الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ الآية. لما فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت، وعظم كفر هؤلاء فقال ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام﴾ وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد. قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عام الحديبية عن المسجد الحرام وعن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهَدْي، فكره رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قتالهم وهو محرم، ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل. قوله: «وَيَصدُّونَ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على ما قبله، وحينئذ ففي عطفه على الماضي ثلاثة تأويلات: أحدها: أنّ المضارع قد لا يقصد به الدلالة على زمن معين من حال أو استقبال وإنما يُراد به مجرد الاستمرار، فكأنه قيل: إن الذين كفروا ومن شأنهم الصدّ عن سبيل الله، ومثله: ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾ [الرعد: 28] . الثاني: أنه مؤول بالماضي لعطفه على الماضي. الثالث: أنه على بابه فإن الماضي قبله مؤول بالمستقبل. الوجه الثاني: أنه حال من فاعل «كَفَرُوا» ، وبه بدأ أبو البقاء. وهو فاسد ظاهراً، لأنه مضارع مثبت وما كان كذلك لا تدخل عليه الواو وما ورد منه على قلته مؤول، فلا يحمل عليه القرآن. وعلى هذين القولين فالخبر محذوف، واختلفوا في موضع تقديره، فقدره ابن عطية بعد قوله: «وَالبَادِ» أي: إن الذين كفروا خسروا أو أهلكوا، ونحو ذلك. وقدره الزمخشري بعد قوله: «وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ» أي إن الذين كفروا نذيقهم من عذاب أليم، وإنما قدره كذلك؛ لأن قوله: ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ يدل عليه. إلا أن أبا حيان في تقدير الزمخشري بعد «المَسْجِدِ الحَرَامِ» : لا يصح، قال: لأن «الَّذِي» صفة للمسجد الحرام، فموضع التقدير هو بعد «وَالْبَادِ» . يعني أنه يلزم من تقديره الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو خبر «إنَّ» فيصير التركيب: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم الذي جعلناه للناس. وللزمخشري أن ينفصل عن هذا الاعتراض بأن «الَّذِي جَعَلْنَاه» لا نسلم أنه نعت للمسجد حتى يلزم ما ذكر بل نجعله مقطوعاً عنه نصباً أو رفعاً. ثم قال أبو حيان: لكن مقدر الزمخشري أحسن من مقدر ابن عطية، لأنه يدل عليه الجملة الشرطية بعد من جهة اللفظ وابن عطية لحظ من جهة المعنى لأن من أذيق العذاب خسر وهلك. الوجه الثالث: أن الواو في «وَيَصُدُّونَ» مزيدة في خبر «إنَّ» تقديره: إن الذين كفروا (يصدون) . وزيادة الواو مذهب كوفي تقدم بطلانه. وقال ابن عطية: وهذا مفسد للمعنى المقصود. قال شهاب الدين: ولا أدري فساد المعنى من أي جهة ألا ترى لو صرح بقولنا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَصُدُّونَ) لم يكن فيه فساد معنى، فالمانع إنما هو أمر صناعي عند أهل البصرة لا معنوي، اللهم إلا أن يريد معنى خاصاً يفسد بهذا التقدير فيحتاج إلى بيانه. قوله: «الَّذِي جَعَلْنَاهُ» يجوز جره على النعت والبيان، والنصب بإضمار فعل، والرفع بإضمار مبتدأ. والجعل يجوز أن يتعدى لاثنين بمعنى صيّر، وأن يتعدى لواحد. والعامة على رفع «سواء» . وقرأ حفص عن عاصم بالنصب هنا، وفي الجاثية «سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ» وافقه على الذي في الجاثية الأخوان وسيأتي توجيهه. فأما على قراءة الرفع، فإِن قلنا: إنَّ «جَعَلَ» بمعنى (صير) كان في المفعول الثاني ثلاثة أوجه: أظهرها: أن الجملة من قوله: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ﴾ هي المفعول الثاني، ثم الأحسن في رفع «سَوَاءٌ» أن يكون خبراً مقدماً، و «العاكف» ، والبادي مبتدأ مؤخر، وإنما وَحَّد الخبر وإن كان المبتدأ اثنين، لأنَّ «سَواءٌ» في الأصل مصدر وصف به، وقد تقدم أول البقرة. وأجاز بعضهم أن يكون «سَوَاءٌ» مبتدأ، وما بعده الخبر، وفيه ضعف أو منع من حيث الابتداء بالنكرة من غير مسوّغ، ولأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة المبتدأ. وعلى هذا الوجه أعني كون الجملة مفعولاً ثانياً فقوله: «للنَّاس» يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بالجعل، أي: جعلناه لأجل الناس كذا. والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من مفعول «جَعَلْنَاهُ» ، ولم يذكر أبو البقاء فيه على هذا الوجه غير ذلك، وليس معناه متضحاً. الوجه الثاني: أنَّ «لِلنَّاسِ» هو المفعول الثاني، والجملة من قوله: «سَوَاءٌ العَاكِفُ» في محل نصب على الحال، إما من الموصول وإما من عائده وبهذا الوجه بدأ أبو البقاء، وفيه نظر؛ لأنه جعل هذه الجملة التي هي محطّ الفائدة فضلة. الوجه الثالث: أن المفعول الثاني محذوف. قال ابن عطية: المعنى الذي جعلناه للناس قبلة ومتعبداً. فتقدير ابن عطية هذا مرشد لهذا الوجه. إلا أن أبا حيان قال: ولا يحتاج إلى هذا التقدير إلا إن كان أراد تفسير المعنى لا الإعراب فيسوغ؛ لأن الجملة في موضع المفعول الثاني، فلا يحتاج إلى هذا التقدير وإن جعلناها متعدية لواحد كان قوله: «لِلنَّاسِ» متعلقاً بالجعل على الغلبة وجوَّز فيه أبو البقاء وجهين آخرين: أحدهما: أنه حال من مفعول «جَعَلْنَاهُ» . والثاني: أنه مفعول تعدى إليه بحرف الجر. وهذا الثاني لا يتعقل كيف يكون «لِلنَّاسِ» مفعولاً عدي إليه الفعل بالحرف هذا ما لا يعقل، فإن أراد أنه مفعول من أجله فهي عبارة بعيدة من عبارة النحاة. وأما على قراءة حفص فإن قلنا: «جَعَلَ» يتعدى لاثنين كان «سواء» مفعولاً ثانياً. وإن قلنا: يتعدى لواحد كان حالاً من هاء «جَعَلْنَاهُ» وعلى التقديرين ف «العَاكِفُ» مرفوع به على الفاعلية؛ لأنه مصدر وصف به، فهو في قوة اسم الفاعل المشتق، تقديره: جعلناه مستوياً فيه العاكف، ويدل عليه قولهم: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَوَاءٍ هُوَ وَالعَدَمُ، فهو تأكيد للضمير المستتر فيه، والعدم نسق على الضمير المستتر؛ ولذلك ارتفع، ويروى: سَوَاءٍ وَالعَدَمُ؛ بدون تأكيد وهو شاذ وقرأ الأعمش وجماعة «سَوَاء» نصباً «العَاكِف» جرًّا، وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من الناس بدل تفصيل. والثاني: أنه عطف بيان، فهذا أراد ابن عطية بقوله: عطفاً على الناس. ويمتنع في هذه القراءة رفع «سَوَاءٌ» لفساده صناعة ومعنى، ولذلك قال أبو البقاء: و «سَوَاء» على هذا نصب لا غير. وأثبت ابن كثير ياء «وَالبَادِي» وقفاً ووصلاً. وأثبتها أبو عمرو وورش وصلاً وحذفاها وقفاً. وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً، وهي محذوفة في الإمام. فصل معنى الكلام: ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً كما قال: «وُضِعَ لِلنَّاسِ» وتقدم الكلام على معنى «سَوَاء» باختلاف القراءة. وأراد ب «العَاكِف» المقيم فيه، و «البَادِي» الطارئ من البدو، وهو النازع إليه من غربته. وقال بعضهم: يدخل في «العَاكِف» الغريب إذا جاور ولزمه كالبعيد وإن لم يكن من أهله. واختلفوا في معنى «سَوَاء» فقال ابن عباس في بعض الروايات: إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما أحق بالنزول الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون أحدهما سبق إلى المنزل، وهو قول قتادة وسعيد بن جبير، ومن مذهب هؤلاء تحريم كراء دور مكة وبيعها، واستدلوا بالآية والخبر أما الآية فهذه، قالوا: إن أرض مكة لا تملك، فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والباد، فلما استويا ثبت أن سبيلها سبيل المساجد. وأما الخبر فقوله عليه السلام: «مكة مناخ لمن سبق إليه» وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وأبي حنفية وإسحاق الحنظلي. وقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم وعلى هذا فالمراد ب «المَسْجِدِ الحَرَامِ» الحرم كله؛ لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام وإرادة البلد الحرام جائز لقوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام﴾ [الإسراء: 1] . وأيضاً فقوله: «العَاكِفُ» المراد منه المقيم، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل. وقيل: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد﴾ في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، أي ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس، قال عليه السلام: «يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلب من وُلِّي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صَلّى أية ساعة من ليل أو نهار» وهذا قول من أجاز بيع دور مكة. وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة وكان إسحاق لا يرخِّص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم﴾ [الحج: 40] . فأضاف الديار إلى مالكيها أو إلى غير مالكيها. وقال عليه السلام يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن» ، وقوله عليه السلام: «هل ترك لنا عقيل من رباع» وقد اشترى عمر بن الخطاب دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكيها أو من غير مالكيها. قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة لزمتني تركت قولي. والقول بجواز بيع دور مكة وإجارتها قول طاوس وعمرو بن دينار وبه قال الشافعي. قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أن مفعول «يُرِدْ» محذوف، وقوله: «بإلحَادٍ بظُلمٍ» حالان مترادفان، والتقدير: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب إليم. وإنما حذف ليتناول كل متناول، قال معناه الزمخشري. والثاني: أنّ المفعول أيضاً محذوف تقديره: ومن يرد فيه تَعَدِّيا، و «بإلحاد» حال، أي: ملتبساً بإلحاد، و «بِظُلْمٍ» بدل بإعادة الجار. الثالث: أن يكون «بظلم» متعلقاً ب «يُرِدْ» والباء للسببية، أي: بسبب الظلم و «بإلحَادٍ» مفعول به، والباء مزيدة فيه كقوله: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: 195] . 3756 - لاَ يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ ... وإليه ذهب أبو عبيدة، وأنشد للأعشى: 3757 - ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالنَا أَرْمَاحُنَا ... أي: ضمنت رزق. ويؤيده قراءة الحسن: ﴿وَمَنْ يُرِدْ إلحَادَهُ بِظُلْمٍ﴾ . قال الزمخشري: أراد إلحاده فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف ك «مَكْرُ اللَّيْلِ» ومعناه: ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً. الرابع: أن تضمن «يُرِدْ» معنى يلتبس فذلك تعدى بالباء، أي: ومن يلتبس بإلحاد مريداً له. والعامة على «يُرِد» بضم الياء من الإرادة. وحكى الكسائي والفراء أنه قرئ «يَرد» بفتح الياء، قال الزمخشري: من الورود ومعناه: من أتى فيه بإلحاد ظالماً. فصل الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر. واختلف المفسرون فيه، فقيل: إنه الشرك، أي مَن لجأ إلى الحرم ليشرك به عَذّبه الله، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس، وهو قول مجاهد وقتادة. وروي عن ابن عباس هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك. وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فارتد مشركاً، وفي قيس بن (ضبابة) . وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن خطل حيث قتل الأنصاريّ وهرب إلى مكة كافراً، فأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بقتله يوم الفتح. وقال مجاهد: تضاعَفُ السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات. وعن سعيد بن جبير وحبيب بن أبي ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وعن عطاء هو قول الرجل في المبايعة: لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر: أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له في ذلك فقال: كنا نُحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله. وعن عطاء: هو دخول الحرم غير محرم وارتكاب شيء من محظورات الإحرام من قتل صيد أو قطع شجر. ولما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بيَّن تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم فلهذا قرن الظلم بالإلحاد؛ لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] . وقوله: ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ بيان للوعيد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.