء، وينبغي أن يمتنع. والثالث: أنه متعلق ب «يَعْلَمُ» ، وهو قريب مما قبله. وحذف متعلق «السَّمْيِعُ العَلِيمُ» للعلم به. والمعنى: لا يخفى عليه شيء «وهو السميع» لأقوالهم «العليم» بأفعالهم. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: يعلم السر لقوله «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» قلت: القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، فكان آكد في بيان الاطلاع على نجواهم من أن يقول: يعلم السر، كما أن قوله: «يَعْلَمُ السَّرَّ» آكد من أن يقول: يعلم سرهم. فإن قلت: لم ترك الآكد في سورة الفرقان في قوله: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾ [الفرقان: 6] ؟ قلت: ليس بواجب أن يجيء بالآكد في كل موضع ولكن يجيء بالتوكيد تارة وبالآكد أخرى. ثم الفرق أنه قدم هنا أنهم أسروا النجوى، فكأنه قال: إن ربي يعلم ما أسروه، فوضع القول موضع ذلك للمبالغة، وثم قصد وصفه ب ﴿عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] وإنما قدم «السميع» على «العليم» لأنه لا بد من سماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه. قوله: «أَضْغَاثُ أًحْلاَم» خبر مبتدأ محذوف، أي هو أضغاث والجملة نصب بالقول. واعلم أنه تعالى عاد إلى حكاية قولهم: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر﴾ ثم قال ﴿بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فحكى عنهم هذه الأقوال الخمسة، وترتيب كلامهم أن كونه بشراً مانع من كونه رسولاً لله. سلمنا أنه غير مانع، ولكن لا نسلم أن هذا القرآن معجز، ثم إما أن يساعد على أن فصاحة القرآن خارجة عن مقدور البشر، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ذلك سحراً، وإن لم يساعد عليه فإن ادّعينا كونه في نهاية الركاكة، قلنا: إنه أضغاث أحرم. وإن ادّعينا أنه متوسط بين الركاكة والفصاحة، قلنا: إنه افتراه، وإن ادّعينا أنه كلام فصيح، قلنا: إنه من جنس فصاحة سار الشعر. وعلى جميع هذه التقديرات فإنه لا يثبت كونه معجزاً. ولما فرغوا من تقدير هذه الاحتمالات قالوا: {فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون} والمراد أنهم طلبوا منه حالة لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات. وقال المفسرون: إن المشركين اقتسموا القول فيه وفيما يقوله: فقال بعضهم «أضغاث أحرم» أي: أباطيلها وأهاويلها رآها في النوم. وقال بعضهم: «بَلْ افْتَرَاهُ» أي: اختلقه. وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وما جاءكم به شعر «فَلْيَأْتِنَا» محمد «بِآيَةٍ» إن كان صادقاً ﴿كَمَآ أُرْسِلَ الأولون﴾ من الرسل بالآيات؟ قوله: «كَمَا أُرْسِلَ» يجوز في هذه الكاف وجهان: أحدهما: أن يكون في محل نعتاً ل «آية» ، أي: بآية مثل آية إرسال الأولين (ما) مصدرية. الثاني: أن يكون نعتاً لمصدر محذوف، أي إتياناً مثل إرسال الأولين. فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ﴾ أي: قبل مشركي مكة «مِنْ قَرْيَةٍ» أتتهم الآيات «أَهْلَكْنَاهَا» أي: أهلكناهم بالتكذيب «أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِن جاءتهم آية» . والمعنى: أنهم في العتو أشد من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، وعاهدوا أنهم يؤمنون عندها، فلما جاءتهم نكثوا وخالفوا، فأهلكهم الله، فلو أعطيناهم ما يقترحون لكانوا أشد نكثاً. قال الحسن: إنما لم يجابوا لأن حكم الله تعالى أن من كذب بعد الإجابة إلى ما اقترحه، فلا بدّ من أن ينزل به عذاب الاستئصال، وقد مضى حكمه في أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خاصة بخلافه فلذلك لم يجبهم. وتقدم الكلام في إعراب نظير قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَآ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ . قوله: «نُوحِي إِلَيْهَم» . قرأ حفص «» نوحي «بنون العظمة بنياً للفاعل، أي نوحي نحن والباقون بالياء وفتح الحاء مبنياً للمفعول، وقد تقدم في يوسف. وهذه الجملة في محل نصب نعتاً ل» رِجَالاً «و» إِلَيْهِمْ» في القراءة الأولى منصوب المحل، والمفعول محذوف، أي: نوحي إليهم القرآن أو الذكر. ومرفوع المحلّ في القراؤة الثانية لقيامه مقام الفاعل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.