الباحث القرآني

مكية غير ست آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله: " هذان خصمان " إلى قوله: " وهدوا إلى صراط الحميد ". وهي ثمان وتسعون آية، وعدد كلماتها ألفان ومائتان وإحدى وتسعون كلمة، وعدد حروفها خمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله: قوله: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ﴾ أي: احذروا عقابه. والأمرُ بالتقوى يتناولُ اجتنابَ المحرمات، واجتنابَ تركِ الواجبات. قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة﴾ الزلزلة: شدة حركة الشيء، ويجوز في هذا المصدر وجهان: أحدهما: أن يكون مضافاً لفاعله، وذلك على تقديرين: أحدهما: أن يكون من (زَلْزَلَ) اللازم بمعنى: يُزَلْزِل، فالتقدير: أن تزلزل السَّاعة. والثاني: أن يكون من (زَلْزَلَ) المتعدي، ويكون المفعول محذوفاً تقديره: إن زلزال الساعةِ الناسَ، كذا قدره أبو البقاء. والأحسن أن يقدر: إن زلزال الساعة الأرض، يدل عليه ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض﴾ [الزلزلة: 1] ، ونسبة التزلزل أو الزلزال إلى الساعة على سبيل المجاز. الوجه الثاني: أن يكون المصدر مضافاً إلى المفعول به على طريقة الاتساع في الظرف كقوله: 3743 - طَبَّاخِ سَاعَاتِ الكَرَى زَادَ الكَسِل ... وقد أوضح الزمخشري ذلك بقوله: ولا تخلو «السَّاعَةُ» من أن تكون على تقدير الفاعل لها، كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، فتكون الزلزلة مصدراً مضافاً إلى فاعله، وعلى تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف، وإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى: ﴿مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . فصل اختلفوا في وقت هذه الزلزلة، فقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة قبل قيام الساعة، ويكون بعدها طلوع الشمس من مغربها. وقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها، فتكون فعلها روي عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في حديث الصور: «إِنَّهُ قَرْنٌ عظيمٌ ينفخ فيه ثلاث نفخات: نفخة الفَزَع، ونفخة الصَّعْقِ، ونفخة القيامة، وإن عند نفخة الفزع يسير الله الجبال، وتَرْجُف الراجفة، تتبعها الرّادِفَة، قلوب يومئذٍ واجِفَة وتكون الأرض كالسفينة حصرتها الأمواج أو كالقِنْديل المعلق تموجها الرياح» قال مقاتل وابن زيد: هذا في أول يوم من أيام الآخرة وليس في الآية دلالة على هذه الأقوال، لأن هذه الإضافة [تصح] وإن كانت فيها ومعها كقولنا: آيات الساعة وأمارات الساعة. قوله: «يَوْم» ، فيه أوجه: أحدها: أن ينتصب ب «تَذْهَلُ» ، ولم يذكر الزمخشري غيره. الثاني: أنه منصوب ب «عَظِيم» . الثالث: أنه منصوب بإضمار «اذْكُر» . الرابع: أنه بدل من «السَّاعة» ، وإنما فُتِح لأنه مبني، لإضافته إلى الفعل وهذا إنما يتمشى على قول الكوفيين، وتقدم تحقيقها آخر المائدة. الخامس: أنه بدل من «زَلْزَلة» بدل اشتمال، لأن كلاًّ من الحدث والزمان يصدق أنه مشتمل على الآخر. ولا يجوز أن ينتصب ب «زَلْزَلة» لما يلزم من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر. قوله: «تَرَوْنَها» في هذا الضمير قولان: أظهرهما: أنه ضمير الزلزلة؛ لأنها المحدث عنها، ويؤيده أيضاً قوله ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ . والثاني: أنه ضمير الساعة. فعلى الأول: يكون الذهول والوضع حقيقة؛ لأنه في الدنيا. وعلى الثاني: يكون على سبيل التعظيم والتهويل، وأنها بهذه الحيثية، إذ المراد بالساعة القيامة، وهو كقوله: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ [المزمل: 17] . قوله: «تَذْهَل» في محل نصب على الحال من الهاء في «تَرَوْنَها» ، فإن الرؤية هنا بَصَريَّة، وهذا إنما يجيء على غير الوجه الأول، وأما الوجه الأول وهو أنّ «تَذْهَلُ» ناصب ل «يَوْمَ تَرَوْنَها» فلا محل للجملة من الإعراب؛ لأنها مستأنفة، أو يكون محلها النصب على الحال من الزلزلة، أو من الضمير في «عَظِيْم» وإن كان مذكراً، لأنه هو الزلزلة في المعنى، أو من «الساعة» وإن كانت مضافاً إليها، لأنه إما فاعل أو مفعول كما تقدم. وإذا جعلناها حالاً فلا بد من ضمير محذوف تقديره: تذهل فيها. وقرأ العامة: «تَذْهَل» بفتح التاء والهاء من: ذهل عن كذا يذهل. وقرأ ابن أبي عبلة واليماني: بضم التاء وكسر الهاء، ونصب «كل» على المفعول به من أذهله عن كذا يُذْهله، عدّاه بالهمزة. والذهول: الاشتغال عن الشيء، وقيل: إذا كان مع دهشته وقيل: إذا كان ذلك لطرآن شاغل من هَمّ أو مرض ونحوهما، وذهل بن شيبان أصله من هذا. والمرضعة: من تلبست بالفعل، والمرضع من شأنها أن تُرْضع كحائض فإذا أراد التلبس قيل: حائضة. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل «مُرْضِعَة» دون مُرْضِع؟ قلت: المرضعة هي التي في حال الإرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها (به) . والمعنى: أن من شدة الهول تذهل هذه عن ولدها فكيف بغيرها. وقال بعض الكوفيين: المرضعة يقال للأم، والمُرْضِع يقال للمستأجرة غير الأم، وهذا مردود بقول الشاعر: 3744 - كَمُرْضِعَةٍ أَوْلاَدَ أُخْرَى وَضَيَّعَتْ ... بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلاَلُ عَنِ القَصْدِ فأطلق المرضعة بالتاء على غير الأم. وقول العرب مرضعة يرد أيضاً قول الكوفيين: إن الصفات المختصة بالمؤنث لا يلحقها تاء التأنيث نحو: حائض وطالق. فالذي يقال: إن قصد النسب فالأمر على ما ذكروا، وإن قصد الدلالة على التلبس بالفعل وجبت التاء، فيقال: حائضة وطَالِقَة وطامثة. قوله: «عَمَّا أَرْضَعتْ» يجوز في «ما» أن تكون مصدرية، أي: عن إرضاعها، ولا حاجة إلى تقدير حذف على هذا. ويجوز أن تكون بمعنى (الذي) ، فلا بد من حذف عائد، أي: أرضعته، ويقويه تعدي «تضع» إلى مفعول دون مصدر. والحمل - بالفتح - ما كان في بطن أو على رأس شجر، وبالكسر ما كان على ظهر. قوله: ﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾ . العامة على فتح التاء من «تَرَى» على خطاب الواحد. وقرأ زيد بن عليّ بضم التاء وكسر الراء على أن الفاعل ضمير الزلزلة، أو الساعة وعلى هذه القراءة فلا بد من مفعول أول محذوف ليتمّ المعنى به، أي: وتُرِي الزلزلة أو الساعة الخلق الناس سكارى. ويؤيد هذا قراءة أبي هريرة وأبي زرعة وأبي نهيك «تُرَى النَّاسَ سُكَارَى» بضم التاء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله ونصب «النَّاسَ» ، بَنَوْه من المتعدي لثلاثة، فالأول قام مقام الفاعل وهو ضمير المخاطب، و «النَّاسَ سُكَارَى» هما الثاني والثالث. ويجوز أن يكون متعدياً لاثنين فقط على معنى وتري الزلزلة أو الساعة الناس قوماً سكارى، ف «النَّاس» هو الأول و «سُكَارَى» هو الثاني وقرأ الزعفراني وعباس في اختياره «وترى» كقراءة أبي هريرة إلا أنهما رفعاً «النَّاسَ» على أنه مفعول لم يسم فاعله، والتأنيث في الفعل على تأويلهم بالجماعة. وقرأ الأخوان «سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى» على وزن وصفه المؤنثة بذلك واختلف في ذلك هل هذه صيغة جمع على فعلى كمرضى وقتلى، أو صفة مفردة استغني بها في وصف الجماعة خلاف مشهور تقدم في قوله «أَسْرَى» . وظاهر كلام سيبويه أنه جمع تكسير فإنه قال: وقوم يقولون: «سَكْرَى» جعلوه مثل مَرْضَى. لأنهما شيئان يدخلان على الإنسان ثم جعلوا روبى مثل سكرى، وهم المستثقلون نوماً لا من شرب الرائب. وقال الفارسي: ويجوز أن يكون جمع سَكِر كزَمِن وزَمْنَى، وقد حكي: رجل سكر بمعنى سكران، فيجيء سكرى حينئذ لتأنيث الجمع. قال شهاب الدين: ومن ورود سكر بمعنى سكران قوله: 3745 - وَقَدْ جَعَلْتُ إِذَا مَا قُمْت يُثْقِلُني ... ثَوْبِي فَأَنْهَضُ نَهْضَ الشَّارِبِ السَّكِرْ وكُنْتُ أَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ مُعْتَدِلاً ... فَصِرْتُ أَمْشِي عَلَى أُخْرَى مِنَ الشَّجَرْ ويروى البيت الأول: الشارب الثمل. وبالراء أصح لدلالة البيت الثاني عليه. وقرأ الباقون «سُكَارَى» بضم السين، وقد تقدم في البقرة خلاف، هل هذه الصيغة جمع تكسير أو اسم جمع. وقرأ أبو هريرة وأبو نهيك وعيسى بفتح السين فيهما، وهو جمع تكسير واحده سكران. قال أبو حاتم: وهي لغة تميم. وقرأ الحسن والأعرج وأبو زرعة والأعمش «سُكْرَى» «وَمَا هُمْ بِسُكْرَى» بضم السين فيهما. فقال ابن جني: هي اسم مفرد كالبشرى بهذا أفتاني أبو علي. وقال أبو الفضل: فُعلى بضم الفاء صفة الواحد من الإناث، لكنها لما جعلت من صفات الناس وهم جماعة أجريت الجماعة بمنزلة المؤنث الموحد. وقال الزمخشري: وهو غريب. قال شهاب الدين: ولا غرابة فإن فعلى بضم الفاء كثير مجيئها في أوصاف المؤنثة نحو الرُّبَّى والحُبْلَى. وجوَّز أبو البقاء فيه أن يكون محذوفاً من سكارى وكان من حق هذا القارئ أن يحرك الكاف بالفتح إبقاء لها على ما كانت عليه وقد رواها بعضهم كذلك عن الحسن. وقرئ «ويَرَى الناسُ» بالياء من تحت، ورفع «النَّاسُ» . وقرأ أبو زرعة في رواية «سَكْرَى» بالفتح «ومَا هُمْ بِسُكْرَى» بالضم. وعن ابن جبير كذلك إلا أنه حذف الألف من الأول دون الثاني. وإثبات السكر وعدمه بمعنى الحقيقة والمجاز، أي: ﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾ على التشبيه ﴿وَمَا هُم بسكارى﴾ على التحقيق. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل أولاً: ترون، ثم قيل: ترى على الإفراد؟ قلت: لأن الرؤية أولاً علقت بالزلزلة، فجعل الناس جميعاً رائين لها، وهي معلقة أخيراً بكون الناس على حال السكر، فلا بد أن يجعل كل واحد منهم رائياً لسائرهم. فصل «روي أن هاتين الآيتين نزلتا بالليل في غزوة بني المصطلق، والناس يسيرون، فنادى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاجتمعوا حوله، فقرأهما عليهم، فلم يُرَ أكثر باكياً من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج على الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا القدور، والناس بين باك وجالس حزين متفكر. فقال عليه السلام:» أَتَدْرُونَ أَيَّ ذَلِكَ اليَوْم «؟ قالوا: اللَّهُ وَرَسُولُه أَعْلَم. قال:» ذَلِكَ يَوْم يَقُولُ اللَّهُ تَعَالى لآدم: قُمْ فَابعَثْ بَعْثَ النَّار مِنْ وَلَدِك، فَيَقُول آدَمُ: وَمَا بعث النَّارِ؟ فيقُولُ اللَّهُ تعالى مِنْ كُلِّ ألْفٍ تِسْعمائةٍ وتسعة وتسعون إلى النَّارِ وَوَاحِدٌ إلى الجَنَّة، فَعِنْدَ ذَلِك يَشيْبُ الصَّغِيْر، وتَضَعُ كُلُّ ذات حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَترى النَّاسَ سُكَارَى وَما هُم بِسُكارى وَلَكِن عَذاب اللَّهِ شَدَيد «قال: فيقولون: وأَيُّنا ذِلكَ الواحِدُ فقال رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» تِسْعمائةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ومنكُمْ وَاحِد» . وفي رواية فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «يَسِّرُوا وسَدِّدُوا وقَارِبُوا فَإنَّ مَعَكُمْ خَلِيقَتَيْن مَا كَانَتَا في قَوْم إِلاَ كَثُروا يَأْجُوْجَ وَمَأْجُوْجَ» ثم قال: «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُوْنُوا رُبْعَ أَهْلِ الجَنَّة» فكبَّرُوا وحَمَدُوا اللَّهَ، ثم قال: «إِنِّي لأرْجُوا أَنْ تَكُونوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّة» فَكبَّرُوا وحَمَدُوا الله، ثم قال: «إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تُكُونُوا ثُلُثَي أهلِ الجَنَّة، إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ مائَة وعشرُونَ صَفّاً، ثَمَانُونَ مِنْ أُمتَّي وما المُسلمُونَ في الكُفَّار إلا كالشَّامَةِ في جنب البعير، أو كالشَّعرة البيضاء في الثور الأسود» ثم قال: «ويَدْخُلُ مِنْ أُمَّتي سَبْعُونَ ألْفاً الجَنَّة بِغَيْر حِسَاب» فقال عمر: سبعُونَ ألفاً. فقال: «نَعَمْ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعُونَ أَلْفاً» فقام عكاشة بن محصن وقال: يار سول اللَّهِ ادعُ اللَّهَ أن يجعلني منهم. قال: «أَنْتَ مِنْهُم» فقام رجل من الأنصار وقال مثل قوله، فقال: «سبقك بها عكاشة» . فخاض الناس في السبعين ألفاً، فأخبروا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بما قالوا، فقال عليه السلام: «هم الذين لا يكذبون ولا يزنون ولا يسرقون ولا ينظرون وعلى ربهم يتوكلون» . فصل معنى الآية قال ابن عباس: «تَذْهَلُ» تشغل، وقيل: تتنسى «كُلُّ مُرْضِعَةٍ» إذا شاهدت ذلك الهول وقد ألقمت المرضع ثديها نزعته من فيه لما يلحقها من الدهشة «عَمَّا أَرْضَعَتْ» أي عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته، وهو الطفل، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي تسقط ولدها التمام وغير التمام. قال الحسن: وهذا يدل على أن الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبل. قال القفال: ويحتمل أن يقال: إن من ماتت حاملاً أو مرضعة بعثت حاملاً ومرضعة تضع حملها من الفزع، ويحتمل أن يكون المراد من ذهول المرضعة ووضع الحامل على جهة المثل كما تأولوا قوله: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ [المزمل: 17] . و ﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُم بسكارى﴾ من الشراب. وقيل: معناه كأنهم سكارى، ولكن ما أرهقهم من خوف عذاب الله هو الذي أذهب عقولهم. فإن قيل: هل يحصل ذلك الخوف لكل أحد أو لأهل النار خاصة؟ فالجواب: قال قوم إن الفزع الأكبر وغيره يختص بأهل النار، وإن أهل الجنة يحشرون وهم آمنون، لقوله: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: 103] وقيل: بل يحصل للكل؛ لأنه سبحانه لا اعتراض عليه في شيء من أفعاله. فصل احتجت المعتزلة بقوله ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ وصفها بأنها شيء مع أنها معدومة. وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] فالشيء الذي قدر الله عليه إما أن يكون موجوداً أو معدوماً، والأول محال وإلا لزم كون القادر قادراً على إيجاد الموجود، وإذا بطل هذا ثبت أن الشيء الذي قدر الله عليه معدوم، فالمعدوم شيء (واحتجوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23 - 24] أطلق اسم الشيء على المعدوم في الحال، فالمعدوم شيء) . وأجيب عن الأول أن الزلزلة عبارة عن الأجسام المتحركة. وهي جواهر قامت بها أعراض، وتحقق ذلك في العدم محال، فالزلزلة يستحيل أن تكون شيئاً حال عدمها، فلا بد من التأويل، ويكون المعنى أنها إذا وجدت صارت شيئاً وهذا هو الجواب عن الباقي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.