الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ الآية. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة: نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم، فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصحَّ بها جسمه، ونتجت فرسه مهراً حسناً، وولدت امرأته غلاماً، وكثر ماله قال: هذا دين حسن، وقد أصبت فيه خيراً واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه، وقَلَّ مالُه قال ما أصبت منذ دخلت هذا الدين إلا شراً فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ . قال أكثر المفسرين: أي: على شك، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه. وقيل: على انحراف، أو على طرف الدين لا في وسطه كالذي يكون في طرف العسكر إن رأى خيراً ثبت وإلا فرَّ. و «عَلَى حَرْف» حال من فاعل «يَعْبُد» أي: متزلزلاً. ومعنى «عَلَى حَرْفٍ» أي على شك أو على انحراف أو على طرف الدين لا في وسطه. فصل لما بين حال المظهرين للشرك المجادلين فيه أعقبه بذكر المنافقين فقال: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ﴾ ، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على سكون وطمأنينة، كالذي يكون على طرف العسكر، فإن أحس بغنيمة قرّ وإلا فَرّ، وهذا هو المراد بقوله ﴿فَإن أصَابَهُ خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه﴾ . قال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه، ﴿فإن أصابه خير﴾ صحة في جسمه وسَعَة في معيشته «اطمأن به» وسكن إليه، ﴿وإن أصابته فتنة﴾ بلاء في جسده وضيق في معيشته ﴿انقلب على وجهه﴾ ارتد ورجع إلى ما كان عليه من الكفر. فصل ذكروا في السبب وجوهاً: الأول: ما تقدم. والثاني: قال الضحاك: نزلت في المؤلفة قلوبهم منهم عيينة بن بدر والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس، قال بعضهم لبعض ندخل في دين محمد فإن أصابنا خير عرفنا أنه حق، وإن كان غير ذلك عرفنا أنه باطل. الثالث: قال أبو سعيد الخدري: «أسلم رجل من اليهود، فذهب بصره وماله وولده، فقال: يا رسول الله أقلني فإني ما أصبت من ديني هذا خيراً ذهب بصري ومالي وولدي. فقال عليه السلام: «إنَّ الإسْلاَمَ لاَ يُقَالُ، إنَّ الإسْلاَمَ يَسْبِكُ كَمَا تَسْبِكُ النَّارُ خَبَثَ الحَدِيد والذَّهَبَ والفِضَّةَ» ونزلت هذه الآية. وهاهنا إشكال، وهو أن المفسرين أجمعوا على أن هذه السور مكيَّة إلا ست آيات ذكروها أولها ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] إلى قوله ﴿صِرَاطِ الحميد﴾ [الحج: 24] ولم يعدوا هذه الوقائع (التي ذكروها في سبب نزول هذه الآية مع أنهم يقولون إن هذه الوقائع) إنما كانت بالمدينة كما تقدم النقل عنهم. فإن قيل: كيف قال: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب﴾ والخير أيضاً فِتْنَةٌ، لأنه امتحان. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35] . فالجواب: مثل هذا كثيرٌ في اللغة، لأن النعمة بلاء وابتلاء قال تعالى ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: 15] ولكن إنما يطابق اسم البلاء على ما يثقل على الطبع، والمنافق ليس عنده الخير إلا الخير الدنيوي، وليس عنده الشر إلا الشر الدنيوي، لأنه لا دين له؛ فلذلك وردت الآية على ما يعتقده. فإن قيل: إذا كانت الآية في المنافق فما معنى قوله ﴿انقلب على وَجْهِهِ﴾ وهو في الحقيقة لم يسلم حتى ينقلب. فالجواب أنه أظهر بلسانه خلاف ما كان أظهره، فصار يذم الدين عند الشدة وكان من قبل يمدحه وذلك انقلاب على الحقيقة. فإن قيل: مقابل الخير هو الشر فلما قال ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ﴾ كان يجب أن يقول: وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ. فالجواب: لما كانت الشدة ليست بقبيحة لم يقل تعالى: وإن أصابه شرٌّ بل وصفه بما لا يفيد فيه القبح. قوله: ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة﴾ قرأ العامة «خسر» فعلاً ماضياً، وهو يحتمل ثلاثة أوجه: الاستئناف، والحالية من فاعل «انْقَلَبَ» ، ولا حاجة إلى إضمار (قد) على الصحيح. والبدلية من قوله «انقلب» كما أبدل المضارع من مثله في قوله ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] . وقرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن والجحدري في آخرين «خَاسِر» بصيغة اسم الفاعل منصوب على الحال، وهو توكيد كون الماضي في قراءة العامة حالاً وقرئ برفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون فاعلاً ب «انقلب» ، ويكون من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: انقلب خاسر الدنيا والآخرة، والأصل: انقلب هو. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو خاسر. وهذه القراءة تؤيد الاستئناف في قراءة المضي على التخريج الثاني. وحق من قرأ «خاسر» رفعاً ونصباً أن يجر «الآخرة» لعطفها على «الدنيا» المجرورة بالإضافة. ويجوز أن يبقى النصب فيها، إذ يجوز أن تكون الدنيا منصوبة، وإنما حذف التنوين من «خاسر» لالتقاء الساكنين نحو قوله: 3750 - وَلاَ ذَاكِرَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلا ... فصل معنى خسرانه الدنيا هو أن يخسر العز والكرامة وإصابة الغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء، ولا يبقى ماله ودمه مصوناً، وأما خسران الآخرة فيفوته الثواب الدائم، ويحصل له العقاب الدائم، و ﴿ذلك هُوَ الخسران المبين﴾ . قوله: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ﴾ إن عصاه ولم يعبده، ﴿وَمَا لاَ يَنفَعُهُ﴾ إن أطاعه وعبده، و ﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾ عن الحق والرشد وهذه الآية تدل على أن الآية الأولى لم ترد في اليهود؛ لأنهم ليس ممن يدعو من دون الله الأصنام. والأقرب أنها واردة في المشركين الذين انقطعوا إلى الرسول على وجه النفاق. قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ . فيه عشرة أوجه، وذلك أنه إما أن يجعل «يَدْعُو» متسلطاً على الجملة من قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ أو لا، فإن جعلناه متسلطاً عليها كان فيه سبعة أوجه: الأول: أنّ «يَدْعُو» بمعنى يقول، واللام للابتداء و «من» موصولة في محل رفع بالابتداء، و «ضَرُّه» مبتدأ ثان، و «أَقْرَب» خبره، وهذه الجملة صلة للموصول، وخبر الموصول محذوف تقديره: يقول للذي ضره أقرب من نفعه: إله، أو إلهي، ونحو ذلك، والجملة كلها في محل نصب ب «يَدْعُو» لأنه بمعنى يقول، فهي محكية به. وهذا قول أبي الحسن وعلى (هذا فيكون قوله: «لَبِئْسَ المَوْلَى» مستأنفاً ليس داخلاً في المحكي قبله، لأن الكفار لا يقولون في أصنامهم ذلك) . (ورد بعضهم هذا الوجه بأنه فاسد المعنى) إذ الكافر لا يعتقد في الأصنام أنَّ ضرّها أقرب من نفعها البتة. الثاني: أنَّ «يَدْعُو» مشبه بأفعال القلوب، لأن الدعاء لا يصدر إلا عن اعتقاده وأفعال القلوب تعلق ف «يَدْعُو» معلق أيضاً باللام، و «لَمَنْ» مبتدأ موصول، والجملة بعدة صلة، وخبره محذوف على ما مر في الوجه قبله، والجملة في محل نصب كما يكون كذلك بعد أفعال القلوب. الثالث: أن يضمن «يَدْعُو» معنى يزعم، فتعلق كما تعلق، والمعنى. والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله. الرابع: أنَّ الأفعال كلها يجوز أن تعلق قلبية كانت أو غيرها، فاللام معلقة ل «يَدْعُو» وهو مذهب يونس، فالجملة بعده والكلام فيها كما تقدم. الخامس: أن «يَدْعُو» بمعنى يسمي، فتكون اللام مزيدة في المفعول الأول، وهو الموصول وصلته، ويكون المفعول الثاني محذوفاً تقديره: يسمي الذي ضره أقرب من نفعه إلهاً ومعبوداً ونحو ذلك. السادس: أن اللام مزالة من موضعها، والأصل: يدعو من لضره أقرب، فقدمت من تأخر. وهذا قول الفراء. ورد هذا بأن ما في صلة الموصول لا يتقدم على الموصول. السابع: أن اللازم زائدة في المفعول به وهو «من» التقدير: يدعو من ضره أقرب، ف «من» موصولة والجملة بعدها صلتها، والموصول هو المفعول ب «يدعو» زيدت فيه اللام كزيادتها في قوله: «رَدِفَ لَكُمْ» في أحد القولين ورد هذا بأن زيادة اللام إنما تكون إذا كان العامل فرعاً أو تقدم المفعول. وقرأ عبد الله «يَدْعُو مَنْ ضَرُّهُ» بغير لام الابتداء، وهي مؤيدة لهذا الوجه. وإن لم نجعله متسلطاً على الجملة بعده كان فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «يَدْعُو» الثاني توكيد ل «يدعو» الأول فلا معمول له، كأنه قيل: (يدعو يدعو) من دون الله الذي لا يضره ولا ينفعه، فعلى هذا تكون الجملة من قوله ﴿ذلك هو الضلال﴾ معترضة بين المؤكد والمؤكد، لأن فيها تشديداً وتأكيداً، ويكون قوله: «لَمَنْ ضَرُّهُ» كلاماً مستأنفاً، فتكون اللام للابتداء، و «مَنْ» موصولة، و «ضَرُّهُ» مبتدأ، و «أقرب» خبره، والجملة صلة، و «لَبِئْسَ» جواب قسم مقدر، وهذا القسم المقدر وجوابه خبر للمبتدأ الذي هو الموصول. الثاني: أن يجعل «ذلك» موصولاً بمعنى الذي، و «هو» مبتدأ، و «الضلال» خبره، والجملة صلة له، وهذا الموصول مع صلته في محل نصب مفعولاً ب «يَدْعُو» ، أي: يَدْعُو الذي هو الضلال وهذا منقول عن أبي علي الفارسي. وليس هذا ماش على رأي البصريين إذ لا يكون عندهم من أسماء الإشارة موصول إلا «ذا» بشروط تقدم ذكرها. (وأما الكوفيون فيجيزون في أسماء الإشارة مطلقاً) أن تكون موصولة، وعلى هذا فيكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ﴾ مستأنفاً على ما تقدم. الثالث: أن يجعل «ذَلِكَ» مبتدأ و «هُوَ» جوزوا فيه أن يكون بدلاً أو فصلاً أو مبتدأ، و «الضلال» خبر «ذَلِكَ» أو خبر «هُوَ» على حسب الخلاف في «هُوَ» و «يَدْعُو» حال، والعائد منه محذوف تقديره: يدعوه وقدروا هذا الفعل الواقع موقع الحال ب «مدعوًّا) . قال أبو البقاء: وهو ضعيف، ولم يبين وجه ضعفه. وكأن وجهه أن» يدعو «مبني للفاعل فلا يناسب أن يقدر الحال الواقعة موقعه اسم مفعول بل المناسب أن يقدر اسم فاعل، فكان ينبغي أن يقدروه داعياً، ولو كان التركيب يدعى مبنياً للمفعول لحسن تقديرهم: مدعو، ألا ترى أنك إذا قلت: جاء زيد يضرب، كيف يقدرونه بضارب لا بمضروب. فصل اختلفوا في المراد بقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ﴾ . قيل: المراد رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم، لأنه يصح منهم أن يضروا، ويؤيد هذا أن الله تعالى بين في الآية الأولى أن الأوثان لا تضرهم ولا تنفعهم، وهذ الآية تقتضي كون المذكور فيها ضاراً نافعاً، فلو كان المذكور في هذه الآية هو الأوثان لزم التناقض. وقيل المراد الأوثان، ثم أجابوا عن التناقض بوجوه: أحدها: أنها لا تضر ولا تنفع بأنفسها، ولكن عبادتها سبب الضرر، وذلك يكفي في إضافة الضرر إليها كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] فأضاف الإضلال إليهم من حيث كانوا سبباً للضلال، فكذلك هنا نفى الضرر عنهم في الآية الأولى، بمعنى كونها فاعلة، وأضاف الضرر إليهم في هذه الآية بمعنى أن عبادتها سبب الضرر. وثانيها: كأنه سبحانه بيَّن في الآية الأولى أنها في الحقيقة لا تضر ولا تنفع ثم قال في الآية الثانية: ولو سلمنا كونها ضارة نافعة لكان ضرها أكثر من نفعها. وثالثها: أن الكفار إذا أنصفوا علموا أنه لا يحصل منها لا نفع ولا ضرر في الدنيا، ثم إنهم في الآخرة يشاهدون العذاب العظيم بسبب عبادتها، فكأنهم يقولون لها في الآخرة إن ضركم أعظم من نفعكم. قوله: ﴿لَبِئْسَ المولى وَلَبِئْسَ العشير﴾ المولى هو الناصر، والعشير الصاحب والمعاشر. والمخصوص بالذم محذوف تقديره: لبئس المولى ولبئس العشير ذلك المدعو. واعلم أن هذا الوصف بالرؤساء أليق، لأنه لا يكاد يستعمل في الأوثان، فبين تعالى أنهم يعدلون عن عبادة الله الذي هو خير الدنيا والآخرة إلى عبادة الأصنام وإلى طاعة الرؤساء بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ المولى﴾ والمراد ذم ما انتصروا بهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.