الباحث القرآني

قوله: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ الآية. «ذَا» بمعنى صاحب و «النون» الحوت. ويجمع على نِينَان كحوت وحيتان والمراد بذي النون يونس - عليه السلام - وسمي بذلك، لأنَّ النون ابتلعه. وقد تقدم أن الاسم إذا دار بين أن يكون مفيداً ولقباً فحمله على المفيد أولى خصوصاً إذا علمت الفائدة التي لذلك الوصف. قوله: «مُغَاصِباً» حال من فاعل «ذَهَبَ» والمفاعلة هنا تحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، أي: غاضب قومه وغاضبوه حين لم يؤمنوا في أول الأمر، وفي بعض التفاسير: مغاضباً لربه فإن صح ذلك عمن يعتبر قوله، فينبغي أن تكون اللام للتعليل لا التعدية للمفعول، أي: لأجل ربه ولدينه. ويحتمل أن يكون بمعنى غضبان، فلا مشاركة كعاقبت وسافرت. والعامة على «مُغَاضِباً» اسم فاعل. وقرأ ألو شرف «مُغَاضِباً» بفتح الضاد على ما لم يسم فاعله كذا نقله أبو حيان. ونقله الزمخشري عن أبي شرف «مُغْضباً» دون ألف من أغضبته فهو مغضب. قوله: «أن لَّن» «أنْ» هذه المخففة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و «لَنْ نَقْدِرَ» هو الخبر، والفاصل حرف النفي. والمعنى: أن نضيق عليه كقوله: {فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} [الفجر: 16] ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] . والعامة على «نَقْدِرَ» بنون العظمة مفتوحة وتخفيف الدال، والمفعول محذوف أي: الجهات والأماكن. وقرأ الزهري بضمها وتشديد الدال. وقرأ ابن أبي ليلى وأبو شرف والكلبي وحميد بن قيس ويعقوب «يُقْدَر» بضم الياء من تحت، وفتح الدال خفيفة مبنياً للمفعول. وقرأ الحسن وعيسى بن عمر بفتح الياء وكسر الدال خفيفة وعلي بن أبي طالب واليماني بضم الياء وكسر الدال مشددة. والفاعل على هذين الوجهين ضمير يعود على الله تعالى. قوله: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ﴾ يجوز في «أَنْ» وجهان: أحدهما: أنها المخففة من الثقيلة فاسمها كما تقدم محذوف، والجملة المنفية بعدها الخبر. والثاني: أنها تفسيرية، لأنَّها بعد ما هو بمعنى القول دون حروفه. فصل معنى الآية: واذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى «إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً» قال ابن عباس: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك وسبى منهم تسعة أسباط ونصفاً، وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله إلى شعيا النبي أن اذهب إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبياً قوياً أميناً، فإني ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل. فقال الملك: ومن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال: يونس بن متى فإنه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: هل سماني لك؟ قال: لا. قال: فها هنا هي المفاعلة التي تكون من واحد كالمسافرة والمعاقبة. فمعنى قوله: «مُغَاضِباً» أي: غضبان. وعن ابن عباس قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب، فانطلق إلى السفينة. وقال وهب: إن يونس بن متى كان عبداً صالحاً، وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تَفسَّخَ تَحْتَهَا الرَّبع تحت الحمل الثقيل. فقذفها من يده، وخرج هارباً منها، فلذلك أخرجه الله من أول العزم، فقال لنبيه محمد - عليه السلام -: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ [الأحقاف: 35] ، قال: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] . قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: أن نقضي عليه بالعقوبة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي وهو رواية العوفي عن ابن عباس: يقال: قدّر الله شيئاً تقديراً، وقدر يقدر قدرً بمعنى واحد. ومنه قوله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ [الواقعة: 60] في قراءة من خفّفها دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري «فَظَنَّ أَن لَّن نُّقَْدِّرَ عَلَيْهِ» بالتشديد. وقال عطاء وكثير من العلماء: معنا فظن أن لن نضيق عليه الحبس من قوله تعالى: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: 26] أي: يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه أفظن أنه يعجز ربه فلا يقدر (عليه؟) وعن الحسن قال: بلغني أنَّ يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضباً لربه، واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة، فأبى الله أن يجعله للشيطان، فقذفه في بطن الحوت، فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة. وقال عطاء: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة، فتاب إلى ربه في بطن الحوت، وراجع نفسه، فقال: ﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء، فلم أعبد غيرك، فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته. فصل احتج القائلون بجواز الذنب على الأنبياء بهذه الآية من وجوه: أحدها: أن أكثر المفسرين على أنه ذهب يونس مغاضباً لربه، قيل: هذا قول ابن مسعود وابن عباس والحسن والشعبي وسعيد بن جبير ووهب، واختيار ابن قتيبة ومحمد بن جرير، وإذا كان كذلك فمغاضبة الله من أعظم الذنوب، ثم على تقدير أن هذه المغاضبة لم تكن مع الله بل كان مع ذلك الملك، أو مع القوم، فهو أيضاً محظور لقول الله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] وذلك يقتضي أن ذلك الفعل من يونس محظور. وثانيها: قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ وذلك يقتضي كونه شاكاً في قدرة الله. وثالثها: قوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ والظلم مذموم قال تعالى: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . ورابعها: أنه لو لم يصدر منه الذنب، فلم عاقبه الله بان ألقاه في البحر في بطن الحوت. وخامسها: قوله: ﴿فالتقمه الحوت وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: 142] والمليم هو ذو الملامة ومن كان كذلك فهو مذنب. وسادسها: قوله: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] فإن لم يكن صاحب ذنب ولم يجز النهي عن التشبّه به وإن كان مذنباً فهو المطلوب. وسابعها: قوله: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] وقاتل: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم﴾ [الأحقاف: 35] وهذا يقتضي أنّ ذلك الفعل مخرج أن يكون يونس من أولي العزم. والجواب: أنه ليس في الآية من غاضبة، فلا نقطع على نبي الله بأنه غاضب ربه، لأنّ ذلك صفة من يجهل كون الله مالكاً للأمر والنهي، والجاهل بالله لا يكون مؤمناً فضلاً عن أن يكون نبياً. وأما ما روى من أنه خرج مغاضباً لأمر يرجع إلى الاستعداد فمما يرتفع حال الأنبياء عنه، لأنّ الله تعالى إذا أمرهم بشيء فلا يجوز أن يخالفوه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] وقوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: 65] . فإذا كان في الاستعداد مخالفة لم يجز أن يقع ذلك منهم. وإذا ثبت أنه لا يجوز صرف هذه المغاضبة إلى الله وجب أن يكون المراد أنه خرج مغاضباً لغير الله، والغالب أنه إنما يغاضب من يعصه فيما يامره به، فيحمل على مغاضبة قومه، أو الملك، أو هما جميعاً ومعنى مغاضبته لقومه أنه غاضبهم لمفارقته لخوف حلول العذاب بهم، وقرئ «مغضباً» كما تقدن وأما قولهم: مغاضبة القوم أيضاً محظورة لقوله: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] . فالجواب لا نسلم أنها كانت محرمة، أما الذهاب، فلأن الله أمره بتبليغ الرسالة إليهم، وما أمره بأن يبقى معهم أبداً، فظاهر الأمر لا يقتضي التكرار، فلم يكن خروجه من بينهم معصية. وأما الغضب لما لم يكن منهياً عنه قبل ذلك ظن أن ذلك جائز من حيث أنه لم يفعله إلا غضباً لله وأنفة لدينه، بل كان الأولى أن يصابر وينتظر من الله الأمر بالمهاجرة عنهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت﴾ [القلم: 48] كأن الله تعالى أراد لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أفضل المنازل وأعلاها. وأما الجواب عن قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فنقول من ظن عجز الله فهو كافر، ولا خلاف أنه لا يجوز نسبة ذلك إلى آحاد المؤمنين فكيف إلى الأنبياء، فإن لا بدَّ فيه من التأويل، وفيه وجوه: الأول: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ نضيق عليه كقوله: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ [الرعد: 26] ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أي: ضيق، وكذا قوله: ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] أي: ضيق، فمعناه: أن لن نضيق عليه، وهلى هذا فالآية حجة لنا، لأن يونس ظن أنه مخير إن شاء أقام وإن شاء خرج وأنه تعالى لا يضيق عليه في اختياره، وكان في المعلوم أنَّ الصلاح في تأخير خروجه، وهذا من الله بيان لما يجري مجرى العذر له من حيث خرج لا على تعمد المعصية لكن ظن أنَّ الأمر في خروجه موسع يجوز أن يقدم ويؤخر، وكان الصلاح خلاف ذلك. والثاني: أن يكون هذا من باب التمثيل، أي: فكانت حاله مماثلة لحال من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه عن قومه من غير انتظار لأمر الله. الثالث: أن يفسر القدر بالقضاء، والمعنى فظن أن لن نقدر عليه بشدة. قال مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، ورواية العوفي عن ابن عباس واختيار الفراء والزجاج: يقال: قَدَرَ الله الشيء قَدْراً وقَدَّرَهُ تَقْدِيراً فالقدر بمعنى التقدير، وتقدم قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري بضم النون والتشديد من التقدير. وروي أنه دخل عن ابن عباس على معاوية، فقال معاوية: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلا بك. فقال: وما هي؟ قال: ظن نبي الله أن لن يقدر الله عليه. فقال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة. الرابع: فظن أن لن (نقدر، أي: فظن أن لن نفعل لأن) بين القدرة والفعل مناسبة، فلا يبعد جعل أحدهما مجازاً عن الآخر. الخامس: أنه استفهام بمعنى التوبيخ كما تقدم عن ابن زيد. السادس: قول من قال إن هذه الواقعة كانت قبل رسالة يونس، فيكون هذا الظن حاصلاً قبل الرسالة، وإذا كان كذلك فلا يبعد في حق غير الأنبياء أن يسبق ذلك إلى وهمه بوسوسة الشيطان، ثم إنه يرده بالحجة والبرهان. وأما الجواب عن قوله ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ فنقول: إن حملناه على ما قبل النبوة فلا كلام، وإن حملناه على ما بعدها فيجب تأويله، لأنا لو أجريناه على ظاهره، لاستحق اللعن، وهذا لا يقوله مسلم، وإذا وجب التأويل فنقول: لا شك أنه كان تاركاً للفضيلة مع القدرة على تحصيل الأفضل، فكان ذلك ظلماً. وأما الجواب عن إلقائه في البحر في بطن الحوت، وأن ذلك عقوبة، فلا نسلم أنَّ ذلك عقوبة، إذ الأنبياء لا يجوز أن يعاقبوا بل المراد المحنة. وأما الجواب عن الملامة فإنما كان بسبب ترك الأفضل. فصل قوله ﴿فنادى فِي الظلمات﴾ قال الزمخشري: أي: في الظلمة الشديدة المتكاثفة في بطن الحوت كقوله: ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: 17] وقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: 257] . وقيل: أراد ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت. ﴿أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ﴾ نزه ربه عن كل النقائض، ومنها العجز، وهذا يدلّ على أنه ما كان مراده من قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنه ظن العجز، وإنما قال: «سُبْحَانَكَ» ، لأنّ معناه سبحاتنك أن تفعل جوراً أو شهوة الانتقام أو عجزاً عن تخليصي عن هذا الحبس، بل فعلته بحق الإلهية وبمقتضى الحكمة ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ أي: ظلمت نفسي بفراري من قومي بغير إذنك كأنه قال: كنت من الظالمين، وأنا الان من التائبين النادمين فاكشف عني المحنة. روى أنس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» . قوله: ﴿فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ أي: من غمه بسبب كونه في بطن الحوت وبسبب خطيئته. قوله: ﴿وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ : الكاف نعت لمصدر أو حال من ضمير المصدر أي: كما أنجينا يونس من كرب الحوت إذ دعانا، أو كإنجائنا يونس كذلك ننجي المؤمنين من كربهم إذا استغاثوا بنا. وقرأ العامة «نُنْجِي» بضم النون الأولى وسكون الثانية من أنجي ينجي. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم «نُجِّي» بتشديد الجيم وسكون الياء وفيها أوجه: أحسنها: أن يكون الأصل «نًنْجِي» بضم الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم فاستثقل توالي مثلين، فحذفت الثانية كما حذفت في قوله «مَا نُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ» في قراءة من قرأه كما تقدم، وكما حذفت التاء الثانية في قوله: «تَذَكَّرَونَ» و «تَظَاهَرُونَ» وبابه. ولكن أبو البقاء استضعف هذا التوجيه بوجهين فقال: أحدهما: أنَّ النون الثانية أصل، وهي فاء الكلمة، فحذفها يبعد جداً. والثاني: أنَّ حركتها غير حركة النون الأولى، ولا يستثقل الجمع بينهما بخلاف «تظاهرون» ألا ترى أنك لو قلت: تتحامى المظالم لم يَسُغْ حذف الثانية. أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة، أي الألفين المحذوفة من أنَّ الأولى هي الأصل، لأنها عين الكلمة وأما اختلاف الحركة فلا أثر له أيضاً، لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي حركة كانا. الوجه الثاني: أنّ «نُجِّي» فعل ماض مبني للمفعول، وإنما سكنت لامه تخفيفاً، كما سكنت في قوله: «مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا» في قراءة شاذّة تقدمت، قالوا: وإذا كان الماضي الصحيح قد سكن نخفيفاً فالمعتل أولى، ومنه: 3732 - إنَّمَا شِعْرِي قَنْدٌ ... قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلاَنِ وتقدم منذ لك جملة وأسند هذا الفعل إلى ضمير المصدر مع وجود المفعول الصريح كقراءة أبي جعفر «لِيُجْزَى قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ» وهذا رأي الكوفيين والأخفش، وتقدمت شواهد ذلك، والتقدير: نُجِّي النجاة، قال أبو البقاء: وهو ضعيف من وجهين: أحدهما: تسكين آخر الفعل الماضي. والآخر: إقامة المصدر مع وجود المفعول الصريح. وقد عرف جوابهما مما تقدم. الوجه الثالث: أن الأصل «نُنْجِي» كقراءة العامة إلا أن النون الثانية قلبت جيماً وأدغمت في الجيم بعدها. وهذا ضعيف جداً، لأن النون لا تقارب الجيم فتدغم فيها. الوجه الرابع: أنه ماض مسند بضمير المصدر أي: نُجِّي النجاءُ كما تقدم في الوجه الثاني، إلا أنَّ «المُؤْمِنِينَ» ليس منصوباً ب «نُجِّي» بل بفعل مقدر. وكأن صاحب هذا الوجه فرَّ من إقامة غير المفعول به من وجوده فجعله من جملة أخرى. وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن على قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه، وقد سبقه إلى ذلك أبو إسحاق الزجاج. وأما الزمخشري فإنما طعن على بعض الأوجه المتقدمة، فقال: ومن تمحل لصحته فجعله فُعِّل، وقال: نُجِّي النجاء المؤمنين، وأرسل الياء وأسنده إلى مصدره، ونصب المؤمنين فمتعسف بارد التعسف. فلم يرتض هذا التخريج بل للقراءة عنده تخريج آخر، وقد يمكن أن يكون هو المبتدأ به لسلامته مما تقدم من الضعف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.